الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأردن وسط عواصف السياسة وعواصف العواطف!

عبد الحميد المجالي

الاثنين 25 كانون الأول / ديسمبر 2017.
عدد المقالات: 96

بين السياسة والعواطف تناقض صارخ يجعل اي خليط بينهما مركبا يمنع ايا منهما من تحقيق اهدافه، ويسير بمستخدمه الى اتجاهات غير مقبولة وخطرة في كثير من الاحيان، خاصة اذا كانت ظروفه لاتسمح باي حال بهذا الخليط الذي يجلب معه ما لايجب ان يكون.
والدول هي التي تمارس السياسة بينما الجماهير تعبر عن عواطفها. واذا كانت الدول مضطرة في حالات نادرة للتعاطي مع العواطف لمقتضيات داخلية وخارجية، فانها تقوم بذلك بصورة تشبه الى حد كبير من يضع القليل من الملح على طعامه خشية ان يرتفع ضغط دمه. فالكثير منه يؤدي الى عواقب وخيمة على صحته العامة وربما على حياته.
والاردن منذ البدء وانسجاما مع ظروفه وضرورات وجوده، لم يمارس السياسة مخلوطة الى حد كبير بالعواطف الا في حالات نادرة، وبكميات محدودة ؛ فقد كان يسير دائما في سياسته الخارجية وربما الداخلية، على حبل مشدود معلق في الهواء، وبين نقطة البداية ونقطة النهاية في كل أزمة تكون عيناه مفتوحتين في كل الاتجاهات، وأذناه تسمعان كل شئ، ويفكر بمعطياتها الحاضرة والتداعيات المحتملة لها على المستقبل؛ وهذا ما جعله دائما يقفز ولو في الثانية الاخيرة الى شواطئ الامان، متخطيا هيجان بحار الشرق الاوسط الذي لم يتوقف طوال العقود الماضية، كما تجنب مخاطر الرمال المتحركة في المنطقة التي تجر دولها واشخاصها الى حيث لايريدون ولا يعلمون.
واليوم يقع الاردن وسط عاصفة السياسة في ازمة القدس وتفاعلاتها، تلك الازمة التي فرضها على الاردن والمنطقة رئيس مختلف عمن سبقه من الرؤساء في البيت الابيض، يرغب في صناعة مجد وتاريخ له ولو على حساب الاخرين، حتى لو تخطى حسابات السياسة والعواطف، مستندا الى ما تستطيع ان تفعله قوة بلاده الخشنة والناعمة، وبقدرتها على تعويض اي خسائر من ممارسة كهذه باسرع مما يتوقعه الاخرون.
وفي ازمة القدس عواطف تفيض كثيرا عن حاجة السياسة نظرا لمكانة القدس الرمزية والدينية والسياسية، واستيطان المدينة المقدسة في ضمائر الشعوب العربية والاسلامية، وصحيح ان للاردن خصوصية في علاقته مع القدس ومع مقدساتها؛ ولكن هذه الخصوصية لها ايضا خصوصية خاصة تجعل منها مضطرة للدخول في حسابات السياسة والوجود اكثر منها عواطف ومشاعر وأحاسيس؛ فالاردن لايملك سوى امكانات محدودة وسط محيط متقلب في سياساساته من القريب وبعض البعيد. وبصراحة فانه لم يعد يثق بنوايا المحيط الا القليل منه، وعندما كان في العقود الماضية يصل الى هذه الحالة، فانه يوثق علاقاته مع الدول الكبرى، كما كان يستند في كل ازماته على جدار يكون مانعا امام من يريد ان يطعنه من الخلف.
ولكي يخرج الاردن من عواصف السياسة وعواصف العواطف التي تضرب الشرق الاوسط في هذه الظروف، و ليس من قبيل القاء النصائج او ادعاء المعرفة، فمن يعملون بهذا الشأن يعلمون اكثر مما نعلم ويقدرون الامور اكثر مما نقدر، غير ان الحرص على الوطن واجب على الجميع، ويفرض احيانا بعض القول حتى لمن ليس مطلوبا منهم ان يمارسوا هذا الدور وتلك المهمة، ولذلك فاننا نرى ما يلي :
اولا : ممارسة السياسة بكل مقتضياتها بعيدا عن العواطف. فبقاء الاردن وحيدا في ساحة المواجهة سيضطره الى دفع اثمان لايستطيع تحملها خاصة وان المواجهة هي مع اقوى دولة في العالم، ومع اسرائيل التي لاتتورع عن استغلال الظروف لتحقيق اهدافها ومطامعها في فلسطين والاردن معا.
ثانيا : لسنا بحاجة الى التذكير بمدى حاجة الاردن الى الولايات المتحدة خاصة في القضايا المالية والاقتصادية والامنية والسياسية، ومن يجلس في البيت الابيض لم يعد محل ثقة بانه سياخذ اعتبارا لعلاقة الاردن الاستراتيجية بالولايات المتحدة بل يمارس السياسة وفق منظور جديد تكمن الخطورة فيه؛ ان اي دولة لاتستطيع توقعه اوتقدير احتمالاته.
ثالثا: ان قضية القدس قد اخذت معظم فصولها على الصعيد الدبلوماسي، خاصة بعد تصويت الجمعية العامة، ولم يبق سوى محاصرة القرار الامريكي؛ لكي لايمتد ويتسع الى دول اخرى، وتلك عملية هي مسؤولية العرب جميعهم عبر الجامعة العربية، وليس مسؤولية الاردن وحده.
رابعا : حقائق السياسة والمصالح في العلاقات الدولية، تقول ان كثيرا من الدول التي تحدت الولايات المتحدة في تصويتها في الجمعية العامة تشعر انها دخلت في مغامرة سياسية ضد واشنطن، وهي لاتحتمل تبعات هذه المغامره، ولذلك فانها ستمارس خلال الفترات القادمة اعادة ترتيب لاوراقها بما يكفل اعادة علاقاتها مع الولايات المتحدة كما كانت؛ فمصالحها مع الامريكيين اكثر واقوى واكثر نفعا من علاقاتها مع العرب، وهنا لانستبعد حتى الاتحاد الاوروبي من ذلك؛ فلدوله حدود ومحددات في ممارسة علاقاتها مع واشنطن.
هذا بعض مما يمكن قوله في الحالة الاردنية الحالية في تعاطيها مع ازمة القدس بالسياسة والعواطف، فهي مسألة تتعلق بمصير وطن وشعب، لهما ظروفهما وخصوصيتهما التي لاتحتمل الاندفاع بعيدا عن الحسابات الدقيقة في عالم مضطرب، لا يعترف بالعواطف مهما كان وقعها على النفس البشريه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش