الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إبيستمولوجيا الشعر في ديوان «ممحاة العطر» لمحمد العامري

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

* د. هناء البواب
(ممحاة العطر) بشكله الشعري وجنسه وبانتماء نصوصه إلى قصيدة النثر باعتبارها الكفيل بالفعل الشعري الحر والتحليق بالفكر والذهن في عوالم الخيال دون قيد، عماده عشق اللغة  والسعي إلى الارتقاء بها في سياق تعبيري يجافي المألوف ويحلق في عوالم الإبداع بقصد بث وعي ثوري بتغيير  واقع ينبعث ناتئا حادا.

القراءة في أسطر الممحاة تبعث على الرعب وتُعّمق الغربة و تصلنا بذات شاعرمرهقة حد التفتت والتلاشي، يحاول أن يلتقط تفاصيله التي تؤرقها ويزج بها في أحبولة القلق والتوتر ثم يندغم في الصراع ويشكل مأساويته ولكنها ذات واعية تظل طيلة رحلة العذابات تلك واعية وعيا دراميا عنيفا بوطأة الواقع وهوله ..لكنها حاضرة حضورا كليا في تفاصيل عالمه كابوسا مفزعا يكسب القصائد تفردا على مستوى الرؤى والتجلي..
هذه الواجهة التي يستحدثها الشاعر يمكن أن تحجب ما وراء النص النثري المنفتح على الشعر عنده، أي الطبيعة الشكلانية التي تقرأها في نصوصه حين تنبعث منها رائحة الطبيعة التي تقودك للبحث عن معان منفردة لتلك الألفاظ التي يستخدمها (العامري) فهو غالبا ما تستحوذ عليه المهارة فيستضعف قواه الروحية مع الأيام وتتحول الى قوى عضلية.
يحاول أن يجترح كلمات تبدو منطقية وغيورة على القيمة الشعرية، إلا أنها تعكس اشكالية على درجة من الأهمية في الكتابة النقدية عن الشعر العربي الحديث، فخطابه من الخطابات الذكية التي تتكئ على أساس تقويض مدلول الموضوع والحلول مكانه، انصرافاً عن النص ذاته. إنه خطاب من النمط السجالي الذي يحتل مكاناً واسعاً في المتن النقدي. فخطابه مضاد لخطاب الشعراء، فعلى عكس الشاعر الذي يغيب ذاته وزمانه الحاضر، هو يتحدث في نصوصه بصيغة المتكلم والسامع من التجربة المراد نقلها، ولذلك يتكيْ أحياناً على حديث بيني مع الأرض، فيما يشبه التنادم الذي يجيده بالنظر إلى خبرته الطويلة بالحداثة الشعرية، وتورطه حتى بإصدار بعض بياناتها التي تنبيء عن تعلقه بتلك الأرض.
وربما اعتمد هذا التداعي الكتابي الحر، ليؤكد على التفاعل الدائم بين (أناه) كمتكلم و(أنت) كمتلق في أفق مكاني وزماني مشترك، فجاء حضوره كمتكلم لتقليص المسافة بينه كقائل والخطاب في درجة الصفر، بالإضافة إلى حرصه على إظهار انفصال الشاعر عن مضمون رسالته واخلاله بمتطلبات الجماعة، أو رسم مسافة تظهر عدم تطابق الشاعر مع النماذج العليا التي يعرفها الأدب العربي قديما وحديثا، كما يذهب إلى إنشاء نص مواز خارج القصيدة المراد نقدها باعتبار ان طبيعة خطابه تكمن في وضع قيمة موجبة مقابل قيمة سلبية، تظهرها نصوص تهتك الحدود بين الأجناس :الشعر والنثر ليدرج ضمن تصورات ثائرة على الواقع والفن.
 بهذا ينشئ عالمه بأناغيم  أبجدية تنهض من  ركام الذاكرة  وفوضى الأشياء لتعج وتضج في عالم فاجع لتؤسس كيانها وخصوصية ذاتها التي تنبع من خصوصية قولها وتقدم تشكيلا جديدا للعالم والأشياء ينفصل عن الواقع ويفتح آفاقا واحتمالات للقراءة وتعدد المدلولات ..
فلم تكن اللغة المستخدمة في سياق الطبيعة المتحركة كما نتتبعها في ديوان العامري  قائمة على المعاني ذات المعاني المباشرة، وإنما نجد أن الشاعر قد قام باستخدام ألفاظ حاول من خلالها تحفيز الفكر المتلقي إلى أن يسبر آفاق ومشارف النص الشعري؛ وتبين معانيه وأفكاره المُرامة من قبل الشاعر.
هذه الألفاظ التي تملأ النصَّ حركةً، (كالهشير، الغيم...وغيرها) تجعل من النص مكانا رحبا ومنسابًا نحو اللامحدود من المعنى، واللامحدود من الفكر والتفكير في نطاق كيفية خلق هذه الحركة في نطاق القصيدة الواحدة.
فالطبيعة المتحركة على ذلك تحاول عن طريق الشاعر وشعره أن تسبر أغوار السكون الفكري والتحليق به نحو طبيعة مفعمة بالحيوية والنشاط المفعمين في خلق البنية الداخلية والخارجية للمعنى النصي. إنها تجعل من النص الواحد نصا متعددا، أو بصياغة أخرى، تجعل منه نصا مفتوحا.
فهناك طبيعة  متحركة تتجلى في الجانب الإيقاعي في القصيدة هذا الأمر يمكن لنا أن نصفَه بإيجاز من خلال أن الشاعر في معظم نصوصه والتي تتضمن الطبيعة المتحركة في ثناياها، نراه يستخدم النفس الطويل الممتد إلى باطن الأرض التي يتحرك عليها، والتي تجعل من النص الشعري نصًا ممتدا متمددا على أكثر من بسيطة شعرية وفكرية ومعنوية.
فطول النفس الشعري يساعد في التنوع الإيقاعي والتحريك الموسيقي في القصيدة، والسرد القصصي الذي يستخدمه هو الذي يخلق في النص كذلك الأمر انسيابا إيقاعيا وموسيقيا يجعل من النص الشعري محركا لذاته بذاته. فالانتقال ما بين المقاطع الطويلة والقصيرة هو انتقال حركي، يوائم ويوازي تنقل الحيوانات التي هي موجودة في صورة الطبيعة الحركية في قصائده. والانتقال في فكرة الموضوع هو كذلك انتقال يبث الحركة في النص الشعري، فالقصيدة في نطاق الطبيعة الحركية في شعره هي حركة في كافة مقاييسها وسبلها.
 ما يشدنا في هذا الديوان بناؤه الذي اتخذ شكلا عنقوديا انبنى على أساس التضمين نصوص داخل نصوص . حيث النص الأكبر وهو الديوان الذي يقوم على وحدة الموضوع فلا يعدو أن يكون رؤية وجودية فلسفية للعالم تنطلق من ذات مأزومة تترشف سعير الواقع فتكشف عنه بكل أوجاعه .. وهذا ما يجعل فيه تداخلا بين البنية الشكلية والبنية النفسية فالعنوان نص صغير لنص كبير هو الديوان.. هذا الذي يمثل بدوره النص الإطار لنصوص مضمنة.
بهذا نتعامل مع النص في  هذا الديوان كوسيلة للمعرفة والكشف والاكتشاف ولعلنا في هذا الإطار نتحدث عن «إبيستمولوجيا الشعر» قياسا على إبستمولوجيا العلوم إذا ما  انطلقنا من  كون الشعر وسيلة للمعرفة والخلق كما أشار إلى ذلك أدونيس حين قال في حديثه عن قصيدة النثر : « ليست المسألة اليوم مسألة القصيدة وزنا كانت أو نثرا بل مسألة الشعر  الذي نمارسه كوسيلة للمعرفة والخلق «
هنا قد تضج في أعماقنا أسئلة تحيرنا وتبث الروع فينا : كيف يمكن للقصيدة أن تتفاعل مع الواقع وتنهض معادلا فنيا له ؟  ماهي علاقة الكلمة بالفعل ؟ وكيف يصبح إبداع الكلمة مرادفا لإبداع الفعل ؟ وهل يفقد الخطاب الشعري وظيفته الجمالية لصالح الوظيفة المرجعية ؟ أم أنه توتر دائم ما بين الوظيفتين ؟ كيف يمكن للنص الشعري أن يعيد تشكيل الواقع ؟ و بأي لغة يمكن أن يتكلم ويفصح عن وعي الذات والعالم ؟ وكيف يمكن لرؤيته الفلسفية والوجودية أن تكون هاجسا وذاكرة داخل النص؟.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل