الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وجدت نفسي بلا خبرة اب وبلا خبرة زوج !

محمد داودية

السبت 24 شباط / فبراير 2018.
عدد المقالات: 329
سيرة روائية «1»

ها انا ذا على مشارف السبعين في الربع الرابع من العمر المتعب الطويل وقد اختزنت في ذاكرتي تفاصيلَ تجربةٍ متنوعة يمكن ان أرويها لعل فيها بعض ما يفيد.
لست مضطرا الى اختلاق شخصيات والى تخليق احداث، كي اكتب مادة تليق بذائقة القارئ وتسترعي انتباهه وتتيح اشتقاق بعض العبر من حياتي الصاخبة الزاخرة بالتحدي والاستجابة.
بقيت موزعا، بين أن اسكبها في «قوالب» أُعْني باختيارها، او أن اتركها للتلقائية فتتدفق وتفعل فعلها. الى أن رأيت ان في وسعي أخْذَ الخيارين، بأن اضع تجربتي بين دفتين، والشخصيات في مقامها، والاحداث في سياقها. او أن ألجأ الى الخيار الثالث وهو ترك التلقائية والعفوية تأخذ مجراها وتفعل فعلها. فجاء هذا النص الذي بين ايديكم الذي قال فيه الروائي المحترف الصديق جمال ناجي:
«ثمةَ مزيجٌ من السيرة الذاتية والفن الروائي، وهو مزيجٌ يبعد النصَّ عن مسمى السيرة أو الرواية ويأخذه الى منطقة مشتركة، أسميه (سيرةً روائية) وهو في تقديري الوصفُ الأكثرُ دقةً وملاءَمة».
الآن، اصبح من تمام الأمانة والواجب، أنْ أُفرِج عن الشخصيات وهي كلها حقيقية وان احررها وأنْ انصفها قبل ان يعاجلني القدر الذي اعتقد انه يترصد بِنَهَمٍ وشراهة وشراسة، رجلا في الهزيع الأخير والربع الرابع من العمر، آيلا الى احضانه، دونما أي اضطراب او خوف او قلق.
لقد حثني، على مدى خمسةٍ واربعين عاما، العشراتُ من الأصدقاء، على كتابة سيرةٍ /روايةٍ /ذكريات /مذكرات، ترصد وقائع حياة شعبنا الذي شقَّ بإلحاح ومثابرة، دروبا موحشة. فانا ابن الضناء الذي أناخ عليّ، والرجاء الذي أنار دربي.
ترددت، لأنّ السيرة الروائية في نظري، عملٌ كبير، كنت لا اسمح لنفسي أن «اجوزه» بتجربتي المحدودة في الزمان والمكان. رغم انها مقطع عرضي لتجربة شعب الأردن العصامي المكافح، ورغم انني اتمتع باقتحامية كافية وجرأة وافرة.
 وللأمانة، فقد ظل ابني عمر، وهو أبرزُ قارئ روايات عرفته، بما له من ذائقة أدبية نقدية مضيئة، يلحّ عليّ بشدة، ويتابع معي بمثابرة، كتابة هذه السيرة الروائية ومساراتها. وقد مارس عليّ دور الرقيب الصارم بخصوص المشاهد «الساخنة» التي تدفقت دون ضبط مني، بحجة «أنهم» سيهاجمون السيرة /الرواية فقلت له يا بني: سيكون هجومهم متوزعا، بين نقدٍ ارتضيه وهجوم ازدريه، كما افعل دائما. وسيكون كل ذلك مفيدا يا عمر. سيمكنني من تحويل التحدي الى فرصة، وفي أسوأ الحالات، ستسهم «الزعبرة» في الترويج والدعاية.
ما زلت لم احسم مسألة المقاطع و المشاهد «الساخنة» في هذه السردية. وعندما اعود بالذاكرة الى روايات سطعت وحققت مكانة كبيرة فقد كانت «السخونة» جزءا من بنيتها الاجتماعية والجغرافية وابرز مثل على ذلك رواية المغربي محمد شكري «الخبز الحافي» -الكتاب الملعون كما يسميه- التي تزخر بمشاهد ساخنة كثيرة ومع ذلك نشرت بكل ما فيها وهاهي يتم تدريسها في الصفوف الثانوية في المغرب!!
 جاء في التعريف به: «تحفل نصوص محمد شكري بصور الأشياء اليومية وبتفاصيلها الواقعية وتمنحها حيزًا شعريًا واسعًا، على عكس النصوص التي تقوم بإعادة صياغة أفكار أو قيم معينة بأنماط شعرية معينة. شخصيات محمد شكري وفضاءات نصوصه ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمعيش اليومي».
لقد عرضت تلك المشاهد على أصدقاء كتاب ونقاد محترفين وقراء ذوي ذائقة تعجبني وكانت الردود متوزعة بين نعم و لا. زادتني قلقا وحيرة. قلقا لان سؤالي واستشارتي لم تكن  لتطرح وتتم قبل ثلاثة عقود من حياة مجتمعنا الذي اختلفت فيه المعايير والمقاييس.
 وأيضا لم تكن الأجوبة حينذاك، هي الأجوبة التي وصلتني اليوم. كانت قبل ثلاثة عقود اقل مداراة وضبابية وانسياقا وانسحاقا.
إن اعدام او بتر تلك المشاهد «الساخنة» التي لا ابتذال فيها ولا رخص ولا اسفاف، ينزع عن هذه السردية جزءا من عفويتها وبراءتها. وفي كل الأحوال لم نصل بعد الى موقع تلك المشاهد لاصل الى قرار بشأنها.
  هل ثمة ما هو جدير بالكتابة ؟!
هذا هو السؤال الثقافي الفاصل بين حث الابداع وضغطه وبين حث التواضع وقيده وهشاشة التجربة وسطحيتها.
*******
بلا سند، بلا عضد، ما خلا الله وامرأة، هي امي،....
قطع الطفل اليتيم، الذي لم ينطق في حياته كلمة «أبي» رحلتَه الطويلة الموحشة، الموغلة في العناء والضناء والشقاء، وحيدا مخذولا جائعا مقرورا. يقوم من كبوة ليقع في كبوة. منسحقا ينوء تحت أعباء، هيهات أن تُدرأ وفي ضنكٍ لا يضاهى.
وعندما تزوجت وانجبت اكتشفت انني بلا خبرة أب. لم يكن لي اب يوجهني يضربني يحملني يوبخني يضمني يقرأ لي يروي لي اراقب تصرفاته وردود فعله مع الجار ومع الأخ ومع التاجر. واكتشفت أيضا انني بلا خبرة زوج. فلم أر كيف يتصرف ابي مع والدتي. لم يمر علي سلوك الأب مع أبنائه ولا سلوك الزوج مع زوجته. لم اختزن مثل هاتين التجربتين الحياتيتين المهمتين فكان علي ان اتصرف. فارتجلت. أصبت وأخطأت تعجلت وترويت وفي كل الأحوال كنت اضع الملامة على نفسي.
وجد نفسه مستفرَدا، مسّه الضُرُّ والعُسر. وظل واقفا على رِجْلٍ واحدة، اكثر من نصف قرن. كان يلاطم بكفِّ الطفل الرقيقة، المخارزَ المتلاحقة التي غارت عميقا في جسده وروحه فجرّحته وأدمته وأبكته.
جعلت التحدياتُ الطفلَ المُستفرَدَ، ذئبا شديد البأس، يعرف ما يريد، ويعرف كيف يسعى إلى ما يريد.
ولقنته الحياةُ، الدروسَ الفادحة التي مكنته من ارتقاء مرتقيات وعرة.
واشتقَّ الطفلُ لنفسه قواعدَ حياةٍ صارمةً، مشى على صراطها فأنجَته من التهلكة.
 ووهب اللهُ الطفلَ حكمةً، دلّته، وأضاءت دربَه في اشتداد الظلمة وانطباق اليأس.
لقد تفادى الكثير من اهوائه ولاحق الكثير من رغباته وعاش دون ان يُلحِق الضررَ بأحد.
عمل بدأبٍ ودقّةٍ وأمانة، وقادت المثابرةُ والصبرُ والإخلاصُ خطاه في دياجير وبرازخ دامسةٍ، فكان الصبرُ أجمل الحصانات.
لقد نزع الله من قلبه الحسدَ والغلَّ والكراهيةَ، فكيف ينسحق إذن!
من طفلٍ يبيع الصحفَ في بلدة فقيرة على سيف البادية الأردنية، الى صحفي محترفٍ، ينتج الصحفَ والمجلاتِ ويطرّزها بالمقالات النارية. ومن شابٍّ فقيرٍ بائسٍ متمرد، اوغل في دهاليز العمل السياسي السري، الخطرةِ المرعبة، ضد النظام الملكي الهاشمي الأردني، الى مدير إعلام الملك الحسين الهاشمي «مدير الإعلام والعلاقات العامة للديوان الملكي الهاشمي» والى عاشقٍ صوفي في محرابه.
كيف يصبح الطفلُ اليتيمُ الفقيرُ وزيراً مرتين!
ماذا على المرء ان «يشلح» كي يصبح وزيرا ؟
وعن ماذا عليه ان يتخلى؟
أصبح الطفلُ حصانا جامحا صلبا بلا لجام.
عام 1986 وصلته بالبريد رسالة ناصحةٌ جميلة جدا. قرأها، فإذا بها تفيض ودا وحرصا. عرف بحدسه النّفاذ انّ صديقه الحميم، الذي يجلس الى جانبه في الصحيفة، هو من كتبها، بخط أحد اخوته وألقاها في صندوق البريد، دون ان يضع اسمه عليها. لم يفاتح كاتبَها الى اليوم بشكوكه وحدسه، جاء في الرسالة:
 «انا محبٌّ يقرأ ما تكتب ويتابعك. انت تسير على خطٍ وطني هو الأنقى. أرجو أن لا تخذلني وتخذل آلاف محبيك الواثقين بك، المؤمنين بما تكتب وتفعل. اسمح لي ان اطلب منك ان لا  تدع السلطةَ تشتريك. وان ارجوك ان لا تصبح وزيرا في هذا النظام».
كان كاتب تلك الرسالة يريد ان يقول: «هم يألفونك فانفِر».
كان معذورا ومُحِقا، فقد كان ثمت تقرّب وألفة.
أصبحت اتلقى دعوات غداء وعشاء من عدد من الشخصيات الاقتصادية والأكاديمية والمهنية اليمينية التي اظن انها كانت مكلفة بدعوتي والتقرب مني وتطبيقي !.
لقد ظلت تلك الرسالة القصيرة الحميمة، ترنّ في رأسه ثلاثين عاما، وها هو اليوم يراجع مسيرته بدقة الصائغ: هل خذل ذلك الشاب الرقيق النقي؟ اين خذله؟ هل باع نفسَه؟ هل الوزير، كل وزيرٍ، فاسد ومتساقط ومتخاذل وانتهازي، لا تهمه الا مصلحته الشخصية؟
يذكر انه كتب مرةً وهو في تمام فحولته السياسية: «أن النجاة الفردية، في مجتمع يغرق، هي غرقٌ في العار».
هل مشى على قاعدة أن طالبَ الإمارة لا يُؤمّر؟ وهل طبّق مقولة الامام العظيم الفارس الحكيم علي بن ابي طالب كرّم الله وجهه:
استغنِ عمّن شئتَ تكُن نظيره.
واحتجْ إلى من شئت تكن أسيره.
وأحسِن إلى من شئت تكن أميره.

(يتبع السبت القادم)

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش