الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

زيد بن ثابت: مدير كلية الألسن

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً



 إبراهيم العسعس

لو كان هناك دار للألسن، لكان زيدً رضي الله عنه مديرها، بل لو كان هناك وزارة للتعليم العالي لكان رضي الله عنه وزيرها. ولا عجب في ذلك فهو كما وصفه المؤرخون: شيخ المقرئين، وشيخ الفرضييِّن، ومفتي المدينة، وكاتب الوحي، وأحد الأذكياء، ثم هو بعد ذلك كله، وقبل ذلك كله: ترجمان الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قال رضي الله عنه: “أُتي بي النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَقْدمَهُ المدينة، فقيل: هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه فأعجبه ذلك فقال: “تعلم كتاب يهود فإني ما آمنهم على كتابي “ففعلت فما مضى لي نصف شهر حتى حَذقته، فكنت أكتب إليهم، وإذا كتبوا قرأت له”.
كان له رضي الله عنه من العمر وقتها إحدى عشرة سنة! وقد لفت انتباه النبي صلى الله عليه وسلم فوجهه إلى دراسة أكثر من لغة كما ذكر أهل السير، كان صلى الله عليه وسلم يبني وقتها مجتمعاً جديداً، قائماً على التخصص. وقد صاحب زيدٌ رضي الله عنه العلمَ منذ ذلك الوقت، وعُرف به، وعلى ذلك بقي عهدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والراشدين من بعده صلوات ربي وسلامه عليه.
وإنَّ لزيد رضي الله عنه في عنق كلِّ مسلم حقاً ودعوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فزيد رضي الله عنه هو الذي جمع القرآن، فلا تـنس وأنت تنظر في القرآن أن تذكر زيداً فتدعو له دعوة من قلبك تبلغ بها رضى ربك، ولعلك بها تصحبه في الجنة.
لم يكن اختيار أبي يكر وعمر لزيد رضي الله عنهم ضربة حظٍ، بل عن إدراك وقصد، فهو وزير التعليم العالي، وهو الموفق، وهو الخبير، وهو ـ وهذا هو الأهم ـ صاحب المنهج القادر على تنفيذ هذه المهمة الخطيرة. وجملة “جمع زيد القرآن”، لا ينبغي أن تمرَّ مروراً عابراً، فتفهم وكأنها عملية آلية قامت على الجمع والضم، واعتمدت على حافظة زيد، بل لقد وضع زيد رضي الله عنه منهجاً، واعتمد تقنية عالية، لضبط عملية الجمع، وتوثيق الآيات ... إلى هنا وأكتفي بهذه المقدمة، فزيد رضي الله عنه ليس هو موضوع المقال، ولكنها لفتات سريعة عن حركة المجتمع المدني ـ وصفاً ولقباً ـ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والراشدين رضوان الله عليهم، كي تكون توطئة نعود إليها عندما ندخل في موضوعنا .
أما موضوع المقال، فهو عن تحديد العالم الذي تستغفر له الملائكة في سمائها، والحيتان في بحورها، والذي يسمى كبيراً في السماء. والداعي إلى طرق هذا الموضوع، اتصال جاءني من أخٍ حبيب، يشكو به من ملاحقة بعض المشايخ له، وإصرارهم عليه بأنَّ ما يسعى فيه من طلبٍ للعلوم الإدارية والإستراتيجية وغيرها مما يدخل في بابها، والتي من خلالها يمكن خدمة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتوظيف ذلك لمصلحة الأمة المسلمة؛ إصرارهم بأنَّ كل ذلك لا يدخله في دائرة العلماء، ولا يجعله ممن أثنى عليهم اللهُ ورسولُه صلوات الله عليه وسلم، فالعالم عندهم هو دارس العقيدة، والتفسير، والفقه، وغيرها من علوم الشريعة، نعم هم يقولون بأنه يحصل على الأجر والمثوبة، ولكنه ليس من العلماء المقصودين في النصوص.
وأدرك بأنَّ مثل هذه المقالات ليست محلاً للتطويل في سرد الأدلة، أو التكثير من التفريع، بل تكفي الإشارة، والاختصار بالعبارة، ومن يريد الاستزادة فعليه بمراجعة المسائل في مظانِّها، وحسبنا التنبيه والإثارة، لذلك سأكتفي بالإشارة إلى آية، وقاعدةٍ أصولية، وعودةٍ إلى زيد رضي الله عنه:
أما الآية، فهي قوله تعالى: “ألم ترَ أنَّ اللهَ أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمراتٍ مُختلفاً ألوانُها، ومن الجبال جُـدَدٌ بيضٌ وحُـمْرٌ مُختلف ألوانُها وغرابيبُ سُود * ومن النَّاس والدوابِّ والأنعام مُختـلفٌ ألوانـُه كذلك، إنَّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ. إنَّ الله عزيزٌ غفور *” (فاطر: 27، 28).
العلماء في الآية هم دارسوا علوم الأرض، وعلوم الإنسان، وعلوم الأجناس، وعلوم الحيوان، وعلوم النبات، وهؤلاء هم الذين يخشون الله ـ وهذا ليس بالطبع نفياً للخشية عن غيرهم ـ لأنهم يرون عظيم خلق الله في الأنفس وفي الآفاق. وهؤلاء علماء:
ـ لأنهم يرشدون الخلق إلى بارئهم، بكشف أسرار الوجود لهم.
ـ ولأنهم يكشفون بعلومهم صدق القرآن العزيز، قال الله تعالى: “سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ..”، أي القرآن، فهل يقال بعد ذلك إنَّ دارسي هذه العلوم ليسوا ممن عنتهم النصوص؟! إن هؤلاء يفسرون كتاب الله بكشف آيات الكون ومطابقتها مع كلام الله تعالى، كما يفسر الفقيه آيات الأحكام. ألا نشعر ونحن نستمع للدكتور زغلول النجار، وهو يفسر الآيات الكونية بأننا أقرب إلى الله تعالى، تماماً كما نشعر بذلك ونحن نستمع لواعظ، وهو يذكرنا بأهوال يوم القيامة مثلاً؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: العلماء: الذين يعلمون أنَّ الله على كل شيء قدير. ولا ريب في أنًّ هؤلاء أكثر الناس علماً بقدرة الله تعالى على كل شيء.
وأما القاعدة الأصولية، فهي أنه إذا كانت هذه العلوم مما يرشد إلى الله تعالى، ومما تقوم بها حياة الناس تحقيقاً لعمارة الأرض التي أمر الله تعالى بها، فهي من العلوم المطلوبة وصاحبها عدى عن كونه مأجوراً، هو ممن ينطبق عليهم لقب العلماء الوارد في النصوص.
إنَّ طلب هذه العلوم لا يدخل تحت قاعدة: “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، بل هي واجبة بذاتها على الكفاية، وقد تكون واجبة على العين على من يشعر بنفسه الكفاية والقدرة على إتقانها، كصديقي الحبيب الذي سألني حفظه الله سبحانه وتعالى. إن طالب هذه العلوم تستغفر له حيتان البحار والمحيطات وهو يغدو ويروح طلباً للعلم.
أما العودة إلى زيد رضي الله عن زيد، كلما أمسك مسلم بكتاب الله، وكلما قرأ قاري كلام الله، فقد قرأتم ما فعله زيد، وعرفتم علوم زيد، لا أعني علومه بالقرآن أو بالفرائض ـ يعني المواريث ـ بل أعني علمَه باللغات، وعلمه بتقنيات التوثيق وضبط النَّصِّ، وحكمته التي أخذها عن الحبيب صلى الله عليه وسلم كل هذه علوم تعب زيد في تحصيلها، واجتهد في توظيفها خدمة للكتاب والسنة، وبناءً لصرح الأمة، فلا أظن والحالة هذه إلا أنًّ كلَّ مخلوقات الله تستغفر له، بل وتُلحُّ في الاستغفار.
إنَّ الفاصل هنا هو نية الإنسان لا ما يدرس، هل يطلب ما يطلب في سبيل غاية عظيمة أم يطلبها لبطنه وشهواته؟ ورب شيخ قابع في المحراب تسعر به النيران قبل الخلق أجمعين! ورب خبير في معمل يشتغل على تركيب كيميائي يسبق إلى الجنان. ورب مفكر ـ كصاحبي ـ يعكف على آية يفتق منها معنى لم يخطر على بال أحد، يستخدم في ذلك علوماً وتقنيات درسها، يكون من أهل القبول والمغفرة. ... والفيصل: النية.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل