الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بناء مجتمع دولي جديد

د. رحيل محمد غرايبة

الأحد 24 كانون الأول / ديسمبر 2017.
عدد المقالات: 391


ما يفعله (ترامب) وادارته هو عبارة عن  تقويض للمجتمع الدولي الذي تم بناؤه خلال القرن الماضي ، عندما تم إنشاء هيئة الأمم المتحدة التي ينضوي في عضويتها ما يقارب مائه وتسعون دولة مستقلة وذات سيادة كاملة، وما يتفرع عنها من مؤسسات ولجان، وما تم وضعه من مواثيق وشرائع تحاول جاهدة  حفظ السلم والأمن الدوليين ورعاية حقوق الإنسان وتنظيم العلاقات بين الدول واشخاص القانون الدولي العام.
الشرعية الدولية  نفسها اتاحت لشخص  مثل ترامب ان يفعل ذلك من خلال شرعنة الظلم وعدم المساواة امام القانون  حيث انها جعلت العضوية الدائمة في مجلس الأمن مقتصرة على الدول الخمس الكبرى، وأعطت كل دولة منها حق النقض «الفيتو»، الذي تستطيع من خلاله إفشال أي قرار دولي مهما كانت درجة مصداقيته وعدالته ، ومهما كان حجم التأييد الذي يحظى به مشروع القرار , حتى لو وصل حد الاجماع الدولي، فهو عين الظلم الذي لا يقره  شرع ولا عقل ولا فطرة ، ولا يستوي مع المنطق السوي، وما حدث مؤخراً، حول مشروع قرار إبطال قرار الإدارة الأمريكية بالإعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الإحتلال خير دليل على ذلك ، حيث صوت لصالح القرار (14) دولة من أصل (15) عضوا في المجلس ،مع العلم ان الدولة الخامسة عشر هي الولايات المتحدة الأمريكية المعنية أصلا بالقرار، وهذا  يمثل دلالة واضحة على إعوجاج هذا الميثاق وخرقه للعدالة، الذي يعد لطخة عار في جبين الإنسانية.
ما حدث على هذا النحو يجب أن يستنفر العقل القانوني العالمي وفقهاء القانون الدولي، وكل المفكرين وأصحاب النظر والرؤية الإنسانية وكل شعوب الأرض ولدى كل المؤسسات العلمية المختصة ومراكز البحث والدراسات  وكل جامعات الدنيا التي تدرش الشرعة الدولية والقوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان العالمية لأن ما حدث يعد اعتداءً صارخا  على العدالة وعلى القيم الانسانية وخرقاً للمثل العليا التي يجمع عليها العقلاء ، ويمثل فضيحة دولية لا يمكن تبريرها ولا تسويغها بكل اشكال المسوغات وفي كل شرائع الارض والسماء  ،ولا يمكن تبريرها امام الشباب والأجيال الذين يجلسون على مقاعد الدراسة في كل دول العالم ، ولا يمكن تبريرها أمام أطفال العالم الذين سوف يكبرون ويقرأون هذا التراث الذي يدعو إلى الشعور بالخزي والعار.
أعتقد أن أكثر  الشعوب قدرة  على مواجهة هذا الإعتداء الصارخ على البشرية وعلى العقل الإنساني هو الشعب الإمريكي نفسه الذي اختار هذا «الكائن» الفارغ من القيم الإنسانية والمحشو بالغرور والغطرسة والقمامة الفكرية والذي يسيء للإنسان الأمريكي أولاً ولشعار الحرية التي يرفعها المجتمع الامريكي، ويسيء للحضارة الإمريكية والجامعات الأمريكية التي تحتل المراتب الأولى على صعيد حامعات العالم ، بل أنه يسيء للوجه الأمريكي الذي تم بذل مئات الملايين والمليارات من الدولارات من أجل تحسين صورته أمام العالم خلال العقدين السابقيين على اثر احتلال العراق والعدوان على الشعب العراقي وتدمير الدولة العراقية تحت ذرائع كاذبة وادعاءات مزوّرة ومخادعة قطعا.
العالم كله يشعر اليوم بالتهديد بل بات مهددا فعلا ، عندما يتربع على إدارة اكبر  قوة عالمية رجل مأزوم، وحفنة مهووسة بعقيدة مليئة بالحقد الديني الأسود البشع، ويمسك بأداة الضغط على أزرار الترسانة النووية الكفيلة بتحويل العالم إلى رماد، فأي مستقبل ينتظر الإنسانية في ظل هذا الرعب وهذا الجنون الذي تتم ممارسته بقصد وعن سبق إصرار وترصد وإعلان  مصحوب بأعلى درجات البجاحة والصلف.
كل من يصمت على هذا العدوان الصارخ على البشرية فهو ناقص الإنسانية وناقص الكرامة وناقص العقل ، ويحمل بين جنباته معاني العبودية والرق، وأن زعم التحضر ورفع شعارات سيادة القانون واحترام انسانية الإنسان، لأن هذا الصمت يقود إلى تقويض المجتمع الدولي وتقويض منظومة القيم الانسانية والتراث الانساني الحضاري العالمي المتراكم عبر تاريخ البشرية الطويل، ويعود بها الى عصور الانحطاط والظلم والاستعباد وعقد التفوق العنصري المصحوب بالشعور بالقوة .
المفكرون والمنظرون واهل القانون على الصعيد العالمي كله ، والعلماء والفقهاء في كل الملل والنحل وفي كل  زوايا الأرض معنيون باحداث ثورة فكرية في وجه هذا المسخ مهما كانت درجة تسلحه بالقوة، ويجب الشروع يتصحيح الشرعة الدولية وإعادة تنظيم المجتمع الدولي على أسس صحيحة بعيدة عن لغة القوة والشعور بالعظمة والعنصرية والخطاب الديني المهووس، بحيث تصبح الهيئة العامة المكونة من (193) دولة  هي المخولة  باختيار مجلس الأمن عبر انتخابات  ديمقراطية حرة ،  ويجب الغاء ما يسمّى حق النقض(الفيتو) تماما بلا ادنى مواربة ، الذي يعد علامة صارخة على الظلم والإعوجاج، ويجب ان تصبح الية اصدار  القرارات قائمة على الأغلبية المطلقة، ويجب أن تصبح المنظمة الدولية عنوان الديمقراطية الحقة لكل شعوب الارض ، وان  تكون حارسا لقيم الحرية والعدالة الانسانية بين الشعوب والامم  في كل قارات العالم، وان لا تعترف باستعمال القوة والعنف في الوصول إلى السلطة ، ولا تسمح  بتسلط شعب على شعب او امة على امة، ولا في استباحة ارضه والاستيلاء على مقدراته تحت اي مبرر  او سبب.
والأن تتشكل فرصة مواتية  امام شعوب العالم الحرة  وكل امم الارض وجميع الدول صاحبة السيادة ان تحتشد في وجه الظلم الصارخ وان تمارس العزل تجاه الدول المتمردة على المجتمع الدولي ، و التي تشرعن الظلم والعدوان واحتلال ارض الغير بالقوة .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش