الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نوافذ مشرقية من التاريخ والرحلات

تم نشره في الجمعة 15 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً


تأليف : كايد مصطفى هاشم
مراجعة : سمير أحمد الشريف
صدر هذا الكتاب ضمن اصدارات المفرق عاصمة للثقافة الأردنية في مئة وثلاثة وأربعين صفحة من القطع الكبير موزعة على خمس نوافذ ، مع تقديم وكلمة المؤلف.
دارت مادة الكتاب الذي يعتبر فتحا في بابه بالالتفات لرحلات الأعلام  من الرحالة العرب الذين زاروا المكان العربي ، وسجلوا انطباعاتهم ومشاهداتهم  ، وتحليلاتهم حوله ، على غير العادة التي رأينا فيها أوروبيون  يرتحلون لأمكنتنا ، ويكتبون حولها بما تمليه مصالحهم ، وأهداف الجهات الداعمة .
أهمية الجهد الذي بذله الأستاذ الباحث «كايد مصطفى هاشم» تمثّل في انتقائيته الواعية ، والتفاتته العميقة ،  لما يمثل كنزا في تاريخنا وثقافتنا ، مما لم يلتفت له باحث عربي من قبل ، بمثل هذه الدقة ، مؤسسا بذلك لجهود لاحقة ، تعتمد هذه المنهجية ،  وتحفر عميقا في هذا الجانب ، فتتوسع وتستخرج ما هو مدفون بين الصفحات ، مما يضئ تاريخنا المعاصر ، ولهذا  يُشار له كمؤسس لتوثيق الرحلة العربية في منطقتنا ، والملتفت لهجرة رواد بلاد الشام للعالم الجديد ، مستدركا على جهود من سبقوه في هذا الجانب .
تحت عنوان «رحلات العودة إلى الجذور»  تناول الباحث  رحلة الأعلام العرب لأوروبا ، متوقفا مع الأستاذ أحمد زكي باشا ، والأستاذ محمد كرد علي ، وجهديهما في التنقيب عن المخطوطات العربية في بلاد الغرب ، واتصالهما  بالمستشرقين ، متتبعا المراحل ، والأطوار، والمعابر ، التي مرت بها حركة انتقال ،  وتداول المخطوطات العربية لمكتبات أوروبا ، وجامعاته ، ونهم أهل الهمّة  والاهتمام منهم ، للعكوف على  مصادر ثقافتنا  ، وأهمية ذلك ، في الوقت الذي لم تجد مخطوطاتنا  غير الإهمال والتجاهل والنسيان ، حتى وصل أمرها أن تباع بأبخس الأثمان .
على الجانب المحلي ، يكفي أن نعرف أنّ السياح الأجانب صنفوا بين 1850-1903 ، ما مجموعة خمسة وتسعين كتابا حول آثار سلع والبتراء .
توقف الباحث مع رحلة الأستاذ أحمد زكي باشا / شيخ العروبة ، مشيرا أنّ كتابه «السفر إلى المؤتمر»، المطبوع سنة 1893 ، تجاوز كونه  يصف مشاهدات مؤلفه فقط ، بل اشتمل على خلاصة دراسات في علم الاجتماع  ، واللغة ، والتاريخ ، والجغرافيا ، كانت حصيلة تجوال أحمد زكي في أربعة دول أوروبية ، خلال رحلته لحضور مؤتمر المستشرقين ، في لندن ، أما الأستاذ محمد كرد علي ، فقد جمع ما كتبه عن رحلاته في كتابه «غرائب الغرب» ، في مجلدين ، طُبع للمرة الأولى سنة 1910، وخصص لرحلاته للأندلس كتابا بعنوان «غابر الأندلس وحاضرها «، وفي كتبه ، وصف محمد كرد علي حياة المجتمعات والعمران في أوروبا ، وعقد موازنات بين الغرب والشرق ، واصفا تقدم الغرب وأسبابه .
تستوقفنا رحلة شيخ العروبة ، أحمد زكي باشا ،  للمسجد الأقصى ، لما تشكله من فرادة ، في رحلات العلماء والأدباء ، في العصر الحديث ، تولاها علم من أعلام نهضتنا الفكرية والأدبية ،  في العالم العربي ، زيادة على طرافة أسلوبه في الوصف ، وغرابة المحاولة ، وهو يدلف أبواب الستين ، للوصول لأعلى نقطة فوق المسجد الأقصى ، وذلك بهدف سام تمثّل في تنبيه العرب والمسلمين ، وفي وقت مبكر ،لإخطار تترصد فلسطين  ومقدساتها ، بعد صدور وعد بلفور ، وتدفق أشتات المهاجرين اليهود من أصقاع الدنيا لأرضنا المقدسة ، حيث كان توقيت الرحلة عام1922، هذا الرجل العلم الذي ارتبطت فلسطين بوجدانه ، ونذر عمره وجهده للدفاع عن قضاياها ، والتأكيد على عروبتها ، فكان  من أوائل المنافحين  عن حقوقنا التاريخية والروحية فيها ، وقد شارك ، منتدبا من الرابطة الشرقية بالتحقيق التاريخي المؤيد بالبراهين ، أمام اللجنة التي انتدبتها عصبة الأمم سنة 1930 ، فكان حصيلة ذلك كتاب هام موثق باللغة الفرنسية .
سجّلت سيرة الرجل أن أول رحلاته كانت لبلاد الشام سنة 1908 للتحضير لبعض محاضراته عن تاريخ الحضارة الإسلامية ، وكان من طلابه آنذاك « طه حسين وزكي مبارك»، و قد  صدرت محاضراته لاحقا في كتاب « الحضارة الإسلامية « .
زار صيدا في رحلته مطلعا على آثارها الإسلامية  ، باحثا عن مخطوط   « نهاية الأرب في فنون الأدب « للنويري ، ثم زيارته للقدس والشام خمس مرات ، كان ثالثها سنة 1923 ، وفيها  عاد ، وبحوزته القسم الخاص بالمسجد الأقصى  من مخطوط الموسوعة الجغرافية « مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل العمري ، إلا أن رحلته الأخيرة سنة 1931 تكتسب أهمية سياسية تاريخية ، لأنها  جاءت على خلفية النزاع العربي الإسلامي اليهودي ، على الجدار الغربي للمسجد الأقصى ، وكان  الرجل إذ ذاك عضو الوفد العربي المصري ، الذي جاء مع غيره من الوفود العربية والإسلامية ، دفاعا عن ملكية المسلمين لحائط البراق ، حيث تولى أحمد زكي باشا الدفاع ، من جانبه التاريخي ، أمام اللجنة ، بلغة فرنسية فصيحة ،  وحقائق تاريخية دامغة ، وبيان توثيقي ناصع ، ما عُدّ في حينه  وثيقة تاريخية ، وإن لم تُترجم حتى الآن مع بالغ الأسف.
عند الوقوف على رحلة شيخ العروبة ،  أحمد زكي باشا للمسجد الأقصى ، يستوقفنا قوله ، مُعقبا على الآية الكريمة « سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى» الأسراء 17،  قوله « وأما المسجد الأقصى فهو مكان الهيكل السليماني بما فيه الصخرة المشرفة بمدينة القدس ، فقد كان عند نزول هذه الآية خرابا تولاه العفاء ، فأضحى خلاء في خواء « ص 56 ، وهذا فنده  ورد عليه ، الباحث العربي فاضل الربيعي في كتابه  الذي كرّسه لدحض فرية وجود الهيكل في القدس ، و أثبت بالحقائق التاريخية والرجوع للمصادر باللغتين العربية والعبرية ،  ونصوص التوراة  ، وحقائق الجغرافيا ، وجود الهيكل في نجران ، كما ورد مفصلا في كتابه القيّم « القدس ليست أورشليم / مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين « والصادر عن دار الريس 2010 ، وقد التقى بما وصل إليه من الباحث العربي الدكتور كمال الصليبي ، في كتابة «التوراة جاءت من جزيرة العرب « .
ومن الرحلات العربية ، الخاصة بشرق الأردن قبل الحرب الكونية الأولى ، تقف رحلة الأستاذ محمد كرد علي مثالا على أن  كتابات الرحالة العرب في بلادهم ، أوثق اتصالا بالبيئة المحلية ، والأقرب لفهم مكوناتها ، وتفسير ظواهرها ،  وإدراك روحها ، خاصة ، وقد عُرف عن الرحلات الغربية ارتباطها بأهداف سياسية  ، استعمارية ،  توسعية ،  وربما كانت تمهيدا للاستعمار ، وإن وجدت حالات فردية ، خرجت عن الطوق  ،هدفها محض العلم ، واكتساب الخبرة  ، وتجريب المغامرة .
 تأتي أهمية كتابات الرحالة العرب  ، لندرتها ، وصعوبة تداولها ،  والوصول لها ، وضياعها بين المجلات والصحف ،  أو في خزائن المخطوطات والوثائق ، ناهيك عن عدم  وجود كتب خاصة بأقلام عربية ، ترتبط بتاريخ الأردن قبل تأسيس الإمارة ، عدا كتاب بولس يعقوب سلمان «خمسة أعوام في شرقي الأردن» ، والذي كتب فصوله قبل الحرب الكونية الأولى ونشرته مجلة «المشرق» على  حلقات  وصدر لاحقا سنة 1929 .
تتضح  أهمية رحلة محمد كرد علي  ، أنها جاءت ضمن تحولات اجتماعية ، اقتصادية ، وثقافية ، كالتحول من البداوة إلى الاستقرار ، وظهور الصبغة الحضرية في كل من السلط وعمان ، وزيادة النشاط التجاري  والزراعي ، بوجود الخط الحديدي الحجازي ، الذي ساهم في زيادة التواصل بين أجزاء شرقي الأردن ، والانفتاح على المناطق العربية المجاورة ، كشمال سوريا  وفلسطين .
مما يلفت في رحلة محمد كرد علي ، أنها أكثر تفصيلا من غيرها من الرحلات ، وتغطيتها منطقة جغرافية أكثر اتساعا .
تمتاز كتابة محمد كرد علي أنها لم تقتصر على المشاهدات ونقل الانطباعات ، بل لوّن الكاتب  نصوصه بروح المؤرخ ، والمصلح  الاجتماعي ، فوقف على فوائد سكة الحديد ، وإيجابيات وجودها ، ومدى  مساهمتها بالارتقاء بالعمران ،  وازدهار  الاقتصاد ، و توقف مع أحوال البادية الأردنية  ، وأوضاع ساكنيها ، ووسائل تحسين معايشهم ،  والوقوف على آثار شرقيّ الأردن ،  وتواريخ مواقعه ، وأهمية الموقع الجغرافي الاستراتيجي ، المتمثل بوجود طرق مواصلات رئيسة ، يحضر ضمن هذا السياق اهتمام محمد كرد علي بشرقي الأردن  وآثارها وما نشره من مقالات في صحيفة «المقتبس» وتناوله للكرك وتاريخها وآثارها ، والبتراء  وعمّان وجرش وسكة الحديد ، والطريق للمدينة المنورة ، وكل ذلك قبل قيامه برحلته ، ومما ذكره عن السلط مثالا: أن اسمها مشتق من اللفظ اللاتيني «سالتوس» وتعني الجبال المثمرة ، وكانت مدينة أسقفية في العهد المسيحي ، دكّ المغول قلعتها ، ثم أعاد الظاهر بيبرس بناءها ، وعرفت بطيب مناخها ، وكثافة زراعتها المثمرة ، واشتغال أهلها في زراعتهم بالكروم خاصة ، وأن ما كان يباع من زبيب كرومها آنذاك سنويا ، يقدّر بخمسة عشر ألف ليرة ، وكانت قضائيا تتبع لنابلس ، وتجاوز عدد قاطنيها عند زيارته ستة عشر ألف نسمة ، مشيرا لوجود مشروع استثمار للفوسفات في ذلك الوقت ، في جبل السرو قرب السلط ، ولعله يقصد الفحيص ، وقد جاءت كتاباته راصدة توثيقية موضوعية يكتنفها النفس التحليلي.
كل الشكر لجهود الأستاذ ، الباحث ، الأديب ،  كايد هاشم ، الذي أزال بعمله هذا ،غبار النسيان ، عن أعلام وتاريخ ، حقبة رئيسة من تاريخنا ، وبذلك نبهنا لضرورة العودة لهذا التاريخ ، منقبين ، متوسعين بالبحث والقراءة ، التي تضيء تاريخنا الحديث ، سواء ما يتعلق بأعلام الكرك في بيت المقدس أو رحلات الأردنيين الرواد لأمريكا .
نوافذ مشرقية من التاريخ والرحلات تأليف : كايد مصطفى هاشم/ منشورات وزارة الثقافة ،المفرق عاصمة الثقافة ،2017

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش