الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العامري: الإبداع سياق طبيعي في تعميق الهوية والدفاع عنها

تم نشره في الخميس 11 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

  عمان - الدستور - نضال برقان
ألقى الفنان والناقد محمد العامري محاضرة بعنوان: «الفن والهوية»، وذلك في مقر رابطة الكتاب الأردنيين باللويبدة، مساء يوم الأول، وجاءت المحاضرة بالتعاون بين الرابطة ومركز «تعلم واعلم»للأبحاث والدراسات وعقد المؤتمرات والندوات والدورات. وقدم المحاضر وأدار الحوار د. أحمد ماضي.
واستهل العامري محاضرته بالإشارة إلى إن «الهوية في الغالب لا تكتسب سلميا بل تطرح نفسها بمواجهة الإبادة من قبل هوية أخرى، تلك المواجهة التي تؤسس لحوافز الاحتفاظ بمكونات وطرائق إشاعتها بين الناس والجماعات لتصبح المميز الأساسي لهذا المجتمع أو ذاك».
ولفت العامري النظر إلى أن الإبداع هو سياق طبيعي في تعميق الهوية والدفاع عنها بطرائق جمالية محمولة بخطاب تمييز الهوية وعواطفها الاجتماعية والتاريخية، وكثير من الأحيان جاءت كردة فعل على المحو والإبادة، والانتصار لوجود ما بين المجتمعات الأخرى، بوصفها موقفا متكاملا ومحمولا بتاريخ وحضارة بعيدين، وفي الغالب لا تكتسب الهوية بصورة سلمية، بل تقف في مواجهة الإبادة من هوية أخرى، فمواجهة الإبادة والمحو يحتاجان إلى أدوات معرفية وإبداعية قوية للحفاظ على قوام الهوية وروحها، الأمر الذي يدعو لضرورات التخطيط الاستراتيجي في الحفاظ على الهوية الحيوية بعيدا عن السكونية والارتكاس لماضيها القائم في الذاكرة والكتب.
وفيما يتعلق بمسالة العودة للتراث الحضاري العربي والإسلامي قال العامري إن تلك العودة «جاءت كردة فعل أقرب إلى الانفعالية كجزء من الاستعانة بالماضي وأدواته المعرفية للدفاع عن وجوده بين الهويات الأخرى، بل أصبحت جزءًا أساسيا من مكنزمات المقاومة عن الأمة وموروثها التليد، فكانت الاجتراحات في بداياتها تدور في أفق الموروث العريض دون الجرأة على تجاوزه والاستفادة منه بصورة حيوية بل يكاد يكون نسخا للماضي، إلى أن تغيرت المسارات الإبداعية عبر الاحتكاك بالغرب والاستعانة بأدوات جديدة تتضمن عناصر الماضي كمغذٍ لهذه المرحلة. فشكلت العودة إلى التراث التاريخي وإعادة صياغته بصورة جديدة تتواكب مع طبيعة الوسائط الجديدة ظاهرة في الإبداع كجزء من الدفاع عن الوجود العربي الإنساني تجاه تغول الدول الكبرى في مدّها الثقافي الهائل، والذي شكل تهديدا مباشرا لثقافات الأمم الأخرى، وكانت الهزائم العربية المتتالية هي إحدى انكفاءات المبدع العربي على البحث عن وجود يخصه في جغرافيا الفعل الثقافي من باب  إعادة الاعتبار لوجوده الإنساني فكانت  مركباته الإبداعية التي حاولت أن تجترح هوية بحواس عربية من خلال  العودة إلى لذة الماضي التليد وتجلياته المعرفيه. فهو جوع لوجود كدنا أن نفقده، كوننا أمام مغذيات ماضوية مهمة فيما إذا ابتعدنا عن النظرة الأصولية للماضي والانحياز للتآخي بين التراث والحداثة.
ومن ثمّ تحدث المحاضر حول «مغذيات الماضوية لحيوات الحاضر كفعل مقاوم»، مشيرا إلى أن الذاكرة الماضوية كانت هي الوعاء الأساس لاستعادة عافية الوجود العربي والذي نادى به التأصيليون كفعل مناف للأصولية الماضوية والتي تنزح نحو إبقاء الماضي كما هو، كمقدس في تاريخ الأمة، لذلك جاءت الذاكرة كمنطقة من الممكن أن يتم استثمارها في إعادة الحياة لمكنزمات الحياة العربية الثقافية والسياسية أو ما اسميه «اقتصاد الذاكرة» فهي تمتلك المقومات الأساسية للبناء عليها هوية مستقبلية في مجالات الإبداع على الأقل، فهي فكرة مصيرية ترتكز على مقومات الذاكرة وتأصيلها زمكانيا كمغذيات وروافع تدفعان هوية قابلة للتحقق، ويكون الإبداع منطقة لرتق الصورة القومية والهوية معا، بل هي استدراج لماضويات مشفوعة بالحداثة كجزء من مقاومة ميتافيزيقيا النسيان، وصولا لمقاومة المحو، كون الذاكرة موقفا ثقافيا أصيلا تربط بين الذاكرة المتباعدة والذاكرة الآن، دون إغفال مساحة النسيان بوصفها ذاكرة كما أشار إليها الفرنسي «ادوارد هاريوت».
وأضاف المحاضر: «لقد انتشرت سياقات اللوحة الغربية في العالم العربي عبر رحلات المستشرقين، تلك الرحلات التي أنجزت مجموعة من الأدبيات والوثائق شكلت عبرها ذاكرة يشوبها التشويه للذاكرة الأم، بل أصبحت جزءا من مرجعيات المبدع العربي، فالمستشرقون  كان لهم أكبر الأثر في تدريب بعض الموهوبين العرب، فسادت اللوحة المسندية المتعارف عليها في الغرب والتي لا تنتمي إلى طبيعة الرقاع الخطوطية وسياقاتها الزمكانية، فظهر مجموعة من الفنانين العرب الذين درسوا الفنون في المدارس الغربية، محاولين في تجاربهم الجديدة ومن باب الحس القومي والعروبي والخصوصية أن يقدموا اجتراحات جديدة تتكئ على المنجز الغربي بروح عربية وشرقية، لتشكل جزء من الارتداد إلى التراث المادي والتاريخي في العالم الثالث لدرء الكولينيالية بمفهومها الاستعماري، وكانت تلك المحاولات الدؤوبة في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، حيث برزت  مجموعة من المصطلحات الإشكالية تتمثل في  طبيعة صياغة النص البصري، كون النص البصري هو نص كوني لا ينتمي لجغرافيا بعينها بل يعبر الحدود دون استئذان لامتلاكه اللغة التي لا تحتاج إلى تعلم اللهجات، فهي لغة البصر والتفاعل المباشر مع هذا النص، تماما كما تتعرف العين على شجرة في باريس، فمكونات تلك الشجرة تتناغم تماما مع شجرة في المغرب مثلا».
وذهب العامرية إلى أن صداما كان وجد بين ما هو كوني في لغة الفن والإبداع، وبين الخصوصية التي تحيلنا إلى الارتكاس لهوية نحتاجها، فكانت ثمة أسئلة تتناوب بين مجموعة المبدعين تتمحور حول القطيعة مع الغرب والانحياز لحواسنا العربية الإسلامية، وأسئلة أخرى تتمثل بمدى إمكانية الاستفادة من المنجز الغربي دون الذوبان فيه والانحياز لتاريخ الأمة وماضيها العميق. كانت حقبة الخمسينيات من القرن الفائت، بيئة خصبة للتجريب في مفاهيم (عوربة) اللوحة المسندية فكانت العناصر تنتمي بالدرجة الأولى إلى الحرف العربي وبعض الأوابد الدينية والتاريخية وصولا إلى الموتيفات الشعبية وتجلياتها في صياغات العمل الفني.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل