الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ماذا تبقى من معركة القدس ؟

عبد الحميد المجالي

الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2018.
عدد المقالات: 104

المعركة الدبلوماسية التي خاضها العرب خلال الاسابيع الاخيرة التي اعقبت قرار ترمب باعتبار المدينة المقدسة عاصمة لاسرائيل، ونقل السفارة الامريكية اليها، كانت معركة مرهقة وقاسية، وربما كان القائمون عليها يسيرون على خيط رفيع يستوجب الكثير من الحذر. ولذلك فانه رغم الحماسة الدبلوماسية للقدس فان الخطاب العربي لم يكن مفتوحا على مصراعيه دون ان يكون له بعض المحددات والضوابط؛ ويعود ذلك الى ان المعركة كانت موجهة بالدرجة الاولى الى الولايات المتحدة الدولة الاعظم في العالم، والتي تمتلك مفاتيح القضايا الهامة والاقل اهمية في الشرق الاوسط وفي العالم، وتربطها علاقات حيوية مع معظم الدول العربية، تمس الحياة العامة اقتصاديا وسياسيا وامنيا، بالاضافة الى مفاصل عديدة ترتقي الى قواعد وجود بعض هذه الدول وانظمتها.
 ويبدو ان الولايات المتحدة قد قبلت بعض الشئ بمبررات اتخاذ بعض الدول لمواقفها التي شابتها بعض الحدة في هذه القضية المفصلية في الصراع العربي الاسرائيلي، حرصا عليها من ان تقف في حالة صدام مع الشارع العربي الغاضب الذي يعتبر قضية القدس قضية غير قابلة للتفريط بها او المساومة عليها.
ومع ذلك فان السير على الخيط الرفيع والحذر الواجب خلال الفترة الماضية، حقق ارباحا في هذه المعركة لايمكن انكارها. واولها : تحقيق انتصار بائن لاريب فيه على الصعيد الدولي سواء في الجمعية العامة للامم المتحدة او مجلس الامن وما تلاها من اتصالات؛ ما ترك انطباعا لدى واشنطن واسرائيل انهما هُزمتا في معركة دبلومسية هامة على الصعيد الدولي، وان خياراتهما كانت محدودة في مواجهة هذه الهزيمه. وثانيها : ان هذه المعركة وما تحقق فيها وجهت تحذيرا الى العديد من دول العالم بعدم السير وراء الولايات المتحدة في قراراتها بشان القدس، ولذلك كانت استجابة بعض الدول للضغوط الامريكية والاسرائيلية ضئيلة ومخيبة لامال واشنطن وتل ابيب. وثالثها: ان الجهد الدبلوماسي العربي خلال هذه المعركة كان متناسقا الى حد ما مع بعضه البعض، ومع موقف الطرف الفلسطيني الذي كان مقدرا بشكل كبير حساسية المعركة وحدود التحرك العربي فيها، ولذلك لم يطلب من العرب اكثر مما يستطيعون او ما لايحتملون نتائجه قولا وعملا. ورابعها : ان العمل الدبلوماسي العربي بمجمله وان لم يؤد الى الغاء الرئيس الامريكي لقراراته بشان القدس، الا انه اوصل هذه القرارات الى حالة يمكن وصفها بالجمود وعدم القدرة على الحركة بعد ان تولدت قناعة لدى واشنطن ان هذه القرارات ادت الى نتائج ستلقي باثارها السلبية على الوضع الشرق اوسطي بشكل عام والصراع العربي الاسرائيلي بشكل خاص، وانها كانت مجرد نزوة رئيس شابها خطأ في الحسابات. وخامسها : ان الجهد الدبلوماسي العربي اعطى انطباعا بقرب المواقف الرسمية العربية من المواقف الشعبية، وهوما ضيق الفجوة بين الطرفين التي كانت تتسع يوما بعد آخر بسبب بعض القضايا الداخلية وعلى راسها القضايا المعيشية والاقتصادية.
ولايمكن الحديث عن خسائر في هذه المعركة مقابل ارباحها؛ اذ لم يكن متوقعا البتة تراجع الرئيس الامريكي عن قراراته بشأن القدس. والحقيقة ان قرارات ترمب وضعت الجميع؛ امريكيين وعربا واسرائيليين في مأزق يتعلق بعملية السلام، إذ وجهت هذه القرارات ضربة قاسية لهذه العملية التي لايمكن تجاهلها او التغاضي عنها نظرا لمخاطر ذلك على الاستقرار في المنطقة وعلى القضية الفلسطينية نفسها؛ فالفلسطينيون والعرب بدأوا رحلة البحث عن وسيط آخر يكون بديلا للوسيط الامريكي في هذه العملية. فقد كانت تفاصيل هذه الرحلة الموضوع الرئيس في اجتماع وزراء الخارجية العرب الاخير في عمان، وقد يكون الهدف من هذا الجهد هو مجرد عقاب مؤقت للولايات المتحدة لموقفها بشان القدس، وتوجيه انذار لها بقدرة العرب على تقليص دورها في الشرق الاوسط وفي النزاع العربي الاسرائيلي. وتوصيف هذا العقاب بانه مؤقت يعود الى ان هذه المهمة قد تكون مستحيلة الى حد ما؛ فاسرائيل لن تقبل بغير الولايات المتحدة كطرف فاعل وحيد في عملية السلام؛ فقد استطاعت اسرائيل منذ عقود تجميد دور الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي والاتحاد السوفياتي ومن بعده روسيا في هذه العملية، وجعلت واشنطن المتعهد الوحيد والمحتكر لاي جهد دبلوماسي يخص الصراع العربي الاسرائيلي، كما ان الدول الاخرى المرشحة كبديل للولايات المتحدة في هذا المجال لن توافق على القيام بهذا الدور؛ لانها ستدخل في معركة غير متكافئة مع واشنطن واسرائيل، وان اي دور لها في هذه العملية سيمنى بالفشل المؤكد.
والبحث عن بديل لواشنطن هوما تبقى من معركة القدس، اضافة الى محاولات الضغط على بعض الدول المؤلفة قلوبها خوفا من ان تتبع الولايات المتحدة في قراراتها غير الشرعية بشان القدس.
وبالتاكيد فان المعركة بدأت تأخذ شكلا هادئا في فصولها بعد الصخب الذي شابها خلال الاسابيع الماضية، وسيعطي هذا الهدوء بعض الوقت للاطراف المعنية للدخول في عملية مساومات وصيغ توفيقية في القضية الاهم وهي من سيكون الوسيط في عملية السلام ؟. وقد يحصل العرب على بعض التنازلات الامريكية في خضم هذه المساومات، لقاء قبولهم الاضطراري بدور الولايات المتحدة المحتكر لعملية السلام بمشاركة ولو شكلية من قوى اخرى كروسيا والاتحاد الاوروبي والصين.
ولن يكون هذا الفصل من المعركة سهلا، لان الوقت سيكون ضاغطا على الجميع للدخول في معركة عملية السلام، وهي معركة يمكن تسميتها بأم المعارك في الصراع التفاوضي للنزاع العربي الاسرائيلي، والتي من المفترض ان يتم الاعداد لها عربيا استراتيجيا وتكتيكيا في مواجهة وسيط مؤيد بشكل مطلق لاسرائيل، وطرف اسرائيلي متعنت يعطي الاساطير اولوية على الحقائق، بقدر ما يعطي القوة اولوية على الحق.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش