الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الروائي جلال برجس: أنطلق من المتخيل إلى الواقع.. للخروج عليه

تم نشره في الأحد 7 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً

 عمان - الدستور - نضال برقان
يذهب الروائي جلال برجس إلى أن «المكان في الرواية ليس فقط حاضنا للإنسان الذي هو محور السرديات وهدفها الأسمى، بل هو برأيي الشاهد الشريك في المشهد الماضي، والآني، والمستقبلي».
ويضيف في الحوار الذي أجرته معه «الدستور»، بمناسبة صدور روايته الجديدة «سيدة الحواس الخمس» إنه في روايته الجديدة ينطلق من المتخيل إلى الواقع للخروج عليه.
وفيما يلي نص الحوار:
* يحضر المكان العمّاني في روايتك الأخيرة «سيدة الحواس الخمس» حضورا لافتا، بتفاصيله وروائحه ومفرداته المادية والمعنوية، في حين نجد المكان عائما أو معوما في العديد من الأعمال الروائية المحلية والعربية. ترى كيف تنظر إلى المكان في العمل الروائي؟
- الرواية التي تتجاهل المكان هي رواية شخصياتها عرجاء؛ إذ إن المكان في الرواية ليس فقط حاضنا للإنسان الذي هو محور السرديات وهدفها الأسمى، بل هو برأيي الشاهد الشريك في المشهد الماضي، والآني، والمستقبلي. وليس هنالك من رواية حقيقية إن لم يتضح فيها المكان كما ينبغي لوضوح الشخصية وحركتها. في (سيدات الحواس الخمس) تحديدًا عملت على أن يحضر المكاني العَماني كشخصية رئيسة، أو بطل من أبطال الرواية؛ لأني لا أذهب فقط للمعاينة الواقعية والتخييلية له، بل أذهب أيضًا نحو نص يطرح الأسئلة حيال التبدلات التي طرأت حديثًا على المعمارين الخارجي والداخلي للإنسان العَماني، ومنه أنطلق نحو الإنسان العربي. تغيرت عَمان كثيرًا فلا بد أن نؤشر إلى هذا التغير، ونقف عليه طارحين للأسئلة.
* تحمل الرواية دعوة لمواجهة الزائف والمخادع والمراوغ في حياتنا (مجموعة سليمان الطالع)، من خلال انحيازنا لما هو حقيقي وصادق وواضح (غاليري الحواس الخمس)، ما يجسد مواجهة بين ضدين: الخير والشر، النور والظلام، وهي مواجهة محسومة لصالح مالك القوة في النهاية، وهنا نتساءل: ماذا يمكن أن يفعل الإنسان العربي لمواجهة الخراب/الفساد في الراهن والمعيش؟
- ليس هنالك من مواجهة محسومة برأيي، ولو حدث ذلك فعلًا لما بقي الجاني بكل مجازاته حذرًا من انتفاض الضحية في لحظة ما. لهذا صغت مقولة الرواية الرئيسة بكل إيمان بأن الأسئلة لا بد أن تجد إجاباتها ذات يوم. يمثل سراج عز الدين بإدارته لـ (غاليري الحواس الخمس) فعلًا ثقافيًا يواجه (سليمان الطالع) بإدارته لـ(مجموعة سليمان الطالع التجارية). الثقافي الحقيقي، يواجه التجاري الزائف. وهنا تحضر إجابة سؤالك حول جدوى مواجهة الثقافي للفساد بكل ألوانه. فحينما نطرح الأسئلة المقلقة حيال هذا الأمر فأننا نشكل بداية مواجهة حقيقية لهذه المعضلة التي من شأنها أن تهشم البنى الاجتماعية، وتأخذ المستقبل نحو المجهول.
* تمثل الرواية فضاء تتحرك فيه الحواس بفعالية وكفاءة، كما يتحرك فيها الحدس الاستشرافي بالمستقبل، غير أن هذا كله لا ينجح في النجاة من سطوة الواقع شراسته، ما يدفع سراج عز الدين (الشخصية الرئيسة في الرواية) إلى التساؤل: «ما نفع حواسنا الخمس إن لم تكن لها القدرة على التنبؤ بما يمكن أن يحدث لنا؟». وبدورنا نتساءل: أليست هناك وسيلة للخلاص غير الهروب إلى المتخيل؟
- ذهابي إلى المتخيل ليس هروبًا بالطبع، وهذا المتخيل الذي استثمرته في هذه الرواية ليس متخيلًا طوباويًا، أو يوتوبيا لا طائل منه؛ بل إنه دعوة انطلاق من واقعنا لاستشراف المستقبل عبر الانتباه لحواسنا، وما هذا إلا إشارة رمزية لضرورة تجاوزنا لغفلاننا عن كثير من المعضلات التي منينا بها حديثًا. لماذا على سبيل المثال ندفن رؤوسنا في الرمل عن احتمال نشوب أزمات نتيجة لممارسات نراها يوميًا على أرض الواقع. أليس من المفترض أن ننطلق من هذا الواقع نحو المستقبل لاستشراف ما يمكن أن يحدث، وبالتالي نتجنبه. أنه الخوف على العش الذي علينا أن نحميه من الريح، ومن الصقيع. لهذا أزعم أنني أنطلق من المتخيل إلى الواقع للخروج عليه.
 * على الرغم من الجانب الأنيق الذي تقدمه الرواية لمدينة عمّان، غير أنها تقدم، في الوقت نفس، جانبا قاتما، يستشري فيه الفساد، ويهضم فيه حق الضعيف، ما يشكل إدانة لحقيقة هذه المدينة، التي هي نموذج للمدينة العربية المعاصرة. ترى أما آن الأوان لهذه المدينة، وأخواتها العربيات، لأن تنفض عن كاهلها غبار الرداءة والمكائد والخراب؟
- أخطر ما يمكن أن نقع في مغبته في هذه المرحلة هو تجاوز (الفساد) هذا الجانب القاتم من جهة، والمكشوف من جهة أخرى، إنه نتاج نمط وحشي من التفكير الانتهازي؛ إذ يفتت عناصر عيشنا، ثم يلتهمها، ويحيلنا كمتضررين إلى كائنات عبثية جراء مكابدة هذا الشكل من أشكال المصائر. ومقاربتي روائيًا لما يحدث ليس إدانة للمدينة، بل إدانة لمن تجاوز شروط المدينة بكل أبعادها الأخلاقية، والثقافية بحيث صار انتهازيًا إلى درجة تنتج عوامل تعرية، ومحق للأساس الإنساني في العيش. 
* في الوقت الذي يسير فيه إيقاع الحياة على عجل، على الصُعُد كافة، تخرج برواية (ضخمة) تتكون من 400 صفحة تقريبا، ألا ترى أن زمن (الأعمال الكبيرة) قد ولى لصالح أعمال تستطيع أن تجد لها موطئ قدم في الحياة الجديدة؟
- بما إني مؤمن بأن روايتي هذه لا إسهاب فيها، ولا فيها ما هو غير ضروري سرديًا، يمكنني أني أقول (لا)، كإجابة على سؤالك هذا. الكتابة الروائية عندي ليست مرتبطة بحجم معين، وحينما أكتب فإني أضع نصب عيني قارئ طويل النَفَس. أكتب لأقلقه، وأثير لديه الأسئلة في سياق يشاركني به، يمَكِّنه من كتابة روايته الخاصة أثناء فعل القراءة. الرواية بكل عناصرها هي التي تفرض حجمها، إذ أن هنالك روايات بحجم متوسط ولا يمكن أن تكون غير هذا، وروايات بحجم كبير، إن كُثفت فقدت ما يمكن أن يؤلف مقولتها الرئيسية.
* أتوقف عند (سراج عز الدين)، فعلى الرغم من انتصاره للأنوثة، (بوصفها جوهرا للحياة، ومعادلا موضوعيا للجمال الحقيقي)، غير أنه لم يدخر جهدا في قيادة خمس سيدات إلى السرير، ولولا خذلان عواطفه - له لفعل بهنّ ما فعل..، ألا ترى في ذلك فعلا ذكوريا شهوانيا بامتياز، لا يتماشى مع طبيعة شخص يفترض أنه نصير للأنثى؟
كيف يمكن لواحد مثل سراج عز الدين الذي شيد «غاليري الحواس الخمس» على هيئة امرأة أن يكون ذكوريًا، شهوانيًا بهذا الشكل الذي يصفه سؤالك، خاصة أنه يعي الدور الحقيقي للمرأة. سراج وانطلاقًا من الحالة المرضية التي مني بها جراء تغول سليمان الطالع فقد إحساسه بوطنه بطرفيه: الوطن ككيان مادي حاضن، وزوجته ككيان عاطفي موازي لفكرة الوطن. لهذا كان يبحث في كل النساء اللواتي عرفهن عن فردوسه المفقود، لم يكن اقتيادًا إلى سرير الذكورة، أو الشهوة المجردة. فمآلات العلاقات بين سراج والنساء في هذه الرواية أتت نتيجة لعلاقات توجت بذلك الشكل الإنساني، الذي لا يمكن أن نعتبره، فعلًا ذكوريًا يوازي فعل فرض السيطرة والقمع والتكميم على الأنثى. ثم أن بحثه عن فردوسه المفقود أكبر نفي لما تفترضه، وبحث النساء الخمس أيضًا عما سلبه نمط ذكوري من التفكير جعل المعادلة مكتملة برأيي.
* في الرواية، قتل سراج آخر ثعلب أطلقه في البرية، ولم يُقتل ما يرمز إليه من ناس مراوغين ومخادعين وفاسدين..، لماذا جعلت سراج يقتل الثعلب، في الوقت الذي ظل فيه سليمان الطالع (بكل فساده) حيّا؟
- لأنني لا أريد أن أخدع القارئ، وأجعله مطمئنًا للواقع بمسبباته، ومآلاته. على أرض الواقع ما يزال سلميان الطالع بكل مجازاته يمارس نهجه الانتهازي، وما قتل الثعلب على يد سراج عز الدين، إلا انتصارًا مجازيًا لرغبته الذاتية والمعادلة للموضوعي بإنهاء سليمان الطالع، أو لنقول الخطوة الأولى نحو أخراج سليمان الطالع من دائرة توحشه. الرواية لم تبت بموت سليمان أو عدمه، ثمة اختفاء غامض قد حدث، وإثر ذلك ذلك يعين ابنه في منصب مهم، لكن في المقابل ومن جديد يظهر الصغير أحمد بدوره المُواجه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش