الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عفـريـن على تـقاطـع الطـرق!

عبد الحميد المجالي

الاثنين 22 كانون الثاني / يناير 2018.
عدد المقالات: 104

ليس من السهل ان تفهم قواعد اللعبة في سوريا؛ فهي اقرب الى الاحجية منها الى اي شئ آخر له علاقة بالسياسة او بالحرب او بالعلاقة بين دولة او اكثر، ولهذا فان ما يحدث في سوريا سواء في ميادين القتال او ميادين السياسة، يكون دائما من الصنف غير المتوقع او المحسوب، بالنسبة لغير اللاعبين الرئيسيين ومراقبي الاحداث ومتابعيها، فالصورة تبدو احيانا متسقة مع المنطق والسياسة واحيانا متناقضة معها لايحكمها قانون او قواعد بينة واضحة.
في سوريا، بين الكبار وهما روسيا والولايات المتحدة توافق ووفاق وتواصل في كثير من القضايا السورية الاساسية، وحرص له الاولويه على تجنب اي صدام عسكري بينهما يتجاوز حدود المعقول والمطلوب وحيز الازمة السورية الضيق بالمصالح والتطلعات لكل هذا الحشد من اللاعبين.
وبين الكبار ايضا تعارض في الرؤية العامة للازمة وليس ببعض التفاصيل، فكلا الجانبين تركا لكل واحد منهما حرية الحركة وفقا للمصالح المستجدة دون ان يكون هناك الزام صارم ضمن قواعد محددة في منطقة صراع ساحتها متحولة وشاذة في تطوراتها وتعقيداتها.
وبين الكبار توافق ضمني في الفكرة وعلني في الممارسة على اخذ مخاوف اسرائيل الامنية بالاعتبار، والسماح لها بالعمل كلما تقضيه الضرورة الاسرائيلية. ولذلك فان اسرائيل بموجب هذا التفاهم مسموح لها ان تحدد القواعد واللعب الذي يحقق لها اهدافها.
وبينهما ايضا توافق على ضرورة ضبط حركة اللاعبين الثانويين على الساحة السورية وهما ايران وتركيا والنظام والمعارضة، وعدم السماح لاي منهم بتجاوز ماهو حساس و يؤثر على مسار الازمة وخطوطها الرئيسة.
واي من اللاعبين الثانويين يجب ان يعود الى ما يرتبط به من بين الكبار لتنسيق حركته وتحمل نتائجها، فلا حركة او قرار دون مشاورة او اخذ اذن واضح وجلي.
ومعركة عفرين تختصر هذه الحالة، وتشير الى اي حد يكون اللعب في سوريا من اللاعبين الثانويين مربوطا اما بموسكو او بواشنطن وفي بعض الحالات بكليهما، ومحكوما بالقواعد التي يرسمها الكبار.
تركيا التي استشاطت غضبا عندما اعلنت واشنطن انها تنوي تأسيس جيش من الاكراد تحت مسمى حرس الحدود. رأت في ذلك تهديدا لامنها من “الارهابيين” الاكراد، واستمرارا من واشنطن في اعتماد سياسة مناهضة لتركيا العضو النشط والرئيسي في حلف الاطلسي.
وكانت اولى ردودها فعلها هي عفرين التي تتواجد فيها قوات الحماية الكردية ومعها حزب العمال الكردي الذي يقاتل تركيا طوال عقود وصنع بين الاكراد وانقره عداء لايمكن انهاؤه الا بالحرب.
والقوات الكردية في عفرين ضمن القوات التي تقع تحت المظلة الامريكية. ولهذا ذهبت تركيا لتستأذن واشنطن في عملية عسكرية ضد عفرين، ولكنها لم تحصل على اذن واضح، بل على ضوء برتقالي، نظرا لتركيز واشنطن على المناطق الغنية في شرق سوريا، وليس في غربها حيث تقع عفرين. ولابد بعد ذلك ان تمر انقرة في الطريق الاجباري المؤدي الى موسكو. حيث تعتبر عفرين ضمن المجال المحاذي لتواجد القوات الروسية، وفيها شرطة عسكرية روسية ضمن اتفاقات خفض التصعيد. ونكاية بالامريكيين لأعلانهم انشاء الجيش الكردي دون التشاور معها اعربت موسكو عن استعدادها لاعطاء الضوء الاخضر، وذلك ضمن صفقة يجري تداول تفاصيلها حتى في الاعلام التركي. واساس الصفقة هي سيطرة النظام والقوات الروسية على مدينة ادلب، مقابل اطلاق العملية العسكرية التركية باتجاه عفرين، وربما ابعد منها نحو مدينة منبج التي يسيطر عليها الاكراد ايضا. ولكي لاينفذ النظام تهديداته بضرب الطائرات التركية المشاركة في العملية، قالت تركيا انها ستنسق مع ايران وروسيا حول عملياتها الجوية، وربما حصلت من كليهما على الموافقة، الامر الذي يعني ان النظام سيتخلى عن تهديداته.
وحتى الان يبدو ان واشنطن تكتفي بالتصريحات المضادة للعملية العسكرية التركية في عفرين، ولاتنوي القيام بعمل عسكري لحماية حلفائها. ولان مواقف الاطراف كلها ليست حاسمة في تأييد تركيا بعمليتها العسكرية وقابلة للتغيير، وخاصة اذا اتسعت ودخل العامل الانساني لاوضاع المدنيين في المدينة كعامل من عوامل استمراراها وهي مسالة كثيرا ما تستخدمها الدول الكبرى حجة لتغيير مواقفها، فان التردد والتباطؤ يبدو ظاهرا على القرارات التركية بشأن المضي قدما وبكثافة في عملية عفرين.
فالمشهد في عفرين يختصر فوضى اللعبة في سوريا وتعقيداتها. ويشير الى اي حد يقع الصراع في عفرين على تقاطع طرق رغبات الكبار وتابعيهم بما تحمل هذه الرغبات من توافقات احيانا وتناقضات احيانا اخرى وفقا لتطور الاحداث وتحولات المشهد السوري المتقلب..
انها سوريا بعد سبع سنوات من الحرب. فعنوان أزمتها هو قبضة الكبار وهوامش اللاعبين الثانويين وليس بينهم العرب، مما يبعدها اشواطا عن السلام واحلام الاستقلال من جديد، ويقربها من التقسيم وهيمنة الجميع.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش