الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سؤال الحكم وجدلية الواقع

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً


د. عصر محمد النصر

ما زالت المفاهيم تمثل جدلا في واقع الناس منذ بدء الخليقة، فهي مظهر من مظاهر اختلافهم، وصورة من صور حركتهم، حيث يرى كل طرف فيها شرعية له، ومن جانب آخر، يمثل الوقوف على حدود هذه المفاهيم وفهم معانيها مفتاحا لفهم الواقع ومعرفة ما فيه، ومن هذه المفاهيم مفهوم الحكم وحدوده في واقع الناس اليوم، فسؤال الحكم من الأسئلة المهمة فهي تعبر عن امتزاج الثقافات واختلافها، ومن الجدير بالذكر التنبيه على أن لهذا الواقع وما فيه من تناقضات مقدمات متعددة تتجاوز علوم كثير من الناس ومعارفهم، فلا يحسن بعد ذلك الدخول في جدل المفاهيم من غير إدراك لمعانيها، وحدود تطبيقها في الوقع، أو الكلام فيها ببداهة الرأي.
ينطلق سؤال الحكم من ضرورة إنسانية تتمثل باجتماع الناس، فهي ضرورة وأساس في وجودهم، لا تنتظم أحوالهم إلا به، وقد شهد التأريخ أنواعا من الحكم والسياسة، تنحصر في طريقين أثنين : السياسة العقلية والشرعية، وقد ظهر تطبيقهما في صور من الحكم متعددة، وقد مثل اجتماع الناس وحفظهم واجتماع كلمتهم أهم المقاصد، وخلف هذا المقصد غابت أسئلة تتعلق بصورة الحكم، فكان الحكم يتعلق بالأقوى صحاب السيادة، وهو أشهر أنواع الأنظمة عبر التأريخ.
مقاربة تأريخية : كانت بداية هذه الأمة بسياسة النبوة، فكانت سياسة شرعية تهتدي بنور الوحي، ثم كانت بعد ذلك سياسة على منهاج النبوة، فكانت سياسة الدنيا بالدين، غابت خلفها كثير من نوازع النفوس وآفاتها، وهي أرفع أنواع الحكم وأولاها، ثم تغيرت أحوال الناس تغيرا ذهب بأهم صفات الحكم، وهي خلافة النبوة، وأصل ذلك علاقة مسمى الحكم بأحوال الناس، وما في ذلك من تأثير متبادل، فكان لقطرات الدم الطاهر أثر وأي أثر، فانتقلت الأمة من خلافة على منهاج النبوة إلى ملك، ومن تأمل التأريخ رأى تعدد أحوال الملك، كل ذلك على حسب قرب هذا الملك من ميزان الشرع والعمل به، وقد اعتبر فقهاء الإسلام صور الحكم وطرائقه التي مرّت بها الأمة عبر تأريخها، ودونوا ذلك في المنظومة الفقهية، وبينوا المشروع منها وما هو في حكم الضرورة، وقد اعتبروا في ذلك المقاصد العامة للحكم، وما يترتب على ذلك من حفظ للضروريات، وقد بقي عنصر القوة هو الأظهر في إدارة شؤون الحكم، حيث غلب البعد السياسي على سائر شؤون الدولة، وبالعودة إلى سؤال الحكم، فقد بقي خاليا من محددات جديدة إلا ما يتعلق بتحقيق الشرع، وقد عزز ذلك تشابه أحوال الناس حتى قبل ظهور الأمة كما في الحضارات القديمة.
نشوء سؤال الاستبداد : كان معنى الاستبداد قائم في الأمة، وقد ظهر في وقت مبكر، إلا أنه غاب في فكر فقهاء الإسلام لصالح غيره، حيث رأوا غيره أولى منه، وكما تقدم فهذا يمثل ثقافة سائدة في الأمم من قبل، ولما كان هذا السؤال يعبر ابتداء عن ثقافة ومن وراء ذلك حركة مجتمعية، طرأ تغير في مراتب الأسئلة، فقدم سؤال الاستبداد وعلت أصوات من ينادي بذلك، حيث ظهر في أواخر الدولة العثمانية على أيدي بعض العلماء، ومن أشهرهم عبد الرحمن الكواكبي رحمه الله كما في كتابه المشهور :” طبائع الاستبداد “، حيث مثل مرجعا ملهما فيما بعد، مع الأخذ بعين الاعتبار ظهور ثقافة جديدة أتت من الغرب قد يكون لها اثر في ظهور هذه النزعة، وكيفما كان من أمر، فإن ثقافة جديدة قد ظهرت وبدأت تنتشر على حساب ثقافة موروثة، حتى أصبحت بعد ذلك هي الثقافة السائدة لدى النخب الفكرية والعلمية في عدد من البلدان العربية والإسلامية، وقد عزز هذا دخول الاستعمار والامتزاج الثقافي مع الغرب ومنظومته الفكرية، ومن تلك اللحظة تعددت الأسئلة في ساحة الأمة، وظهر الاختلاف بين ثقافتين، فكان من نتائج ذلك التنازع على الشرعية في كثير من الأحيان، وإن كان هذا السؤال غير منفرد في الواقع إلا أن له أثرا كبيرا في اتفاق الناس واختلافهم.
إمكانية الحل : مثل الربيع العربي امتحانا ثقافيا عصف بالمنطقة، ظهر معه قدر كبير من الاختلاف والتباين بين مكونات المجتمع العربي والإسلامي، وقد كانت أثاره خارج التصور الممكن ابتداء، وفي ظل الوضع القائم لا تظهر بوادر مثالية للحل وتخفيف التوتر بين مكونات المجتمع، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار صعود الثقافة الغربية وعولمة المفاهيم، وما لذلك من أثر في صياغة الأفكار وانتشارها، فضلا عن تقديم نماذج ناجحة في الحكم والسياسة، ومن جانب آخر، اهتزاز الشرعية الدينية وحصول النزاع فيها لدى طائفة من الناس، مما جعل سؤال المشروعية محل نظر، ومما يعزز ما تقدم أن تصورات القوى الصاعدة تشكلت وفق أدبيات مختلفة عن الموروث السائد، كما أنها تجعل من سؤال الاستبداد أولوية لها، قد تصل في بعض الأحيان إلى المبالغة في الطرح، وإنما يكون الحل اليوم في ظل الوضع الشائك؛ بالسعي نحو تعزيز المشروعية في الحكم، ومن جهة أخرى تنويع المهام وتوزيع السلطات بحيث يتبدد معنى الاستبداد وتزول مظاهره لحساب الشراكة والتعاون.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل