الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

راشدونيوس ضوء في عتمة الكون

تم نشره في السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

 

د.هناء بنت علي البواب
ليس هناك مرآة لأجعلك تشاهد وجهَكَ وأنت تتحدث عن الجمال، لأن لا لغة ستنظرُ إليك لتكون من خلالها مستمتعًا جدًا، تحتاجُ جملة لتخدش صدرك، وتنهش صمتك، هم كتبوا صمتهم، وأنت وحدك ستكتب صمتك الغريب.
راشدونيوس، رجل يختصر ركض العالم سنوات ضوئية، يجمعُ سعاداته الضئيلة في جيوبٍ وهميةٍ، يبحث عن الحب كيفما يراه، هذا سر ثروته المفقودةِ في نظر الآخرين، متفرّد بوحدانية كواكب خالية من الأقمار، لأن ذكاءه أكبر من فكرة، فحمل همّ أبجديةٍ جديدة، والتزم بهدنة مع الأرقام التي يكرهها، والوقت الذي لا يحاصره بقيد معصم أو حتى عقارب ساعة حائطية، حتى أن يوم ميلاده ليس حدثًا مهمًا في الروزنامة التي تمتلئ بالهزائم والخيبات،
يطيرُ مثل شاهينٍ، ويرى الطبيعةَ أصغر مما في ذهنه، فتسقطُ  فضائلها أمام عينيه.
راشدونيوس...وحيدا في سماء لا تشبهه، جهاتها صديقة له، والأرض مأواه، والصخرة التي وُلد عليها لم تكن سوى أمه التي يعانقها كل صباح.
قلبه غابة، غابة صغيرة على طرف واد.. غابة  مثيرة وجذابة..غابة لا تثير سوى الحطابين ونقاري الخشب، الأشجار تنتمي إليه،ولا ينتمي إلاّ لذاته، وهي وطنه الأرحب، ينظر للعالم  كأشجار نحيفة أغلبها متآكل الأطراف بسبب هجوم حشرات ضارية ونقاري الخشب، بحيث تبدو كظلال لأناس مصابين بالكآبة يشرئبون بأعناقهم على المجهول.. أناس أشبه بفزاعات في حقول سنابل غير مرتبة الأرجاء بعد أن جفتها الأمطار وتخلى عنها الفلاحون.
راشدونيوس... بدمعته الساحرة وقلبه الشفاف يحمّل نفسه  مسؤولية ما يحدث بداخل هذا العالم.
راشدونيوس...هل سيحتمل قلبك مسؤولية  جشع سكان الغابة؟ هل ستكون مسؤولا عن أفعال بعض السباع الضارية التي لا تدخر جهدا في إثارة الرعب داخل سراديب الحياة، فتخيف  الأقل شأنًا منها؟ هل ستكون مسؤولا عن خبث بعض الثعالب كريهة الرائحة ذات الذيول الشبيهة بسياط جلادين متقاعدين ومتروكين في العراء تحت رحمة أنياب ندم شديد القسوة؟
هكذا أنت سترْبتُ على رؤوس الكلمات، سينزلق الإحساس من صدرك كثيفًا نحو صمتك. لحظتها سيتحول النص الصامت إلى مقاتلات بين اللغة والمعنى، سيصبح العالم بأكمله لعبة ورق، ستجلس اللغة كلها عند باب النص فاتحة صدرها لمعجزاتك.
راشدونيوس...سيكون مجيئك مزدحمًا بالفراشات، ستزرع قلبك قنديلًا في محطة الانتظار
يكفيني أنْ قرأتُك في أحْلك الليالي، وقرأتُ هبوب الريح في حكاياتك، إلى أن تخلّعت أبواب العتمة لتكون الضوء في هذا العالم.
راشدونيوس... ضحكتكَ فتحتْ للغة شراع البحر، وعزاؤك أنّ في الغيمات ماء، والأرض عطشى، مثلك لا ينسى لون الأرض المملوءة بالحرب، أنت من صيّر للغابة ضحكة، وأطلق عليها اسم موسيقى، كُنّا نشي لك بأسرار قلوبنا كل يوم، وكنتَ  تأكل كلماتنا، وترمي بذورها على طريق الفجر، وكنت تكتب مئة قصيدة ووصية للبحر، صار للسماء خصر تنبت منه النجوم، وحدث أن تركت الغابة مهمتها في حراسة لغتك، لتصير حارسها الأمين.
كلانا غارق في طين الذاكرة، كلانا يقول للحزن ابتعد قليلًا ريثما أنتهي من هذا الفرح، كلانا يعانق الحب للحياة. ولكن قلبك الرقيق قد يكون هشا، لكنه عنيد،يبقى متمسكًا بحواف الحياة الحادة، ولأن الوقت سيّاف الفرح، وقاطع رؤوس الضحكات النابتة، كان عليك أن تسبقه بخطوة.
راشدونيوس الشاعر... كتبتَ لأنك تدرك أنّ اللغة رابط دمويّ بين الغرباء، فقررت أن تكتب لهم، هؤلاء الذين الذين نثرتهم القصص والروايات والقصائد على أعتاب الحياة،
كتبتَ بقلبك حتى كنتَ في كلّ الحَكايا بطلًا ،  وكنتَ تقتُل البطل فداء لهم؛ فلأن البطولة حرب،
والكتابة حرب، والقراءة انتصار لذاتك ولنفسك، لم تدع مكانًا شاغرًا للخيال، بل تصعد الحروف من رأسك إلى فوهة أرواحنا لتُبرق فينا ضوءا، أنت الشاعر وأنت صوت الشاعر،
حين كنت واثقًا من أن لا أحد يلازمنكّ في صمتك سواك.
راشدونيوس... احمِ آمالك، خلف ظلالك، وإن حار الوجع في تكسّراته.


رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل