الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رواية محكمة النسج تندد بالإرهاب

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

* إبراهيم خليل
في روايتها الأولى ذاكرة الظل (فضاءات 2017) تسلط التونسية فتحية بن فرج الضوء على ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني في تونس بعد الذي جاء به الربيع العربي، إلا أن هذا التناول لموضوع التطرف لم يكن تناولا مباشرا، فهي في بداية الرواية توهم القارئ بما في الحكاية من نزوة عاطفية جمعت على غير اتفاق ، ورغم تباعد المسافة، بين شاب مغربي يساري (جمال الدين) أو هكذا يدّعي، وأخرى من  تونس (صونيا) عن طريق الفيس بوك. وابتداء تقدم الكاتبة شخصية حسناء، جدة البطلة التي تضطلع بدور الساردة أيضا من أول الرواية إلى آخرها، مما يجعل الرواية في مقام السيرة الذاتية للبطلة. والبطلة صونيا- وهذا الاسم – في الواقع يبدو اسما غير حقيقي اتخذت منه عنوانا لصفحتها على الفيس- محامية ، متزوجة، ولها أربعة أطفال؛ابنان وبنتان، وتقيم في مدينة بعيدة قليلا عن العاصمة- لم تذكر اسم المدينة- وجدّتها تقيم في مكان أبعد، وهو الجريد ( وهي بقعة جنوب غربي تونس من أبرز مدنها توزر ) .
وتستهل الكاتبة روايتها بحديث الساردة عن جدتها، وعن منزلها، وعلاقتها القوية بها، ومحبتها لها، ولعاداتها التي تتبعها في حياتها اليومية. وهي عادات مغربية لا تونسية في المطلق. مع الإشارة لصورة لها في شبابها معلقة على أحد جدران غرفة الاستقبال « حالما تدخل البيت الصغير يخامرك الإحساس بأنك تزور متحفا، الأثاث قديم لكنه أنيق، لا غبار عليه، جدار غرفة الاستقبال علقت عليه صورة بالأسود والأبيض لامرأة شابة، شامخة النظرة، خفيفة الابتسامة، بلباس قصير وشعر منسدل، تلك هي صورتها الوحيدة التي احتفظت بها بعناية رغم الذي مر عليها من أحداث، كأن الزمن توقف هناك « (ص12) وفي موقع آخر من الرواية تعود الكاتبة لذكر الصورة « رفع جوجو (وهو جمال الدين) بصره يتأمل المكان، وما إن وقع على صورة جدتي المعلقة على الجدار حتى أصابه الذهول بدوره، تقدم منها حتى صار قريبا جدا، وسمَّر بصره فيها، تقدم.. تراجع.. نظر نظرة خاطفة ثم عاد يتأمل الصورة ... وما إن انصرفت الجدة إلى المطبخ حتى هجم علي بالأسئلة: لمَ لمْ تخبريني أن جدتك مغربية؟ « (ص177)
كان جوجو قد جاء إلى تونس قادمًا من المغرب بدعوة للمشاركة في تشييع جثمان الناشط السياسي شكري بالعيد، الذي اغتيل في 6 فبراير 2013 وشاءت الأقدار أن يلتقي صديقا الفيس بوك في الجنازة، وبعد الدفن اصطحبها إلى فندق الدبلومات في العاصمة، وفي أثناء غيابه عنها وقع بصرها على مجلد ذي غلاف أنيق بعنوان مستفزّ « حكايات مجنونة» كانت الأوراق مكتوبة بخط اليد، وراحت تتصفح الحكاية الأولى، وفيها قرأتْ « حدثني جدي في أيامه الأخيرة ، وهو يحتضر عن امرأة من نسائه فقال.. « (ص162) منتهيا بوصية يحثه فيها على البحث عن تلك المرأة ليبلغها وصيته الأخيرة « أخبرها أنه لا بد للموت من أن يسحبها إلى جوف الأرض، وهناك سنفتح منافذ جديدة لذاكرة الظل « (ص163) وذلك لأن الجد كان قد ضبط تلك المرأة- التي هي الجدة- تقبِّل غريبًا أحبَّتْه بشغفٍ، فسجنها، وتوعدها بالقتل ،وكان يعتزم أن يفعل، لولا أنها تمكنت من فك القيد الذي قيَّدها به، وولت هاربة، ليبحث عنها في كل مكان بلا فائدة. (ص163)
 اكتشاف
ها هو جوجو إذًا يكتشف أن من أحبها في تونس هي حفيدة تلك المرأة التي يبحث عنها ليبلغها بكلمات جده الأخيرة. ولأنَّ صونيا كانت على دراية بحكاية جده المجنونة فقد أرادت أن تقنعه بخطأ جده، وبجريمته التي لا تغتفر، مؤكدة أن من حق الجدة التي كرهت ذلك الرجل أن تعشق رجلا آخر: « لماذا يُطالب الرجال بغلق نوافذ الحب في قلب المرأة ، بينما تظل نوافذهم هم مشرعة على مصاريعها لكل الموبقات « (ص181) و» ما معنى أن يظل جدك المخبول هذا يحب جدتي ذلك الحب على الرغم مما فعلته، هيا اشرح لي. لماذا؟ قل. تكلمْ « (ص182)
وفي هذا الجو الذي يغلب عليه التوتر، بعد أن كاد الصفاء العاطفي، والغزل الرقيق، يفتح أفقا رحبًا لعلاقة غرامية بين الاثنين، غادرت صونيا المكان غاضبة ليتبعها جوجو بعد لحظات بالسيارة، ويعقد معها صلحا متسائلا: ما الذي قرأتهُ أيضًا من حكاياته المجنونة؟
وبعد جولة، تركها في السيارة أمام مدخل ترابي مطل على منحدر في نهايته أسلاك شائكة، ولافتة كبيرة لا يتضح ما هو المكتوب عليها، وغادرها دون أن ينبس ببنت شفة، وراح يمشي بخطى متعثرة، متسارعة. وعندما أصابها القلق لغيابه الطويل، راحت تنادي، ويتردد صوتها في الليل البهيم، ولا من مجيب (ص184- 185) وحين يئست من رجوعه هبطت من السيارة، وحاولت اللحاق به، لكن الخوف أعادها ثانية للسيارة، وفي الأثناء التحم بها أحدهم من الخلف سادًا فمها سدًّا محكمًا براحته، وقفز أمامها شخص آخر سلط عليها الضوء من كشاف صغير، ونكزها بسلاحه مشيرا لها أن تسير في صمت أمامهما. (ص186) وسمعت بعد لحظات أحدهما يتحدث في الهاتف المحمول مع آخر قائلا « رهينة ثمينة « (ص187).
ترويضُ النمرة
وتتواصل مرويات الساردة عما لقيته من تعذيب على أيدي مختطفيها من المتطرفين الجهاديين(ص188- إلى آخر الرواية) فقد اغتصبوها مرارا، ومنعوا عنها الطعام والماء والاتصالات، وتغيير الملابس التي لا تمتلك منها أي شيء بالطبع. وقاموا بنقلها من مكان لآخر معصوبة العينين، تحت حراسة مشددة. وأخيرا عهدوا بها لرجل يناهز الخمسين ذي ملابس أنيقة ونظيفة كملابس أئمة المساجد، بلحية طويلة كثة، فخاطبها من فوره: قفي يا أمَةَ الله (ص204) وقد أخبرها هذا الجهادي بأن جدتها تقدمت بشكوى عن سائح مغربي تتهمه باختطافها ردًا على ثأر عائلي قديم. وأن الشكوى رفعت أيضا للقنصلية المغربية في تونس. وطالبت في الشكوى التحري الجاد للإطمئنان على سلامة الحفيدة المحامية.. « (ص205) وأسمعها أيضا رسالة صوتية من زوجها، وهو مسئول سياسي رفيع، يدّعي فيها أن زوجته صوفيا تعاني من مشكلات نفسية وعصبية واضطرابات عقلية، وأنه أخلى مسئوليته عن غيابها. ثم قدم لها ملابس نظيفة، وأقفل عليها الباب فور مغادرته، فاستنتجت أنها مخطوفة رسميا، ورهينة، ولا خيار أمامها إلا الانحناء (ص206). لذا، وبعد أن طال بها الحبس ، سألت ذلك الخمسيني: إلى متى سأظل هنا؟
-التنظيم منزعج من تعنُّتك. وإهدارك للوقت.
وتقول بحنق
-التنظيم؟ أي تنظيم؟ وما الذي يفيده التنظيم من شفائي
فرد محتصرًا
-أزورك مساءً لنتحدث
وفي المساء يقول: الله أخبرني أنك محظوظة جدًا.
فترد بعصبية
-حقا؟ ومتى جئت من عنده؟ وهل تكلمتما طويلا عني؟
-استغفري ربك يا امرأة
-عن أي رب تتحدث؟ عن ذلك الذي رماني إليكم تتناوبون على اغتصابي، وتسجنونني داخل الكهوف والجدران، بعيدا عن بيتي وعن أبنائي وبناتي.. (ص213)
ويعرض عليها اختيار الجهاد بهذا الجسد الفاخر، أو بالفكر، والأفضل لها اختيارهما معا. فالتنظيم عادة لا يخير أتباعه، وإنما يملي عليهم الأوامر إملاءً، وهم ينفذون. أما أنتِ فاستثناء بالنسبة لهم . (ص214)
تقرر عند هذا اللجوء إلى المراوغة، فلعلها تحاول عن طريق الإغراء، ومراودة الرجل عن نفسه، الإفلات من مصيرها الفاجع، والبحث عن ثقب في الجدار المسدود، ومع ذلك يستمر ذلك الخمسيني في زيارتها لياليَ دون أن ينسى مرة واحدة إغلاق الباب عليها بالمفتاح. وذات ليلة أخبرها أن تستعد لاستقبال خبيرة تجميل ( الحلاقة) وبعد أن انتهت الخبيرة من تزوير سحنة المرأة، سألوها إن كانت تختار لنفسها اسما جديدًا، فاقترحت أن تسمى عفيفة، فأثار الاقتراح تضاحك السامعين، واستغلت ذلك الموقف، وسألت عن جوجو، فأجابها أحدهم ساخرا لعله في ضيافة أبي الحسن الشاذلي. وقد فهمت من ذلك الجواب أنهم قتلوه، لأن الشاذلي توفي منذ زمن طويل، وضريحه في مقبرة الجلاز على كثب من القبر الذي دفن فيه شكري بلعيد.. (ص153- 156) وقد فشل جوجو في زيارة الضريح في ظروف تقدم الكلام عنها في الرواية.
و شعرت الرهينة بالقلق بعد أن انقطع عنها ذلك الخمسيني، وهي لا تعرف بالضبط ما الذي عليها أن تفعله بعد الذي أجري لها من تمويه حتى بدت شخصية أخرى (ص221). وبعد صبر نافد جاء ليخبرها أنه هو وهي واقعان تحت خطر ماحق واحد، فخيوط العنكبوت التي تنسج حولهما واحدة. (ص224) وذكر لها ما يعدُّه أسرارًا عنه، وعن زوجته، فقد تعاقبوا على اغتصابها أمام نظره، (ص225) وعندما قاطعته: إلى أين سيأخذونني ؟ طمأنها بأنهم سيملون منها سريعًا، ويبحثون عن واحدة أخرى. وما عليها إلا أن تطيع، لا تحبُّ ولا تكره، وأن تنسى زوجها وأبناءها الذين لن تراهم مجددًا « انسيهم، وكأنهم لم يولدوا « (ص227) وبعد يوم واحد من هذا الحديث أجريت لها عملية ختان(ص228). وفي اليوم التالي استيقظت من المخدر الذي يجبرونها على تناوله لتجد نفسها في مكان آخر، وتقدمت منها فتاة ترتدي ثياب مضيفة طيران لترشدها إلى مقر إقامتها الجديد، وهو حجرة دون مفتاح (ص230). وفي هذا المكان الجديد الذي لا يُعرف إن كان في الأرض، أو في السماء، أخضعت لبرمجة جديدة؛ تخفيف وزن، التكلم بلغات عدة، حفظ أجزاء من الإنجيل.. والتوراة.. معرفة مواقع استراتيجية مهمة في العالم.. مواقع نفط.. مواقع حروب.. (ص231) وتجارب متواصلة لتسجيل تلفزيوني لا أحد يشاهده إلا هم بالطبع. (ص232) وظيفة جديدة، في سكن جديد.. وشهادات علمية لم تكن تحلم بالحصول على أيّ منها.. جواز سفر مزور بتأشيرات دخول لبلدان كثيرة لم تزرها في يوم من الأيام.. وحساب بنكي برصيد محترم بالدولار.. وبطاقة صراف آلي (ص233). وعندما قامت بأول عمل طلب منها  القيام به، وهو الحديث أمام الجمهور الباريسي عن ضحايا الحروب، صفقوا لها طويلا، وكثر الهتاف باسم الحرية ، والديمقرااطية، والسلام، في الأثناء لاحظت ذلك الرجل الذي سبق لها أن وقعت في حباله يجلس بين الحاضرين ، وبعد أن كادتْ تصافحه فار في داخلها حقد بغيض، وتغيرت منها الملامح(ص234).
عفيفة بدلا من صونيا
من ذلك اليوم أصبحت صونيا(عفيفة) شؤمًا، ونحسًا، على كل مكان تزوره، وكل مدينة تمر بها مرورا عابرا، فما إن تزايل ذلك الموقع حتى تبدأ الفضائيات بث الأخبار العاجلة عن الضحايا الذين أسقطوا في تفجير أو حريق أو هجوم بالأسلحة النارية الفتاكة.(ص236) وتبعا لذلك أصبحت صونيا جزءًا من الماضي واحتلت (عفيفة) مكانها واستبدلت الإرهاب وجهاد الجسد بالأمومة وبالمحاماة والدفاع عن حقوق المهمشين.
الحبكة المتقنة
من الركائز التي تميز هذه الرواية - فنيا - حبكنها المتقنة إتقانا يبعث على الإعجاب، إن لم نقل على الدهشة، فإشارتها المبكرة للجدة (حسناء) وإلى صورتها بالأسود والأبيض، وإلى موطنها المغرب، وإلى الحالة النفسية والمرضية التي المت بها فجأة، والقول بأنها في حاجة لمن يؤنس وحدتها فيكلمها وتكلمه (ص101) وقدوم جمال الدين (جوجو) من المغرب للمشاركة في جنازة الناشط السياسي شكري بالعيد، واللقاء الذي جمع بين صديقي الفيس بوك، وما وقع من إشكالات تدعو جوجو لمرافقة صونيا إلى منزل الجدة في الجريد ليكتشف في ذلك المنزل، وفي تلك الزيارة، أن حسناء هي السيدة التي أوصاه جده بالبحث عنها، وهو يحتضر، والثأر منها لخيانتها جده، وهروبها إلى مكان مجهول. فهذه كلها إشارات أحالت الحوادث المروية، والمجريات المحكية، إلى حوافز يؤدي بعضها لبعضها الآخر، من غير فجوات تحتاج من المؤلفة فتحية بن فرج إلى معالجة تسعى فيها لسداد ثقوب النص.
وبالتدريج تروي الساردة شيئا طبيعيا لا افتعال فيه عن اختفاء الشاب عند المدخل الترابي، تمهيدًا لاختطافها على أيدي جهاديين متطرفين. ويتوقع القارئ، بالطبع، أن تروي الكثير عما ألم بها من تعذيب، وما تعرضت له على أيدي الجهاديين من ترويض يبلغ حدا تغير فيه ملامح الوجه، وتستبدل ثقافتها بأخرى، ومهنتها بأخرى، من أجل أن تصبح طيعة لهم لا تحب، ولا تكره، تنفذ ما تؤمر به بلا مناقشة، وبلا تردد، أو تحفظ. علاوة على ما ذكر من شكوى الجدة، وتخلي الزوج ذي المنصب السياسي الرفيع عنها، وتنصله من أي مسؤولية عن غيابها، وعن أبنائه الذين عهد للجدة برعايتهم، عوضا عنه، مع نشر ذلك في وسائل الإعلام المقروءة، والمسموعة، ومواقع التواصل الاجتماعي. وهذا كله يضمن مراعاة النسق السردي الذي لا اضطراب في محكيّه، ولا في متخيله الروائي، وأخيرًا ووفقا لتلك البرمجة التي تصفها الساردة عبر الوقائع، تغدو صونيا بعد أن خلع عليها وجه جديد واسم جديد (عفيفة) عضوًا عاملا في التنظيم، وشؤما ونحسا على كل مكان وموقع تزوره، أو تمر به مرورا، أو تقوم فيه بنشاط مما أعد لها وأجبرت على القيام به. وقد جاءت الإشارة إلى الرجل الجالس بين الحضور، في أحد أنشطتها بباريس، وكادت تصافحة – إيحاءً باحتمال أن يكون جوجو(جمال الدين) الذي وقعت في حبائله من قبل، أحد المدبرين للاختطاف، وتجنيدها في ذلك التنظيم، لتسهم في تنفيذ جرائمه القذرة.
ففي هذه الإشارة الغامضة، المبهمة، التي لم تكررها المؤلفة، ما يوحي- من طرف خفي- بضلوع جوجو في جل ما سبق من وقائع تعرضت لها صونيا. هذا مع أنها في موقع آخر ذكرت أن الخاطفين حين سألتهم عن جوجو أخبروها بأنه قد يكون في ضيافة أبي الحسن الشاذلي. وهي إجابة توحي بأنهم قتلوه. ولكن من يصدق أناسًا كهؤلاء يتناوبون على اغتصاب امرأة تحت تأثير المخدر، ويحبسونها داخل الكهوف، وبين الجدران، ويفعلون ذلك تحت راية كتب عليها لا إله إلا الله، ويزعمون أن نهجهم هذا هو منهاج النبوة.
التنوع اللغوي
عدا عن ذلك تشدنا الرواية بما فيها من تماسك أساسه اللافت للنظر وحدة الساردة، واقتصار الحوار فيها على تبادل الرسائل، وهو حوار تغلب عليه اللغة المشرقة، الأنيقة، التي تبعث لدى القارئ شعورا عارمًا بالترقب.يضاف إلى ذلك الحوار القليل الذي يجري بين الجدة والحفيدة، أو بين المغربي جوجو، والجدة، أو المغربي وبعض رجال الأمن. ففي هذه الحوارت يتجلى اللون المحلي للسان إذا ساغ التعبير. وللكتابة الأدبية أيضا. تقول الجدة ردا على سؤال صونيا عما إذا كان بإمكانها أن تشارك في جنازة بلعيد « ما نقدر نقلك غير حاجة وحدة. إذا بغيتي حاجة غير ديريها وخلاص.. تبعي عقلك واش يقولك.. ديري جناحات وطيري.. وانت كاركة. أنا باغية نفهم كيفاش انت محامية . طفلة خوافة .. « (ص120) ويخاطب جوجو شرطيًا عند سور المقبرة يرجوه السماح له بزيارة مقام الشاذلي: « آش نقولك يا خويا؟ غدوة كنرجع لبلادي والطيارة كتطلع بكري شوية. باغي نزور مقام سيدي بلحسن كان تسمح ليا. ماني باغي نروح قبل ما نزور سيدي آسيدي.. « (ص153).
ويطرد هذا الحوار في مواقع قليلة تتطلب أن يكون اللغو مناسبًا وملائما للمتكلم أولا، وللمخاطب ثانيا، وفيما عدا ذلك نجد الطابع الأدبي الرفيع يطغى على الحوار، وعلى الوصف، وعلى السرد الحكائي، على أن الحرص أوقع الكاتبة في اضطراب يمكن عزوُه للتكلف، والتصنع الإبداعي، تقول الجدة في حوار جرى مع الحفيدة صونيا بعد أن زال عنها العارض الصحّي، وانقشع الاكتئاب: « ما الذي يجعلني أنظم عقود الكَلِم من جديد برأيك بعد أن تمزقت وتناثرت في عراء الصمت؟ « (ص103) فهي إلى جانب كونها شخصية بسيطة تقول فيما يشبه التفلسف المحض: « إن الإنسان فكرة عميقة يا ابنتي ، تحتاج إلى أجْنحة لا إلى حروف. لكن سيأتي يوم تنْسكبُ فيه الحكايات أنهارًا، وأودية، ولن تسيل لغيرك .. تأكَّدي من هذا «. (ص103)
نظرة ثاقبة للمكان
على أن للمؤلفة نظرة ثاقبة لوظيفة المكان في الرواية، فهي دائمة الإلحاح- على لسان الساردة- على روعة الصحراء ، فهي بكرٌ، عنيدة، لا ينال مياهها الجوفية إلا من يحفر عميقا . ويعجبها فيها التحفظ، والعراء(ص18) في حين تضيق ذرعا بالمدينة؛ فهي « مكان يطغى عليه الاقتصاد، ويعج بالمصانع والوكالات والدكاكين ومقرات الشركات الكبرى، وهي مكان لا ينسجم إلا مع العمل والعاملين، مكان لا يمكن أن يجد فيه المرءُ وقتا حرًا، ليرفع فيه بصره صباحًا إلى الشمس، وليلا إلى القمر.» (ص97) وتجعلها المدينة تشعر بشعور من يختنق داخل علبة صفيح مغلقة (ص98) أما المنزل، أو الشقة، التي تم اختيارها لها في باريس، على كثب من نهر السين، فلم تعلق عليها بكلمة، فهل يعني هذا أن عفيفة- التي كانت صونيا- قد وجدت فيها ما تجده في عُلب الصفيح، أم تجد فيها ما تجده في الصحراء المنفتحة على العالم، وعلى القمر والشمس. أسئلة يمكن العثور على إجابات لها في المآل الذي انتهت إليه بكلمة موجزة « أعترف بعد هذا العمر الطويل الذي عشته أن أفضل البطولات التي خضتها، وأشرفها، على الإطلاق، هي الأمومة « (ص237).     

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل