الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أحاديث الفتن ومناطات التكليف

تم نشره في الجمعة 12 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً


د. عصر محمد النصر

مثلت أحاديث الفتن على مرّ التاريخ جزء من وعي أتباع الشرائع، فهي في ما صح منها تمثل وحيا يسترشد به الناس، وفي مضامينها استشرافا للمستقبل، ومن هنا كان لهذه الأحاديث أثر في رسم حدود الفكر وبناء طريقة التفكير، وكغيرها من أمور العلم والعمل التي يقوم بها الناس يدخل فيها حسن التطبيق وضده، والمبالغة والتقصير، كل ذلك يستدعي حسن التعامل مع هذه الأحاديث، فهمها فهما صحيحا يدفع كل خطأ وارد على العلم والعمل بها.
تدور معاني الفتنة حول الابتلاء والاختبار، وأصلها الأمر المشتبه الذي لا يتميز، ولعظيم أمر الفتنة وردت في نصوص الكتاب والسنة بسياقات متعددة، فما بين محذرة منها أو حاثة على تجنبها أو التحصن منها والاستعداد لها، وأصل ذلك أن التكليف لا ينقطع، وأن الإنسان في كل أحواله لا ينفك عن أحكام الشرع، فما دام مناط التكليف وهو العقل قائم، تبقى مراعاة الشرع والعمل به محل أمر من الله سبحانه وتعالى، وبه يتعلق الثواب والعقاب؛ ولذلك كان أعظم ما يعين على تحقيق مراد الله سبحانه في حال وجود الفتن، الرد إلى المحكمات سواء في الشرعيات أو العقليات، وهنا يظهر خطأ كثير من الناس في حال وقوع الفتن حيث يميلون إلى غرائب الأمور، فتكثر بينهم الأحاديث الموضوعة والقصص الغريبة، ويستحدثون من الأقوال والأعمال ما لا يعرف، والأصل اللجوء إلى الأمور الظاهرة والنصوص المحكمة والبعد عن المتشابه من الأقوال والأعمال، فإذا تقرر هذا وعلم أن التكليف لا ينقطع إذا وردت الفتن، كان العمل على معرفة حكم الشرع وتطلبه مطلب مهم للمسلم.
ترتبط الفتن في سياقات الأحاديث في غالب الحال بآخر الزمان، حتى تكون في بعض الأحيان علامة من علامات آخر الزمان وقرب الساعة، والعلاقة بين الأمرين، أن آخر الزمان مظنة نقص العلم وضعف الإيمان وفي الحديث :” يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ”(مسلم)، ونقص هذين الأمرين أعني العلم والإيمان سبب مهم في انتشار الفتن،  ولذلك أمر الشرع بما يذهب بعوارض هذه الأسباب، حيث أمر بالاعتصام بالكتاب والسنة ولزوم الجماعة، والرد إلى أهل العلم، وهذا من حيث العموم، إلا إنه في بعض السياقات ورد بمظاهر خاصة تؤول إلى نجاة الفرد بنفسه من الفتن، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :” يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ “(البخاري) فمن فقه الحديث أن ينأى المسلم بنفسه في حال وجدت الفتن التي يشتبه عليه أمرها، وفيه إشارة مهمة إلى العزلة كمسلك شرعي إذا عجز عن صلاح الشأن العام وخشي على نفسه من ذلك، فعليه أن يسعى لإصلاح نفسه ولو كان ذلك بالبعد، ومن هذا السياق قوله صلى الله عليه وسلم :” وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ “( صحيح)، ولكن هل يمكن أن يؤسس هذا المسلك لمشروع حضاري يراعي ما تمّر به الأمة من ضعف ويدفع حاجتها ؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال لا بد من التذكير بسياقه، وأنه سياق خاص مستثنى، فمضامين هذه الأحاديث تمثل حالة خاصة من الإطار العام الذي يكون فيه المسلم، ومن هنا اختُلف العلماء في أيهما أفضل العزلة أم الخلطة ؟ ولهم في هذا مذاهب : والأكثر على تقديم الخلطة مع الصبر على الأذى لما لذلك من أجر عظيم، ومن يرى العزلة يرى ذلك أقرب إلى صلاح النفس وفيه إغلاق لباب الفتنة، ومنهم من يرى أن كل فرد له حكم يناسب حاله، ومع القول بتعدد الأقوال إلا أن ثمة مسلكا في العزلة له أثر سلبي، حيث يبنى عند بعض الناس على رفض الواقع بكل ما فيه، ووصفه بما يدل على فساده وعدم القدرة على إصلاحه، فمثل هذا المسلك غالبا ما ينتهي بالعداء للمجتمع والتوجه نحو العنف، وبالعودة إلى إجابة السؤال المتقدم، فإن الدفع الحضاري مشروع متكامل يتجاوز النزعة الفردية والتي بدورها لا ترفع حالة استحكمت في الأمة من ضعف في كل مستوياتها، فمشروع الدفع الحضاري مشروع تكاملي تجتمع في كل عناصر القوة وفي كل المستويات، وهنا يرد علينا إشكال، مفاده : ما الذي يجعل من هذه المضامين حلا لواقع متأزم ؟ والحقيقة أن ذلك ينشأ من خلل في ميزان السلوك الشرعي، والذي يدور بين تعظيم الشرع وتعظيم القدر، فأصحاب ذلك المسلك يغلبون تعظيم القدر وينظرون إلى الواقع بعينه، ويجعلون كل مقدور محبوبا لله سبحانه، وهذا بدوره يجعل من السلب والضعف حلا للواقع، فيكون الصلاح متعلق بالفرد لا بالمجتمع، ويترك الواقع بكل ما فيه، وإلا، كيف يكون رعي الغنم في شعف الجبال سببا في النهوض بالدين ؟! أو في طريق تحرير المقدسات ؟! وإذا تقرر خطأ مثل هذا المسلك وعجزه عن الدفع الحضاري، فكيف تفهم مثل هذه الأحاديث  ؟
فالمنطلق الأول الذي ينظر من خلاله إلى هذه الأحاديث، هو اعتبار أسانيدها، فما صح منها وجب الإيمان به والعمل بمضمونه، وأصل ذلك أن ما جاء من عند الله سبحانه وجب الإيمان به، وهذه قاعدة إيمانية، وما صح منه وجب العمل به، وهذا الباب أعني باب العمل تعالجه الشريعة بقواعدها، وهذه هو المنطلق الثاني، وأول ذلك أنها شريعة متكاملة تؤخذ بمجموعها، وتفهم برد فروعها إلى أصولها، ومن تأمل نصوص الشرع رأى كثرة ورودها في سياق العمل والبذل والعطاء، فكم من نص في الشرع يحث على العمل وينهض بالهمة، فإن كانت العزلة ملمحا فرديا، ففي  المقابل جاءت نصوص الشريعة بالحث على العمل واعتبار المصلحة العامة مقدمة على مصلحة الفرد، ومما ورد في هذا الباب، قوله تعالى :” كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ”( آل عمران، الآية 110)، وقوله :” وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”( آل عمران، الآية 104)،وفي الحديث :” لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ”( ت حسن)، وفي هذا المعنى وردت كثير من النصوص، وكلها تبنى على الاجتماع لا الفردية وتبنى على العمل لا العزلة، فاعتبار هذا التكامل وعموم ما دلت عليه نصوص الشرع هو المتعين، وأما ما خالف ذلك فهو في دائرة الاستثناء وله حكمه الخاص به فلا يتعداه، ومن المنطلقات المهمة في فهم هذه الأحاديث وحسن تطبيقها، اعتبار اجتماع الشرع والقدر، فخير أحوال الناس ما كان في اجتماع شرع الله وقدره، وعلى قدر تحقيق ذلك تثمر أحوالهم ويفلح شأنهم، وإنما يأتي النقص من إغفال أحد الجانبين أو التقصير فيه، من ذلك الركون إلى الفعل والرضا به من غير اعتبار للشرع وما فيه من حث على العمل والمدافعة، وإلا لفسدت الأرض وانتشر الشر وضاعت المقدسات وانتهكت الأعراض وذهبت الأموال، وتحميل النصوص الشرعية أمثال هذه المعاني السلبية هو في الحقيقة اعتداء على المسالك الصحيحة في الفهم والنظر، وصرف لها عن حقيقتها، ومن المنطلقات المهمة في فهم هذه الأحاديث، هو فهمها بعيدا عن سياق الضعف الذي تمر به الأمة، هذا وإن كان للضعف أثر في تطبيق معنى النص أو العمل به إلا أنه لا يدخل في تفسير النص أو يبين معناه، بل يفهم بقواعد الفهم وطرق النظر والاستدلال، وإلا لآل الأمر إلى تحريف معاني النصوص وذهاب مفاهيمها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش