الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السلفي الأخير!

تم نشره في الجمعة 19 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً


د. عصر محمد النصر

بعيدا عن رمزية العنوان إلا إنه يعكس حالة واقعية، أو مشهدا يراد له أن يكون، وإن كان هو حالة ماثلة في نفوس كثير من الشباب اليوم، ولهذا بطبيعة الحال أسباب اجتماعية وسياسية ونفسية وعلمية، إلا إن جملة هذه الأسباب غائبة عن عموم المتكلمين في تفاصيل هذا الموضوع، وقد كان لغياب هذه السياقات أثر في طريقة المعالجة سواء في ذلك عند من خالف أو وافق، وهنا أؤكد أن معالجة الظواهر والتحولات الفكرية يحتاج قدرا من الموضوعية والتحليل، للوقوف على أسباب الظاهرة وعوامل وجودها أو ذهابها والخروج منها، وهي بطبيعة الحال تتعالى عن الحماسة وحب المغالبة، فترشيد حركة التدين في المجتمعات أمر في غاية الأهمية والخطورة في نفس الوقت.
وبعدُ، فقد كان من نتائج المرحلة القريبة الماضية أعني النازلة السياسية وما جرى فيها من تغييرات بالغة، أثر كبير على صعيد العلم والعمل، والأفكار والقناعات، مما استدعى توجه النقد للأفكار السائدة ولرموزها وتياراتها، وقد كان الجزء الأكبر من النقد موجه للسلفية، ولهذا أسباب موضوعية من أهمها انتشار السلفية انتشارا أسهم في تكوين العقلية لدى أجيال من المسلمين، ومن ذلك انتشار رموز السلفية حتى كان من شهرتهم أن دونت اختياراتهم وأقوالهم فنزّلت منزلة المذاهب الفقهية، كما انتشرت المراجع التي تناسب العلوم والمعارف السلفية كالمصنفات الحديثية والتفسير والعقيدة، حتى أصبحت السلفية مادة الثقافة والتغيير لدى كثير من النخب،  وقد ظهر أثر ذلك في منهج وثقافة حركات التغيير، وهذا بدوره جعل من السلفية مادة للنقد، على أن كثيرا من النقد الموجه للسلفية لا يميز أصحابه بين السلفية كمنهج معرفي والسلفية كنظام تدين، وأكثر النقد موجه للثاني، والأصل أن نظام التدين يحمل الواقع بكل ما فيه سواء نتج عنه أم لا ؟! وهذا التفصيل المتقدم لم يذهب بكثير من الإجحاف في النقد الموجه للسلفية حيث حمّلت تبعات الواقع بكل ما فيه، وهذا الخطأ جعل من السلفية كمنهج معرفي محل نقد على اعتبار أن لهذا المنهج أثرا في مجريات الواقع، وقد كان لهذا نتائج واقعية في العلم والعمل، وأما نقد السلفية كنظام تدين فهو أمر مقبول لاعتبارات متعددة، وقد أشبه هذا النقد ما جرى على يد بعض المصلحين من نقد للمذاهب الفقهية والسلوكية حيث رأوا فيها سببا ذهب بقوة الأمة وحيويتها وقدرتها على مقاومة الاستعمار، وإن كان قد دخل في هذا النقد بعض خطأ ومبالغة سبقه خطأ في التقويم، إلا إنه أقرب إلى الحق من النقد الموجه للسلفية في هذا الوقت، لسببين اثنين، الأول : أن السلفية اليوم لم تستقل في الواقع، بل زاحمتها مناهج وأفكار متعددة، وثانيا : أن البنية السلفية تدعو إلى العمل وتكتنف منهج الأحياء، كما سيأتي، وعليه فإن نسبة ما في الواقع بجملته إليها خطأ إنما صدر عن خطأ في التقويم، بينما تلك المذاهب كان أثرها السلبي ماثلا للعيان، فقد ظهر  في دخول الاستعمار وضعف مقاومته، وبالعودة إلى الخطأ في عدم التفريق بين المكون المعرفي في السلفية وبين السلفية كنظام تدين، فقد كان لمثل هذا نتائج سلبية في الواقع، منها : تعزيز المظهر السلوكي والذي يثبت بمجرد الظاهر، في حين فات تعزيز القيمة والجوهر السلفي الذي مبناه على البناء المعرفي، ومن النتائج المترتبة على هذا الخطأ هو نقد البعد المعرفي للسلفية على اعتبار عدم قدرته على الإجابة عن أسئلة الواقع أو تسببه في أخطاء واقعية، وقد رأينا من انطلق من التحققات السلفية في واقعنا اليوم وما فيها من تطبيقات تأتي في دائرة الاجتهاد؛ لنقد البعد المعرفي لدى السلفية، فكان من ذلك نقض معيارية تاريخية وشرعية مثلت مذهب أهل السنة، وعن ذلك صدرت دعوة إعادة قراءة التراث، وظهرت إشكالية البديل، وليس يخفى على مهتم بتاريخ العلم، أن تطور العلوم واستقرارها يمر بمراحل منطقية تبنى نتائجها على مقدمات، وهي سلسلة مترابطة متناسقة، تحيطها بيئة ثقافية يكون من شأنها إحاطة العلم بجملة مواصفات، تجعل بدورها من الحقبة التاريخية المعيّنة شرطا مؤثرا يصعب توفره فيما بعد، وأي محاولة لإعادة قراءة التراث خارج تلك البيئة لا يسلم غالبا من أدوات جديدة تذهب ببعض ما استقر من العلم كما تغير شيئا من حقائقه، فيصير بذلك البعد المعرفي الذي له طابع الدوام بمنزلة التحققات ذات الطابع المتغير القابل للاجتهاد في بعض تطبيقاته، فعندما يكون التقويم ابتداء خطأ يكون البديل بطبيعة الحال خطأ، ومع استقرار المناهج والمدارس العلمية سيكون البديل أحد هذه المناهج، ومهما قيل في هذه المناهج والمدارس فهي دون السلفية، ومن هذا الباب ما نراه اليوم من تعظيم العلوم العقلية والفلسفية تعظيما يذهب بكثير من النقد الوارد عليها، ويذهب بأخطاء تاريخية، وقد خفي على كثير من المتكلمين في هذا الباب أن ثمة أفكارا امتحنت قديما والآن يعاد إظهارها بمظهر المنقذ، وبدا المتكلم بعلوم الوحي في نظر كثيرين دون المشتغلين بالفلسفة والكلام، فضلا عن الجرأة في نقد المعيارية التاريخية والشرعية لمذهب أهل السنة، وليس الكلام هنا عن الانتفاع بالفلسفة والمنطق وعلوم المتكلمين جملة فيما يحتاج إليه إذا تحقق شرط ذلك.
إعادة بناء التصور : تمثل مرحلة إعادة بناء التصور مرحلة مهمة في حياة الشعوب لما لها من أثر كبير في العلم والعمل والثقافة ، وغالبا ما يكون مدخل ذلك هو النقد ويكون منطلقه الخطأ السائد، ولأهمية هذه المسألة وخطورتها، لا بد من حسن التعامل معها والسير فيها في خطوات مدركة واعية، وأول متطلبات ذلك اختبار المرحلة ومتطلباتها، وقد تقدم أن الخطأ حصل من عدم التفريق بين التحققات السلفية والبعد المعرفي للسلفية، وقد بني على هذا الخطأ نتائج غير مرضية أبدا، وأما البعد التطبيقي، فهو قابل للنقد حيث يبنى على قدر من الاجتهاد، كما انه يمثل نظام تدين تجتمع فيه مجريات الواقع بكل ما فيه، وقد تقرر أن حركة التدين لا تتوقف وأنها تتحمل أعمالا وأقوالا قابلة للزيادة والنقص مما يجعلها عرضة للنقد وإعادة النظر، ومن متطلبات مرحلة إعادة مرحلة بناء التصور والوقوف على طبيعة العوامل المؤسسة لها كالعوامل السياسية والاجتماعية، وفهمها فهما جيدا، بما لها من أثر في الباعث النفسي المحفز على العمل، وأصل ذلك هو الخوف من فوات الموضوعية في البحث والانتقال بصورة غير واعية لمراحل جديدة، وقد ظهرت بعض آثار ذلك من خلال نقد البعد المعرفي للسلفية، كما صدرت إشكالات تاريخية وواقعية، خصوصا ما يتعلق بسؤال العلم ومنه سؤال الفلسفة والمنطق، وهذه إشكالات لو أدرك المنتقد للسلفية لوجد إجاباتها وافية في التاريخ، حيث انتظمت في جملة علوم و معارف أهل الإسلام، وأما قصور خطاب المعاصرين والذي هو جزء من التحقيقات، فهو قابل للنقد والمراجعة، وإنما يحتاج الناقد تفكيك مكونات النظام الديني السائد ومعرفة مكامن الخطأ في الخطاب وما ترتب عليه من عمل، وطريقة علاج ذلك.
مثلت السلفية ببعدها العلمي على مرّ التاريخ ملجأ للمصلحين، فما من نازلة علمية أو واقعية إلا كانت السلفية هي المجيبة عنها، فمحنة خلق القران والشبه العقلية التي أدخلتها المعتزلة، بددتها الأدلة السلفية وما تتضمنه من نصوص شرعية، ونحو ذلك ما فعله ابن تيمية في وقت غلبت فيه علوم المتكلمين بما تضمنته من مضامين فلسفية ومنطقية، حيث انتهج منهج الإصلاح في الرد إلى الأمر الأول وتجاوز جملة الواردات على الدليل الشرعي، وقد دون عددا من الكتب في نقد أدلة المتكلمين، ومما دفع ابن تيمية هو ذلك الوهن الذي استحكم في قلوب أهل ذلك الزمان و قد ظهر أثره في ضعف مقاومة التتار، حيث رأى أن ذلك بسبب ضعف نور العقيدة في القلوب، واصل ذلك أن صحة العقيدة له أثر في استقامة النفس واعتدالها، وقدرتها على مجاراة الواقع، وقد تقرر أن اختلال المنهج العلمي وبعده عن تحقيق الإسلام يؤثر في صحة التفكير، فمن يرى أن الإيمان مجرد التصديق وأن الأعمال الظاهرة خارجة عن حقيقته ومسماه، قد تضعف عنده القدرة على المقاومة والجهاد، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :” يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:  بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ:  حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ”(صحيح)، فعلل ذلك صلى الله عليه وسلم بالوهن الذي يسكن القلوب، وفسره بحب الدنيا، وهذا لا يكون إلا بضعف العقيدة في النفوس،  وشهود القدر، وضعف الشريعة، وهنا تظهر ميزة الدليل السلفي حيث يخلو من جملة تلك المعارضات التي تضعف وجوده في النفس، فهو برهان يستبطن قوة الإسلام نفسه، وقدرة النص على مجاراة الزمان والمكان، وهذا الظرف الذي يعالجه ابن تيمية  هو عينه الذي دفع محمد عبده ورشيد رضا وعلماء جمعية العلماء في الجزائر كابن باديس والإبراهيمي وغيرهم من أهل العلم إلى إحياء الدليل السلفي، ومنهج السلف في التلقي والاستدلال؛ للإجابة عن إشكالات الواقع، وقد كانوا من أكثر الناس علما بما تقرر في المدارس العلمية عبر التاريخ.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش