الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خـســــا الــذيــب ..

تم نشره في السبت 13 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

بشار جرار – واشنطن


كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن تحمّل الجميع – كل حسب موقعه وطاقته – مسؤولية الوقوف مع الوطن بمكوناته الملموسة حتى لا يكون الحديث مجرد “كلام في كلام”.
كما هو في كل حدث وطني، يتميز الأردن بنقاء سريرة شعبه. شهادة يعلمها جيدا كل من خدم بلاده خارج الوطن. كنا – العبدلله وزملاء كثر- كلما سمعنا إطراء نقول “رحم الله من علمنا الخدمة”. لكنني استدرك وأقول من باب النقد الذاتي البناء، إن فزعتنا غالبا ما تكون نارا سرعان ما تخبو. مع أن الأمر لا يتطلب سوى قدح شرار حتى تتّقد من جديد.
خبراء علم الاجتماع عموما والمختصون في علم الاجتماع السياسي على نحو خاص يعلمون يقينا أن شعبا كالأردنيين – من شتى الأصول والمنابت – طاقة مكنونة ما زالت غير مكتشفة وموظفة على النحو الذي يليق بها. تخيلوا مثلا لو فكرنا جميعا ومن باب المصلحة والمنفعة قبل الحكمة والموعظة، في توظيف طاقاتنا الجمعية والفردية، بما هو ملموس لا محسوس، بمعنى: بدلا من التعبير عن الولاء لقيادتنا الهاشمية وحبنا لها نضع مصداقيتنا “ع المحك” ونتساءل تساؤل جبران خليل جبران قبل جون إف كندي حول “ماذا قدمنا نحن للوطن وليس ماذا قدم لنا الوطن”.
اذكر في مقتبل العمر وبدايات العمل الميداني الإخباري التلفزيوني، وقفة إخبارية مباشرة قصيرة لا تتعدى ثلاث دقائق كانت تتناول بالنقد الإيجابي ظاهرة تستوجب الحل. الموضوع حينها كان إغلاق الشوارع والتضييق على الناس بحجة الاصطفاف “المزدوج” وبسطات وبكبات الخضار في تطبيق مشوّه لـ”وامشوا في مناكبها”. يومها كانت الرسالة التلفزيونية أن “الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل” فأين أنت يا أخي المصلي من اتباعك وصية إمام وخطيب الجمعة بـ”سووا الصفوف”! كيف يتحول الاتساق والانسجام والانضباط داخل المسجد إلى فوضى تخالطها العدائية “غير الخلاقة” خارجه!
يا ناس – سيدنا عبدالله الثاني حث غير القادرين على الخدمة على الاستقالة، فهل نبادر بإقالة أنفسنا من عثراتنا؟ الإقالة بمعنى الإعانة، فنحن نعين أنفسنا إن بدأنا أولا بالصدق. “الصدق منجاة” كما قال النبي العربي الأميّ الأمين و”الحقيقة تحررك” كما قال السيد المسيح، فهل نبدأ بأنفسنا ومن داخل أنفسنا وباطنها لا ظاهرها فقط. رحم الله سيدنا الحسين القائل “الإصلاح يبدأ بالنفس”.
للتدليل على ما سبق، سأكتفي بثلاث حالات وطنية عشناها معا في الفترة الأخيرة: إن كنتُ صادقا محقا جادا في دعمي لمواقف سيدنا الخارجية علي كفرد وكجماعة وكمؤسسة أن أبادر إلى التخفيف والتخلص من كل ما يحد من قدرة الدبلوماسي الأردني على التفاوض مع الآخر. وحتى يكون لنا ذلك لا بد من امتلاك أسباب القوة والحرية لنقول نريد أو لا نريد فعلا لا قولا وإلا ستكون الأمور “كلامًا في كلام”.
في موضوع القدس، وبصرف النظر عن الطاغي على اعتباراتك، دينية أكانت أم وطنية، لا بد أن تكون رسالتنا للعالم وبخاصة لأميركا وتحديدا للزائر القادم مايك بنس نائب الرئيس الأميركي، أننا الوحيدون المؤهلون والقادرون على وقف هذا الاقتتال الديني الطائفي المذهبي المجنون في العالم. نحن أحبة الهاشميين وخدّامهم، نعلم قدر الناس والمقدسات وحرمتها الحقيقية في عين الله.
مثالي الأخير، هو التعبير الشعبي العارم عن الاعتزاز بالمخابرات وضربتها الاستباقية لوكر الإرهاب وإلقاء القبض على سبعة عشر إرهابيا أرادوا السوء والدمار في هذا التوقيت بالذات مستهدفين من بين ما استهدفوا الاحتفالات بعيد الميلاد المجيد.
نفاخر الدنيا بدائرتنا، دائرة اكتمال العمل، صادق العمل. “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”. فلنقتد بهم إن صدقنا التهنئة والمؤازرة. نتعلم منهم نكران الذات، العمل الخالص لوجه الوطن ولا شيء غير الوطن. الأردن في عيونهم ليس أولا، بل هو الوحيد لا شيء سواه عندما يكون الحديث عن البوصلة.
ومرة أخرى حتى نضع الأمور جميعا على المحك لنتساءل أفرادا وجماعات ومؤسسات، ماذا يمكنني أن أفعل – بحسب موقعي وطاقتي – حتى تتفرغ الدائرة لأعداء الوطن الخارجيين؟ كيف ولماذا كان جميع المتهمين الإرهابيين من أبناء بلدي؟ من المسؤول عن انحدارهم إلى هذا الدرك الأسفل؟ كيف نراجع منظومتنا الدينية والتربوية التعليمية والثقافية الإعلامية لمواجهة هذا الوحش الكاسر، هذه الأفاعي والحرباوات؟  مقولات، شعارات، وممارسات كثيرة يجب أن نتعامل معها بصدق من الآن فصاعدا في حس مسؤول مرهف لا مجاملة فيها.
رأيت بأم عيني من أعرف سلوكه في الأردن، في غاية الانضباط واحترام القوانين خارج المملكة، لا لشيء سوى لخوفه من العقاب المالي على مخالفة القانون. فلماذا لا أبدأ بتفعيل القوانين القائمة على الأقل في ميادين مخالفات التجاوز الخاطئ الذي كلفنا أرواحا أكثر من ساحات الحروب، لماذا لا نربط التأمين الصحي بـ”حسن السير والسلوك” الصحي، كما هي الحال في أميركا حيث يتوقف الناس عن التدخين ويحرصون على ممارسة الرياضة والاسترخاء لغلاء كلفة التأمين الصحي. لماذا لا نفكر أن من أراد التهور في صحته عليه أن لا يزيد أعبائي وأعباء ذريتي من بعدي في فاتورة الدين العام.
عشرون عاما قضيتها في أميركا وبريطانيا لم أر تبديدا – أي والله – على الإنفاق الخاص والعام كما رأيت في بلادي. آن الأوان وقد اتضحت الصورة أننا وحدنا. فهل نخذل أنفسنا؟ أقول “خسا الذيب”..

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل