الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اسوأ نموذج لخيباتنا واحباطنا

حسين الرواشدة

الثلاثاء 30 كانون الثاني / يناير 2018.
عدد المقالات: 2280


الصورة التي بعثها لنا اخواننا النواب امس في جلسة مناقشة قرارات الحكومة حول الضرائب وارتفاع الاسعار كانت مخجلة، لكنها ليست مفاجئة، فهي مجرد واحدة في  ألبوم  كبير اشتمل على  لقطات  غريبة ومدهشة، أرّخت بامتياز لأداء هذا المجلس وعكست ما يمكن ان يفرزه قانون الصوت الواحد من مخرجات صدمنا بعض نماذجها حتى اصبحنا مقتنعين تماما أن المشكلة ليست –فقط- في هؤلاء الاشخاص الذين  افزعنا  اداؤهم ، وإنما في المناخات السياسية التي سمحت لهم بممارسة مثل هذه السلوكيات، ثم في علاقة الحكومة بالمجلس وقدرتها على ضبط ايقاعه وابتلاعه بهذه الصورة  ، وقبل ذلك في  قانون الانتخاب  الذي منح بعض النواب في ساعة غفلة فرصة  تمثيل  ارادة الناس، هذا اذا افترضنا أن  اصوات  الناس صبت اصلا في الصناديق.
 لكن حين ندقق أكثر في الصور بتفاصيلها التي نقلتها عدسات المصورين، نكتشف أن ما جرى في مجلس النواب ليس معزولا ابدا عما يجري في مجتمعنا، لاحظ – مثلا- كيف هربنا من مناقشة قضايانا واولوياتنا الكبرى وانشغلنا  بمصالحنا وحساباتنا المتواضعة ، كيف تحررت خصوماتنا السياسية من قيمها واخلاقياتها وكيف انحدر مستوى النقاش السياسي بين نخبنا، كيف تحولت هذه النخب الى  قبائل  متناحرة وكيف انقسم مجتمعنا على نفسه.. كل هذا الذي حدث وخرجت صوره طيلة الشهور الماضية  يدفعك الى مواجهة سؤال المليون وهو: من فعل بمجتمعنا ذلك؟ وهل هذا جزء من ثمن  تعطيل  مشروع الإصلاح الذي يريد البعض ان يدفنه الى الأبد؟
لا اريد ان ابرئ بعض النواب مما فعلوه من تقصير وخطأ، ولكنني ادعو الى رؤية الصورة من كافة زواياها ، فهل كان بوسع هؤلاء ان يتصرفوا لو كان مجتمعنا يتمتع بقدر من العافية التي تتيح له ان يحاسبهم ، او ان لدينا حكومة تهمها صورة المجلس الذي يمثل الناس مثلما يهمها تمرير سياساتها ومقرراتها ، على اعتبار اننا نتحدث عن مصلحة الدولة لا عن مصالح سلطة على حساب اخرى..؟
مع الاردنيين كل الحق حين يقولون بان “المجلس”خذلهم، وبأن النواب استقالوا من وظيفتهم التمثيلية، وبأن “الحل”هو الحل، ومن المفارقات في بلدنا ان الناس تطالب بتنحية “نوابهم” وترى في اليوم الذي يتم فيه ذلك عيدا وطنيا، لكن يبقى السؤال: من اوصلنا الى هذه النتيجة،الاجابة بالطبع معروفة لكن لا يمكن لاحد ان يتصور ما فعلناه بانفسنا على امتداد هذه السنوات الا اذا تابع ما يحدث في برلماننا ، هذا الذي تحول الى مرآة تعكس اسوأ نموذج يمكن ان نقدمه “لخيباتنا” واحباطنا .
إذا أردت أن تفهم ما يجري  تحت القبة ، وخارجها ايضا ، ارجوك فتّش عن السياسة، حين تنتعش وتلقي بأثقالها واعبائها ستخرج من الناس افضل ما فيهم، وحين تصبح  فقيرة  ومجدبة تتحول الى  كابوس  مزعج، ونحن جميعا – متهمين وضحايا- ندفع ضريبة هذا العبث في النواميس السياسية والوطنية، ولا أدري من يلوم من؟ ما دمنا مستغرقين في المشهد ونتناوب على الصراخ ونجرّب حظوظنا في الاستفزاز والابتزاز كل على مستواه، وبما اتيح له من فرص.
لا شيء يجعلني اشعر بالحزن اكثر من مشاهدة هذا  العجز والهروب والتذاكي ، ومن التناطح  السياسي والإعلامي الذي يدور بين النخب السياسية، صحيح ان بعضه وصل الى درجة من  الاسفاف  لا يمكن تصورها، لكن الصحيح ايضا ان ما في  القدر  تحمله  المغرفة ، وان كل أخطائنا تصب في النهاية بقناة مجتمع نشعر جميعا بأنه  تعب  تماما، وأننا حملناه اكثر مما يحتمل، ولا يوجد من يدق الجرس.
المؤسف ان بيننا ثمة من لا يزال يمارس  صراعاته  وحساباته الشخصية، وربما السياسة على حساب البلد والناس وهمومهم ومعاناتهم، وان ضميرنا العام الذي يفترض ان يصحو على موجات الزلازل التي تطوقنا من كل اتجاه لم يصح بعد، ولم يخرج من دائرة الاستقطابات المغشوشة والاشتباكات الوهمية الى المجال العام، حيث يبحث الناس عمن يبدد لهم مخاوفهم، ويدلهم على الصواب ويفتح امامهم ابواب الثقة والأمل.
هذه –ربما- حالة  عموم البلوى  التي لها فقهها الخاص، لكن فقهنا السياسي ما زال يتعامل معها بخفة غريبة واستهانة، ويا ليت لدينا فقيه واحد يرشدنا الى ما نفعله وسط هذه الحيرة والتيه، ويا ليت ان لدينا زرقاء  يمامة تفتح عيونها على غد لا نعرف بماذا يفاجئنا ولا كيف نواجهه..؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش