الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المـال السيـاســي الأمـريـكــي !

عبد الحميد المجالي

الاثنين 8 كانون الثاني / يناير 2018.
عدد المقالات: 104

رغم مرور عام على رئاسة دونالد ترمب للولايات المتحدة الامريكية، الا انه لم يستطع حتى الان التغلب على هيمنة مهنتة كرجل اعمال على تفكيره وسلوكه لممارسة وظيفة رئيس الدولة بكل مقتضياتها التي تاخذ فيها السياسة اولوية وضروره؛ اذ لا يزال هذا الرئيس يمارس السياسة بعقلية رجل الاعمال الذي يعتقد بان المجتمع الدولي مجرد شكل آخر من اشكال السوق بكل ما فيه من بيع وشراء، وان المال يقود السياسة، ويستطيع ان يحقق غاياتها بقوة السحر وخاصة في العلاقات بين الدول.
ولذلك كانت معظم مواقفه و توجهاته كرئيس للولايات المتحدة منذ تسلمه الرئاسة تقع في خانة الحصول على المال او توفيره، او استخدام المال كوسيلة ضغط لتحقيق اهداف سياسية، وعلاقات ادارته مع الدول الاوروبية التي طالبها بزيادة نسبة مدفوعاتها لحلف الناتو وتقليص نسبة الدفع الامريكي للحلف، ثم مارس عقلية رجل الاعمال في التعاطي مع النزاع العربي الاسرائيلي حين هدد بقطع المساعدات عن الدول التي تصوت لصالح القرار العربي في الجمعية العامة، ومن بعدها اراد ان يمارس الضغط على الجانب الفلسطيني للعودة الى اعتبار واشنطن وسيطا في النزاع، رغم قراره المتهور بشان القدس،وذلك بقطع المساعدات عن السلطه، ثم قام بتجميد مساهمة بلاده بموازنة الانروا، وقبلها قلص ما كانت تدفعه بلاده للامم المتحدة بزعم انها منحازة ضد اسرائيل، وهو ما فعله ايضا مع اليونسكو.
هذا الرئيس يقلب المعادله؛ ففي سلوك واشنطن على الصعيد الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان المال الامريكي رغم سطوته على دوائر صنع القرار، يركض وراء السياسة الامريكيه، يحصد ما تجنيه زراعاتها على صعيد العالم؛ غير ان ترمب يرى ويمارس اللعبة معكوسة ويجعل من السياسة احد ارهاصات استخدام المال، وعليها ان تلهث وراءه وتحصد ما يحققه من اهداف سياسية.
وفي الحقيقة فان هذا الرئيس لايمكن فهمه او توقع سلوكه وقراراته سواء على الصعيد الدولي وحتى في الداخل الامريكي، فلا يزال مشوشا ومرتبكا وارتجاليا. ولعل الكتاب الذي صدر مؤخرا في الولايات المتحدة تحت عنوان “نار وغضب “يكشف الكثير من جوانب شخصيته بشكل مثير يعكس مدى خطورة ان يبقى ترمب رئيسا للولايات المتحدة خلال السنوات القادمه.
ونعتقد بان هذا الرئيس هو من اخطر الرؤساء الامريكيين؛ اذ ليس هناك اغرب واخطر من ممارسة السياسة او التعاطي مع دولة كبرى تملك كل عناصر القوة الفاعلة والكاسحة ويرأسها رجل لايمكن توقع طريقة تفكيره او اتجاهات سلوكه.
و الغموض حول شخصية ترمب لم يكن فقط بعد تسلمه الرئاسة بل قبلها ايضا:
ـ فهذا الرئيس لم يكن يتوقع احد وصوله الى البيت الابيض.
ـ وهذا الرئيس جاء من خارج النخبة السياسية الامريكيه، ولذلك لم يكن تحت منظار العالم لكي يتعرف عليه وعلى توجهاته ومداخل شخصيته.
ـ وهذا الرئيس جاء من مجتمع الاعمال والمال بعيدا عن السياسة وقواعدها وركائز التعامل بها وخاصة مع الدول.
ـ وترمب الرئيس، كان فريسة رجال دين ومعتقدات اسطورية في امريكا جعلته يقترب من اسرائيل واساطيرها ربما اكثر مما تريده اسرائيل نفسها.
ـ وكرئيس، يتوهم ترمب انه يمكن ان يصبح من الزعماء التاريخيين للولايات المتحدة يبني مجدا شخصيا حتى لو تخطى الكثير من المحددات والمحاذير، وهو ما يمكن شم رائحته من قراراته في الداخل الامريكي وفي علاقات بلاده مع دول العالم .
وبالتاكيد فان الولايات المتحدة تعيش اجواء جديدة مع رئاسة ترمب لها، تلك الرئاسة التي كانت نتاج رغبة الشعب الامريكي في التغيير، وهي رغبة تدفع الكثير من الامريكيين الى اختيار قيادتهم وقمة السلطة في بلادهم دون التدقيق في شخصية هذه القيادة، ما يجعل هذا الاختيار نوعا من التجربة التي تتوافق مع ثقافة الشعب الامريكي في حب المغامرة والاقتحام للمستقبل، والعالم في رؤيته لطبيعة التعامل مع امريكا، فانه بالتاكيد دخل مرحلة جديدة ايضا؛ فامريكا ليست دولة عادية بل دولة تترأس وحدات المجتمع الدولي، وفعلها او قولها له تاثير السحر على العالم، إما خوفا ورهبة، او قناعة بضرورة تنفيذ ما تريده سعيا وراء المصالح ورغبة في المكاسب، وكلاهما يعطي قرارات واشنطن قوة النفاذ وربما قوة القانون في بعض الاحيان.
ولعل ترمب يعلم هذا، لكنه يسعى الى تضخيمه اكثر مما يجب، ويتصرف كرئيس للولايات المتحدة دون ان ياخذ بالاعتبار ردود فعل الدول الاخرى، وهي عنجهية لاتصح في عالم الدبلوماسية والسياسة؛ ما يجعل “تاجر واشنطن “ يتلاعب بقواعد السياسة الدولية واصولها، وكأن دول العالم مجرد عملاء لشركة تسمى الولايات المتحدة تتحكم بالانتاج والاسعار وتحتكر السوق وتفرض على الاخرين باموالها ماتريد. وفي هذا السياق كانت قرارات ترمب حتى الآن باستخدام المال كمحرك للسياسة وفاعل في تحقيق اهدافها.
اننا امام واقع جديد يتطلب رؤية جديدة في كيفية التعامل مع اكبر دولة في العالم يراسها رئيس لايمكن توقع سلوكه، وخاصة في حالة التعامل مع قضية لاسرائيل علاقة بها، اوللمال تاثير عليها ومنها؛ فثنائية اسرائيل والمال، هما ركيزة مواقف ترمب في ممارسة السياسة، وبواسطتهما يرغب في تحقيق اهدافه، وكلاهما يشير الى مستوى الخطورة في التعامل معه. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش