الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مــعــــركـــــة القــــــــدس

عبد الحميد المجالي

الخميس 21 كانون الأول / ديسمبر 2017.
عدد المقالات: 96

 قرارات الرئيس الامريكي دونالد ترمب بشأن القدس، احدثت تغييرا شوه قواعد اللعبة في الصراع العربي الاسرائيلي بشكل عام والصراع الفلسطيني الاسرائيلي على الخصوص؛ اذ بعد ما كان الفلسطينيون ينتظرون تحركا من الادارة الامريكية لبدء جهد جديد يعيد الحياة لعملية التسوية التي غابت او غيبت خلال السنوات الماضية، وبعد ما كان البعض يروج بأن الرئيس الامريكي الجديد يستطيع الضغط على اسرائيل؛ لتغيير مواقفها انطلاقا من العلاقة الخاصة بين الجانبين، وبعد ما كان العرب يتوقعون نهجا امريكيا آخر في المنطقة يصحح ما افسده نهج اوباما طيلة ثماني سنوات مضت، جاء قرار ترمب بشان القدس لينسف كل هذه التوقعات، بل ويطيح بكل الآمال والتطلعات نحو اوضاع جديدة في المنطقة.
وكان على العرب بعد القرار الامريكي ان يبدأوا معركة لم يكونوا مستعدين لها؛ لانها لم تكن متوقعة، وهي معركة من النوع الذي لا يقبل الخسارة و تبعاتها؛ لانها تتعلق باهم مفاصل النزاع وهي قضية القدس، كما تعني تحقيق اسرائيل انتصارا لم تدفع ثمنا له، لانه جاء اليها يطلبها، وربما لم تكن تطلبه او تتوقعه بهذه السرعة وهذه الدلالات من ادارة جديدة في واشنطن.
والحقيقة ان معركة القدس التي يواجه فيها العرب الولايات المتحدة اعظم واقوى دولة في العالم، ليست سهلة بل هي من الصعوبة البالغة التي تثير الاحباط المسبق لمن يتولى ادارة المعركة وقيادة عملياتها؛ ولكنها القدس التي يتغلب الشعور والاحساس باهميتها ورمزيتها على الاحساس بالاحباط، بل ويدفع الى خوض معاركها حتى لو كانت ضد امم الارض كلها، وحتى لو وصفت هذه المعركة بانها انتحارية يفقد فيها الانسان نفسه وقضيته دون مقابل.
ولا شك ان نتائج هذه المعركة رغم صعوبتها وفي حدود الامكانات المتاحة تشير الى ان العاملين عليها قد ابلوا بلاء حسنا حتى الان، لانهم يسيرون ضمن خطوات متدرجة واضحة المعالم، وتحقق انتصارات دبلوماسية وسياسية في مستوياتها المتعددة قد تفرغ قرار الرئيس الامريكي بشان القدس من مضمونه الحقيقي شيئا فشيئا مع الزمن.
فبعد اجتماع وزراء الخارجية العرب والذين قالوا كلاما لم نسمعه من قبل، ضمن رد الفعل على القرار الامريكي، وفي اطار الشعور بضرورة النقد الذاتي للوضع العربي الراهن، والذي ادى الى اتخاذ قرارات وصلت الى الحد الاقصى مما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي، جاءت القمة الاسلامية في تركيا لتدعم هذه القرارات وتؤكد عليها.
ولعل اكثر المشاهد الدبلوماسية صعوبة على امريكا، كان اجتماع مجلس الامن الدولي، إذ تحدث اربعة عشر عضوا في المجلس بمضمون ولغة الخطاب العربي بشان القدس، وظلت الولايات المتحدة وحيدة في ذلك الاجتماع تعاني من ضربات خطابات مندوبي الدول الاعضاء ومن بينهم اقرب حلفائها الاوروبيين، ولم تعط كلمة مندوبة الولايات المتحدة اي اثر ايجابي لصالح بلادها، بل زادت من حنق المندوبين وغضبهم لضعف وعدم صحة المبررات التي اوردتها المندوبة الامريكية دفاعا عن قرار رئيسها، وقد كان هذا المشهد دليلا لايقبل الشك على حسن ونجاعة ادارة المعركة على مستوى العالم، ويضاف الى ذلك كله المشهد الاكثر دلالة الذي سيفرزه الاجتماع الطارئ للجمعية العامة للامم المتحدة، إذ ستؤيد معظم دول العالم وجهة النظر العربية بشان القدس، ولن يكون للضغوط الامريكية على دول العالم لتاييد موقفها اي مفعول حقيقي؛ لانه موقف غير شرعي وغير قانوني، كما ان الثقة بالادارة الامريكية الجديدة باتت محل شكوك كبيرة على مستوى العالم، ولن تتوقف الدبلوماسية العربية عند هذا الحد، بل ستواصل عملها لمحاصرة القرار الامريكي؛ لكي لايمتد ويتوسع بالترغيب والترهيب الى دول اخرى.
وعلى الرغم من انه ليس متوقعا ان يتراجع الرئيس الامريكي عن قراراته بشان القدس، الا ان الدبلوماسية العربية والدولية ستعمل مع مرور الزمن، واذا بقيت بنشاطها الذي نرى مفاعيله اليوم، الى ذوبان هذه القرارات وهي لاتزال في موقعها لاتستطيع الحراك لخدمة اسرائيل ومخططاتها التوسعية.
ونتائج معركة القدس حتى الان تشير الى مجموعة من الحقائق التي يجب ان تستمر وتتعمق لتعطي اثارها على مجريات الصراع، و مقتضياته الحيويه. واولى هذه الحقائق: ان الولايات المتحدة ربما تشعر كدولة عظمى ولاول مرة انها باتت معزولة على الصعيد العالمي، وان مبررات قراراتها بشان القدس غير مقنعة لأحد وتسيء الى مجمل العمل الدبلوماسي الامريكي، ليس في هذه القضية وحدها، بل في قضايا حيوية اخرى عبر العالم.
وثانيها : ان اسرائيل فشلت حتى الان، في جر ولو دولة واحدة من دول العالم الى اتخاذ قرار مشابه لقرارات واشنطن باعتبار القدس عاصمة لاسرائيل ونقل سفارتها الى المدينة المقدسة، وهو ما يؤدي الى خيبة امل غير متوقعة في واشنطن وتل ابيب.
وثالثها: ان الدبلوماسية العربية اثبتت حتى الان فعاليتها حتى لو لم تكن تستند الى القوة الغاشمة كتلك التي تمتلكها الولايات المتحدة واسرائيل، وان قوة الحق لايستهان بها ولايزال لها موقع وتاثير في عالم اليوم.
ورابعها: ان القرار الامريكي بات يفقد فعاليته القانونية والسياسية امام شبه الاجماع الدولي على عدم شرعيته وصحته وتقويضه لفرص السلام في الشرق الاوسط.
معركة القدس مازالت مستمرة وتاخذ ابعادا متعددة الجوانب والنتائج؛ والمهم ان تتواصل عملياتها لكي يتواصل ذوبان وتآكل مضمون قرارات ترمب بشأن المدينة المقدسة، حتى لو لم يتراجع عنها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش