الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

روايـة «أحـلام الأوركيـدا» جيـل هـارب مـن واقعـه إلى البعيـد

تم نشره في الجمعة 15 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً


 د. مها القصراوي
رواية أحلام الأوركيدا للكاتبة دلندا الحسن تدخلنا في عوالم وثقافات تنم عن مرجعية ثقافية تمتلكها الكاتبة، وهي رواية تكشف عن هشاشة الواقع وضعفه، هذه الهشاشة دفعت بعض الشباب إلى البحث عن ملاذ بعيد عن مجتمعهم لتحقيق طموحهم والبعض الآخر يبحث عن علاج لأمراضه النفسية والاجتماعية والجسدية في بلاد بعيدة هاربين من واقعهم.
الأوركيدا عتبة النص ومفتاحه، هذه الزهرة التي تنمو في كل الأمكنة، بجانب النهر وفي الجبال وفي الوديان، ويمكن لهذه الزهرة أن تعيش وتنفح عبيرها أينما وجدت. وقد تماهت بطلة الرواية مع هذه الزهرة حد التوحد من خلال الاستهلال الشعري الذي بدأت به «بحثت عن نفسي...روحي محبوسة داخل زهرة الأوركيدا». هذه الزهرة هي مفتاح النص للولوج إلى عالم الشخصيات وحركتها في الزمان والمكان.
تستهل شيرين بطلة الرواية السرد بحلم ترى فيه سفينة فيكتوريا البريطانية تقترب من جزيرة امتلأت بزهرة الأوركيدا، وعلى متن السفينة تكومت مجموعات بشرية من الأصقاع كافة، وبينهم الجد أحمد هذا الفلسطيني الذي انتزع من عائلته وقريته وأرضه في فلسطين أيام الانتداب البريطاني ليقوم مع هذه المجموعات البشرية بجمع الأوركيدا من أجل الملكة، ولم يعد الجد إلى بيته وأرضه وأهله، ودفن جسده في هذه الجزيرة، لكن شيرين وهي من أحفاده تراه في منامها في وادي الأوركيدا، وهي تتماهى مع الزهرة،»أنا روح في جسد الأوركيدا على الهضبة الوسطى، حاولت جاهدة أن أنادي على الجد أحمد صاحب الكوفية، لأدله على وادي الأوكيدا في الجهة الشرقية من الجزيرة، لكنه لم يسمعني. فكرت في حيلة، فنشرت عبيري نحوه.»ص12
تنطلق شيرين من الحلم بوادي زهرة الأوركيدا في سرد حكايتها، فهي في العشرينات من العمر، تعيش مع خالتها المصابة بحالة اكتئاب وحزن بعد فقدها لزوجها، ولا تعني لها الحياة سوى الألم والحزن والانطواء.وشيرين التي فقدت عائلتها في تفجير إرهابي لأحد الفنادق في عمان عام 2005، وكانت هي الوحيدة الناجية من العائلة، هذا الإرهاب الذي دمر حياتها وسرق عائلتها وتركها على كرسي متحرك وشظايا هشمت جسدها. وبعد طول علاج وعمليات متكررة لاستخلاص الشظايا من جسدها، تتخلص من الكرسي المتحرك وتستبدله بحذاء خاص له دعامة حديدية تساعدها على المشي. وإذا تخلص جسد شيرين من الشظايا إلا أن روحها ظلت متشظية. إن هذه العملية الإرهابية ضربت حياتها وقلبتها رأسا على عقب. لقد فقدت عائلتها وخطيبها تخلى عنها بعد الحادث، حتى تخصص التربية الرياضية في الجامعة تتركه نتيجة عجزها، وبعد شفائها تقرر أن تدرس اللغة الإنجليزية واللغة الصينية.
في الاستهلال تتوحد شيرين مع الأوركيدا، هذه الزهرة التى تحتاج إلى الدفء والرطوبة، لكنها تتبرعم في الثلج وهو المستحيل، وهذا التبرعم الرمزي لزهرة الأوركيدا يحمل دلالات رمزية، وإحدى هذه الدلالات هي تجسد حالة المستحيل التي عاشها الفلسطيني نتيجة الهجرة القسرية من وطنه وجعلته يرتحل في أصقاع الأرض يبحث عن ملاذ يأويه، لكنه استطاع أن يتجاوز مأساته وكان قادرا على مواجهة الحياة والظروف القاسية وظل حاضرا في زمانه ومكانه، وشيرين هي حفيدة هذا الفلسطيني. كما يجسد هذا التبرعم الرمزي حالة البرودة والهشاشة التي تعيشها شيرين بعد انقلاب حياتها والعيش مع خالتها الغارقة في الحزن والكآبة.
تبحث شيرين عن الحب في مجتمع هش يمكن أن يحدث فيه انقلاب في أية لحظة، وتقرر من خلال صديقتها الصينية لي أن تبحث عن الحب في وادي الأوركيدا في الصين، وهذا يجسد حالة الهروب التي يعيشها الشباب في مجتمعنا العربي، فالكل هارب يبحث عن خلاصه الفردي بعيدا عن عدم الاستقرار وفقدان الأمن والأمان، يبحث عن خلاصه في بلاد بعيدة. وهذا ما فعلته شيرين، ذهبت إلى الصين تبحث عن الحب والعلاج والتشافي، لأنها في بلدها غير قادرة على التصالح مع نفسها ومحيطها الذي أورثها تشوهات جسدية ونفسية جعلتها غير قادرة على الحب، لذلك فشلت في إقامة علاقة مع تميم أو مع راشد، وكلاهما أرادا إقامة علاقة حب وزواج.
أما راشد قريب شيرين، لم يبق في بلده مع أهله، وإنما ذهب يبحث عن أحلامه في بريطانيا،» فالاغتراب ضرورة ومؤشر يرى فيه راشد مستقبله، ويرشده نحو الأفضل.»ص144 وهذا يقودني إلى تساؤل: لماذا نحن العرب لا نستطيع أن نتصالح مع ذواتنا ومجتمعنا ونبحث عن خلاص فردي، وحين نذهب إلى مجتمع بعيد نكون قادرين على التصالح مع هذا البعيد. أين يكمن الخلل؟؟؟
لم تتصالح شيرين في الرواية إلا مع الجدة أم مصطفى، هذه الجدة هي رمز الماضي بكل جماله وطيبته وصدقه، فالحاضر المشوه المتمثل في شيرين لا يجد ملجأ إلا بالعودة إلى حضن الماضي وحكاياته. ولكن إلى أي مدى يمكن للماضي الجميل أن يصمد في وجه الحاضر الهش؟؟؟
ورغم طيبة الماضي وجماله إلا أن الجدة أم مصطفى تعيش حالة ألم وحزن على فراق الأهل والدار والوطن، فهي من قرية مسكة قضاء طولكرم في فلسطين، جاء بها ابنها مصطفى إلى جبل اللويبدة في عمان بعد وفاة زوجها، في البداية رفضت الفكرة، وقد «بكت وعاندت، لم تنفع أية حيلة معها، فطلبت من فلذة روحها أن تذهب معه في زيارة فقط».ص94 وافقت أم مصطفى على زيارة أسبوعين وأخبرت الجيران والأقارب أنها لن تتأخر، وبعد أسبوعين جهزت أمتعتها تنتظر مصطفى أن ينفذ وعده ويعيدها إلى مسكة، وما زالت «أمتعتها المرهقة من العقدة المربوطة بالزمن، متهدلة القماش، مرتخية فوق صندوق خشبي، يفوح منه شذى ورد».ص94 وهي إشارة رمزية إلى حالة الانتظار التي يعيشها الفلسطيني بانتظار العودة إلى قراه ومدنه حتى صار هو أيقونة الانتظار، لا ييأس ولا يستسلم مهما طال الزمن وادلهمت المصائب عليه، سيظل ينتظر لأنه يؤمن أن جذوره هناك، وسيأتي اليوم الذي يلتئم فيه ساقه النابت في الغربة مع جذوره الصلبة المتجذرة في الأرض منذ آلاف السنين، وليست فقط أم مصطفى تنتظر بل أمتعتها كذلك تنتظر العودة.
تعيش الجدة أم مصطفى حالة الانتظار منذ كانت طفلة، فقد أخذوا أباها وهي صغيرة إلى بلاد بعيدة أيام الانتداب البريطاني ولم يعد، وكبرت الصغيرة ولم يأت الأب، هذا الأب القوي الراسخ في أرضه، صاحب البيارات في فلسطين، اُنتزع من أرضه إلى البعيد وطفلته تنتظر، كبرت الطفلة وصارت جدة وانتزعت من أرضها وما زالت تعيش حالة انتظار.
ومن يتأمل المكان في رواية أحلام الأوركيدا، يتجلى له بطلا في النص، حيث تتماهى معه الشخصيات حد التوحد. فجبل اللويبدة هو مسرح الرواية وأحد أبطالها «مساكن جبل اللويبدة كأنها مسكن واحد كبير، قبل أن تتزحزح على استحياء لتنفصل إلى منازل متتالية. لذلك فإن شوارعها ضيقة، تخشى على ساكنيها وحشة الفراق. هذه الشوارع تلتف على الجبل كأذرع أم رؤوم التفت على وليدها.»ص47
تؤنسن الكاتبة المكان وتمنحه بعدا إنسانيا، فبطلة الرواية رغم حبها للمكان والتصاقها به إلا أنها تبحث عن أحلامها في البعيد، لأن شيرين علاقتها بالمكان مرتبكة، ترى في جبل اللويبدة الألم والحزن،»نامي أيتها الحجارة بسلام، فالحزن ينمو داخل الليل، على الحناجر، تحت الأظافر، وبين العين والجفن، لأن الأحبة صاروا للردى».ص48 تحب شيرين جبل اللويبدة وعاشقة الجبل لكن السكن في البيت مع خالتها يورثها الحزن والوحدة والهروب، وهي من تقول:»البيت ساكن. لا أسكن في الفرح، ولا في الحزن. ولا أسكن مع الصمت، ولا مع الكلام. صوت واحد يقول: مسكني موت مؤجل.»ص50
 إن إحساس شيرين بالصقيع يجتاحها نتيجة الحقد على واقعها، جعلها تقرر السفر إلى الصين وهي تعتقد أنها ستجد الحب هناك، وفي الصين رأت جمال الطبيعة وسمعت قصص وأساطير تعبر عن إرث ثقافي وحضاري لهذا البلد، وزارت بيت صديقتها لي حيث التقت بالجدة الصينية التي أخذتها إلى وادي الأوركيدا، هذه الزهرة التي عشقتها في جبل اللويبدة، وعلاقتها بها تمتد إلى تاريخ بعيد، وتراها في أحلامها، فجاءت إلى الصين تبحث عن الأوركيدا والحب وتستشفي من تشوهاتها الجسدية والنفسية.
في حقل الأوركيدا في الصين حاولت أن تخلع الحذاء الطبي الذي لازمها بعد أن تشوه جسدها، والجدة الصينية تلزمها بالمشي دون هذا الحذاء، ولكن المفارقة أن شيرين التي تعشق الأوركيدا رفضت أن تذهب إلى الوادي في المرة التالية، وهنا تتساءل:»هل يعقل أنني مللت من الأوركيدا وزارني ضيف ثقيل الظل من الفتور والملل؟ هل حبي لها باق؟»ص196
جاءت شيرين إلى الصين هاربة من مكانها وزمانها وواقعها، تبحث عن مخرج تجد نفسها فيه بعد الذي أصابها، تحاول ترميم ذاتها وجسدها،»كلما مر يوم انقطع وتر من تلك الأعصاب المهترئة.»ص197
لم تتصالح شيرين مع مكانها إلا حين ذهبت إلى الصين، فقد اكتشفت بعد تجربة أنها الغريبة في المكان البعيد رغم جماله، وأن علاقتها به علاقة صماء، وأيقنت أن مكانها حيث جبل اللويبدة والجدة والخالة والأصدقاء. ففي المساء الأخير من رحلتها خرجت تائهة تمشي في بكين تحت المطر، وكأنه غسل جسدها وروحها، وجعلها تصرخ وتنادي على مكانها وزمانها،»انزلقي انزلقي أيتها القطرات الشاردة، وبدلي أوتاري بوتر رنينه يشدو بالحب.»ص198
تكتشف شيرين في المساء الأخير في الصين «أن كل هذه المباني والمحلات أمست صماء لا تطرب لصوتي، الشوارع عمياء لا تميزني من بين المارة. الأبواب موصدة. النوافذ جامدة كصخرة قاسية. لا شيء في المدينة أعرفه ويعرفني. أنا رقم مجهول لا تُفكُّ طلاسمه إلا في مكان واحد....أريد مدينتي، أريد جبل اللويبدة.»ص198 لقد خاضت شيرين تجربة اكتشاف الذات في الصين مع صديقتها الصينية وجدّتها، هذه العجوز الحكيمة حكمة الصين حاولت أن تشفي شيرين من آلامها النفسية وأحزانها، وهي من لاحظت شرود شيرين وأفكارها المبعثرة وجسدها الهش، إذ تقول شيرين وهي في الطائرة باتجاه جبل اللويبدة بعد رحلة عميقة في الصين،»قمت أصيد المشاهد والصور وأنثر فيها الحياة.....ندمت في حياتي على أمور، سرتُ خلفها بشغف وحماسة، دون إعطائها طول تفكير. عصا جدة «لي» التي أشهرتها في وجهي في حقل الأوركيدا، علمتني التأني وعدم التسرع، حتى لو كنا أمام الحب الذي نحلم به.»ص201
الحب هو المعنى العظيم الذي اكتشفته شيرين في رحلتها إلى الصين وفي تجربتها العميقة والغنية، حتى شخصية عاشقة الجبل هذه الشخصية الأسطورية التي تتجلى لها في جبل اللويبدة وتصاحبها وتأنس بوجودها وتمنحها القوة، تحولت وأصبحت شفافة ولامعة وبلورية المنظر ويفوح شذاها، وأيقنت شيرين أنه لا يمكن أن تمتلىء بالحب وتحلق روحك في فضاء سرمدي إلا حين تتصالح مع ماضيك وتطهر الروح والقلب من تجارب مؤلمة. فهل وُلدت روح شيرين من جديد بعد رحلتها إلى الصين، وهل هذه التجربة جعلتها تنظر إلى ما حولها بعمق ولا تستسلم لليأس والألم؟؟؟
جاء الفصل الأخير بعنوان «إنه الثلج» يحمل تناقضات في شخصية شيرين، فهي من قالت للجدة أم مصطفى في المستشفى بعد عودتها من الصين، إنها أصبحت فتاة جديدة وقوية وأدارت ظهرها لتميم، وقد 
اكتشفت أنها لم تكن تحبه وبدا غريبا لا تعرفه.
خرجت شيرين إلى الشارع في جبل اللويبدة هائمة على وجهها، والثلج يتطاير مثل ريش»تمتلىء به وسائد الموتى، لينثروه علينا، ليوقظوا الغفلة في قلوبنا....» ومرة أخرى تقول شيرين:»هم ينثرون لون أكفانهم علينا ليذكرونا بأنفسهم، وبحضورهم الدائم...» وفي الفصل ذاته تقول:»فلون الثلج والكفن واحد...أقف مبهورة بالكفن الأبيض الأبيض المفروش على المدى...هل حان الوقت لأمتطي جواد الموت أم بعد...طالت وقفتي هناك. كساني الكفن الثلجي.»ص207 هذا التماهي بين الثلج والموت والكفن يكشف أن شخصية شيرين ما زالت مسكونة بالوجع والألم والموت، وأن فقدها لأهلها نتيجة الإرهاب ما زال راسخا في عقلها وقلبها وروحها. لقد امتلأت بالأمل والتجدد في رحلتها إلى الصين ولكن حين عادت إلى مكانها في جبل اللويبدة عاد الحزن والألم ينفجر. فهل ما زالت شيرين مريضة بماضيها وأوجاعها حتى ترى الثلج رمز البياض والفرح هو الكفن والموت؟؟؟ 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش