الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نوع من الناس لا ننتبه إليهم

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • قواسمه.jpg


* د. محمد عبدالله القواسمة
يتعرف الإنسان مصادفة، أو في أحايين قليلة إلى أناس يلوم نفسه على أنه لم يتعرف إليهم، أو ربما يندم لأنه لم يسع إلى معرفتهم من قبل. هذا النوع من الناس يفكر بهدوء، يعمل بصمت، لا يتباهى، ولا يتفاخر. لا يتحدث عن نفسه إلا نادرًا. لا يبالي بانتقاد الآخرين، أو بتجاهلهم له. إنه يجد متعته في الاستغراق فيما بين يديه.
هذا الإنسان قد يتهمه من يتعرف إليه بأنه مقصر في حق نفسه، أو بلغة العولمة عاجز عن تسويق ما اشتهر به، أو قام بإبداعه إذا كان شاعرًا، أو روائيًا، أو مفكرًا، أو أستاذًا جامعيًا ناجحًا، أو صانعًا ماهرًا. أو ربما يتهمه من لا يعرفه بأنه إنسان البرج العاجي، لا يشارك الناس أحزانهم وأفراحهم. يتعالى عن مجتمعه، وعن أقرانه ومعارفه.
وفي الحقيقة، إذا ما اقترب الإنسان من هذا النوع من الناس، وأمعن النظر في حاله وأعماله، يكتشف أنه إنسان بعيد عما في الأذهان. فهو في غاية التواضع، ومحاسبة النفس، والزهد في متاع الدنيا. وقد تخلص من كل ما يقيد حريته، ويضعف من إنسانيته. إنه يعرف قدر نفسه، ويدرك المزايا التي يتحلى بها، ولا يعبأ بأن يدركها الناس، أو لم يدركوها بل ربما هو على يقين بأن منهم من سيعرفه بعد فقده. فجمال القريض بعد أوانه، كما يقول أحمد شوقي أمير الشعراء. فكثير من العظماء كانوا مجهولين في حياتهم، ولم يلتفت إليهم أحد، ولكن عندما غادروا الدنيا، تنبه الناس إلى مقدار الخسارة الفادحة التي تكبدوها بفقدهم، وندموا على ما اقترفوه بحقهم من الإساءة أو الإهمال.
في قصة قصيرة تقترب من الرواية القصيرة من حيث الطول قرأتها منذ زمن بعيد للأديب الروسي أنطون تشيخوف، بعنوان «اللعوب» كانت أولجا ايفانوفنا زوجة ذلك الطبيب المتواضع ضيموف لا ترى فيه غير إنسان ساذج، قليل الشأن، لا قيمة له؛ فاندفعت في التعرف إلى العظماء من الفنانين، والشعراء، والمفكرين، والتقرب إليهم. مات زوجها. فوجئت بأن الناس من حولها فجعوا بموته، وجاءت وفود كثيرة من القرى والمدن تشيع جنازته باكية عليه. أدركت بعد فوات الأوان أنها لم تكن تحتاج إلى البحث عن العظماء، وإقامة العلاقات بهم، وقد كان زوجها العظيم بجوارها.
كان شأنها شأن الشاعر إيليا أبي ماضي في قصيدة له يعبر فيها عن فكرة مهمة تتلخص بأن الإنسان يضيع عمره باحثًا عن السعادة في الخارج أي في الواقع والمجتمع، في حين هي موجودة معه في دواخل نفسه. يقول:
وعلمت حين العلم لا يجدي الفتى
أن التي ضيعتها كانت معي
لعل أشد أنواع الندم التي يمكن أن تعتري الإنسان هو أن يدرك بعد فوات الأوان أنه لم يعط الأشياء حقها، أو أنه لم يدرك الحقيقة في وقتها، أو أنه لم ينتبه إلى الاهتمام بمن حوله. فيوجد بالتأكيد أناس يستحقون منا تقديرًا أكثر، وأناس يحتاجون إلى محبة أعظم، وأناس يحتاجون إلى التقدير والثناء على ما قدموا من أعمال لم تتكشف لنا بعد. هؤلاء موجودون بيننا لا نحتاج إلى مصباح الفيلسوف اليوناني ديوجين حتى نتعرف إليهم. لماذا ننتظر حتى نفارقهم ليغزو عقولنا الندم والتحسر على ضياع تلك اللحظات الثمينة في تقديرهم، والجلوس معهم، والتحدث إليهم؟! لماذا؟!

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل