الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأردن سندكم لا تخذلوه فتندموا

تم نشره في الاثنين 11 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً

بشار جرار- واشنطن
أكثر ما يدهش راصد ردود الأفعال العربية - الأهلية منها والرسمية – هو ذلك الإصرار على الاستجرار لا بل وفرض الانحدار المضطرد في بعض منها إلى ليس مجرد تكرار الخطأ فقط، وإنما استفحال مظاهره واستحالة تصويبه دون “خراب البصرة”.
من المحزن أن تتسم غالبية ردود الأفعال تلك –بصرف النظر عن موضوعها– بالانفعالية واللامعقولية وفي بعض الأحيان العدمية.
في بحر أقل من أسبوعين، تناقلت وكالات الأنباء العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي اربعة أخبار “عاجلة”: اعتداء داعش على مسجد الروضة في سيناء، اغتيال الحوثيين الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، رفع الدعم عن الخبز في الأردن، وقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوفاء بوعده الانتخابي وإبطال تعطيل ثلاثة رؤساء سابقين (الديموقراطيين كلينتون وأوباما والجمهوري جورج بوش الإبن) قرار الكونغرس بالأغلبية الساحقة الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل تنقل إليها السفارة الأميركية من تل أبيب.
في مسألة جريمة داعش النكراء بحق مسجد “الصوفيين”، كان من اللافت تكليف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وبشكل علني و”مفاجئ” الفريق حجازي بصفته وزيرا للدفاع مسؤولية تأمين سيناء بالكامل والقضاء على الإرهاب فيها في مهلة أقصاها ثلاثة أشهر.
تمر الأيام، ويتم اغتيال صالح، “فالراقصون على رؤوس الأفاعي” كثر، ليس صالح أول الراقصين ولا آخرهم. 
في خضم هذه الأحداث تأتي مسألة الخبز ودعمه -في جملة لائحة تطول وتطول من الدعم- يرعد ويزبد الكثيرون فيما يجوز ولا يجوز بحق المواطن أو لعله الناخب بين داع إلى إسقاط الحكومة وداع إلى تعجيز وطن بأسره لا حكومة بعينها في حقيقة الأمر. الغيرة على المصلحة العامة واستقلال القرار والسيادة الوطنية أمر دونه الرقاب ولكن يا جماعة الخير، هل تحل المماطلة والتسويف مشكلة؟ هل ترحيل الأزمات للحكومة المقبلة يريح الوطن من تبعاتها؟
تكتمل حلقات الأزمة وتشتد بموضوع القدس، وفي مقدمة المتأثرين لا المزايدين يقف الفلسطينيون والأردنيون، المسلمون والمسيحيون. ومرة أخرى، تشعر وأنت تتابع الحدث وردود أفعاله بمرارة إصرار البعض على تكرار أخطاء الماضي التي ما زالت توصلنا إلى المزيد من الأحداث التي لا ترضينا في مرحلة، فنترحم على أيامها في مرحلة أخرى.
 الصورة الجميلة المفخرة كانت بتلاحم القيادة والشعب وتناغم مؤسسات الدولة في الحس الوطني العالي بالتعامل مع ملفات غاية في الحساسية كقضية القدس وعملية السلام وصداقتنا المؤسسية الراسخة مع الولايات المتحدة، الجميع تعامل مع الموقف بانضباط يرفع الرأس من حيث تقديره لرؤية سيدنا عبدالله الثاني ابن الحسين ودوره القيادي في أخذ زمام المبادرة وقيادتنا جميعا إلى شط الأمان. 
سيدنا عبدالله الأول كان أكثر الناس إدراكا لطبيعة القرار وإحساسا بتبعاته، فسميّ شهيد الأقصى. وارث اسمه ومهامه وتاجه، يعلم تماما حجم الأمانة، ليت العرب والمسلمين لا يخذلونه كما خذلوا عبدالله الأول والحسين الأول ومن قبل فيصل الأول في سورية وفيصل الثاني في العراق والشريف الحسين بن عليّ سيد أحرار العرب ومفجر ثورتهم ضد تركيا العثمانية.
إن والينا وأحببنا حقا الهواشم والأردن وفلسطين والعراق وسورية، نحن مطالبون باعتماد الحكمة والحنكة والرحمة والأناة، شيم وقيم ورثوها كابرا عن كابر. وقد قالت العرب “الناس على دين ملوكهم”. فماذا لو جربنا ولو مرة، البعد عن الانفعالية وتفاعلنا مع الأحداث بتروّ. لندع مرة ذوي الاختصاص ينظرون في الأمر ويتدبّرون الأصلح والأصح.
لم يكن اختياري لتلك الأخبار اختيارا اعتباطيا، فما أردت قوله، إن الأردن حريّ بأن يتعامل مع القرار والجهة الصادرة عنه انطلاقا من القاعدة ذاتها، ألا وهي الأردن أولا. وهكذا بالنسبة للفلسطينيين، لا بد أن ينطلقوا من مقولة فلسطين أولا – آن لهم ولنا أن ندع جانبا أو “ندّخر” لاحقا الأخوة العرب والمسلمين والمسيحيين في العالم. مع احترامنا الكبير لصدق مشاعر غالبيتهم، إلا أن الخبرة المتواضعة على مدى ثلاثين عاما في ثلاث قارات دلت على أن العالم لا يقيم وزنا لكل تلك الشعارات الطنانة. فعند الحاجة؛ الأمور لا تقاس إلا من زاوية الأولويات الوطنية والمصالح الواضحة وهي بطبيعة الحال دائمة التغير والتطور.
لست أرى في مسألة القدس ومن قبلها الخبز، كأردني سوى استهداف أو على الأقل خذلان لبلادي من قبل القريب قبل البعيد.
الشهر الماضي كانت ذكرى الشهيد وصفي، فللنظر بيننا في كثيرين من أمثاله، عرفوا مبكرا ان سر قوة الأردن والأردنيين هو الاعتماد على الذات لا غير. إن زرعنا سهولنا بقمحنا وحرثناها لو بأظافرنا سيتغير الحال وحينئذ فقط يكون لكل حادث حديث..
وكما يقول تراثنا البدوي: “أول القول ذكر الله .. والشياطين نخزيها ..” المرحلة بحاجة إلى “ثورة بيضاء” فرسانها من المؤمنين بمقولة الأردن أولا قبل أن تصاغ شعارا يكتفي البعض بارتدائه في المناسبات. لنبدأ بتعزيز الولاء للدولة وللعرش ليس بالشعارات وإنما العمل الملموس. إن خذلنا الأشقاء سرا، نأمل برئيس وزراء - شرس قوي الحجة- يخرج بالحق للناس فيصارحهم بأننا وحدنا. هناك وزارات بأكملها لا مجرد مؤسسات بحاجة للشطب أو إعادة الهيكلة. لعل من بينها، كدفعة أولى إلغاء وزارتي الأوقاف والثقافة. حتى مجلس النواب مع خالص المحبة والتقدير، قد يكون من المناسب النظر . في العودة الى صيغة المجلس الوطني  الاستشاري كالذي كان في الثمانينيات من القرن الماضي، ولو على نحو مؤقت أو مواز، دون تعطيل المؤسسات الديموقراطية التمثيلية الحقيقية لمصالح المواطنين وتياراتهم بما فيها المجالس البلدية ومجالس الحكم اللامركزي.
أما الآخر، خارج البيت الأردني، فعليه أن يفهم لغة جديدة لا تناقض طيبة النشامى وطبائعهم. على الآخرين، الأشقاء في العالمين العربي والإسلامي، والأصدقاء والحلفاء الذين ما انفكوا يعبرون عن تقديرهم لقيادتنا وبلادنا وجيشنا وأمننا، عليهم أن يفهموا أننا ما عدنا نطيق لا اللف والدوران ولا الخذلان. الأردن صبور حليم كظيم لكنه أيضا حرّ لا يضام، فحذار من غضبة الحليم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش