الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كيف نشفى من حب تونس؟

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً



 * زهير توفيق

هذه هي المرة الثالثة التي أزور فيها تونس بعد الثورة التونسية، وقد وجدت إصرارا وقلقا على مواصلة الثورة وحمايتها من الخطف كما حصل في البلدان العربية الأخرى، خاصة مع الفوضى السياسية والأمنية في الجارة ليبيا؛ ما استدعى تمديد حالة الطوارىء ثلاثة أشهر، وتتمثل القوى ذات المصلحة الحقيقية بالثورة والتقدم إلى الأمام بالحراك الشعبي ومنظمات المجتمع المدني ولجان حماية الثورة، إضافة إلى الدور الخلّاق للمرأة التونسية التي تشغل حيزا واسعا في المجال العام، وتتحرك كما يقول درويش بكامل مشمشها البهي، امرأة أنيقة وجذّابة وواثقة بنفسها، وبأهمية دورها في المشاركة السياسية والمجتمعية.
في ورشة العمل التي شاركت فيها هناك والمتعلقة بالبديل الاقتصادي والاجتماعي للاشتراكية المتحجرة، وللرأسمالية المنفلتةالمقامة في فندق المرادي أفريكا في شارع الحبيب بورقيبة - شارع الحب والحرية/الفرح والثورة  -  كان حضور الشباب والشابات أكثر كثافة من حضور الكبار، ومثله كان حضور النساء الشابات في المسرح البلدي المجاور ملفتا وفاتنا،وذكرني بدرويش «شكرا لتونس أرجعتني سالما من حبها، فبكيت بين نسائها في المسرح البلدي حين تملص المعنى من الكلمات»،وفي الجوار أيضا دار السينما التي كانت تحتضن قبل أيام مهرجان قرطاج السينمائي،أمّا في الشارع،وفي الأحياء الملاصقة والفرعية فتشاهد المرأة بجمالها ورونقها بلباس السيدة -رغم مظاهر الشتاء -بالتنورة والفستان وكأنها تذكرك بأيام الزمن الجميل في القاهرة أوعمان أو بيروت.
لقد كشف لنا النهضوي قاسم أمين في مطلع القرن العشرين سرّ تأخر الشرق، وهو تخلّف المرأة ودونيتها،وبعده بسبعين عاما جاء هشام شرابي ومقولته بضرورة التعامل مع  قضية تحرير المرأة بطريقة جديدة وثورية كونها لا تحتمل التأجيل، أو الإلحاق بتحرر المجتمع والفرد كما جاء في أدبيات اليسار التقليدي، ولأنّه ابن الحزب السوري القومي الاجتماعي وربيب أنطون سعادة  البار قبل التحول إلى الماركسية؛فقد أولى التحرر الاجتماعي والعلمنة الاهتمام الأكبر، وربط في تحليله بين الهزائم العربية وبين وضع المرأة الدوني في المجتمع البطركي الحديث، وبالتالي فمفتاح تحرر المجتمع العربي هو تحرر المرأة العربية أو تحرير ذاتها بذاتها، فهي بغض النظر عن وضعها أم، أخت، زوجة، حاضنة، مربية... فهي مدرسة التربية الأولى والأساسية، فما هي نتاجات امرأةإذا كانت جاهلة أو رجعية أو متخلفة؟!
لقد توهم ليبراليو بلدنا أن الليبرالية هي الخصخصة وبيع الوطن والإنسان والنهب المنظم والانخراط بالعولمة دون قيد أو شرط،-»يا تونس الخضراء هذا عالم يثري به الامي والنصاب من الخليج إلى المحيط قبائل بطرت فلا فكر ولا آداب «- وأغفلوا الحريات والحقوق السياسية والاجتماعية، وموضوع الفردية والمواطنة، وتحرير المرأة التي هي من صميم الليبرالية كما هندسها فلاسفة عظام: كانط ولوك وروسو، وآباء الدستور الأمريكي وفلاسفة عصر التنوير في أوروبا والغرب، وفي الشرق حمل أحمد لطفي السيد في مصر  شعلة الليبرالية والدفاع عن المذهب « الحرّي «، وظل الليبرالي الصلب الذي لم يتراجع أو يتداعى، ودافع بلا هوادة عن المرأة والحقوق والحريات أكثر من المتشددين والمنتسبين لليسار واليمين والسلفية الذين تداعوا واحدا إثر الآخر، وتلك المكتسبات الليبرالية التي نتحدث عنهاشكلت معضلة في المشروع الحضاري العربي مفادها: هل يستلزم النهوض العربي ضرورة المرور بالمرحلة الليبرالية ذاتها التي مرت بها أوروبا أم يتطلب الأمر حرق المراحل كما تصور لينين في روسيا والانتقال من الإقطاع إلى الاشتراكية ؟
أجاب عبد الله العروي بالنفي بشرط – وشدّد على ذلك –تمثّل مكتسبات الليبرالية والتقدم إلى آفاق اشتراكية، وهذا المطلوب.
في تونس تتمتع المرأة بمكتسبات تحررية كبيرة بدأت مع رواد النهضة العربية فيها،من خير الدين التونسي إلى الطاهر الحداد والطاهر بن عاشور وصولا إلى بورقيبة الذي نزع الحجاب والاحتجاب، وأدرج في الدستور التونسي الكثير من الحقوق والحريات للمرأة التونسية التي تحولت حقا مكتسبا لا يمكن التراجع عنه. «فكيف نشفى من حب تونس الذي فينا مجرى النفس؟ هل نقول لك شكرا؟ لم أسمع عاشقين يقولان شكرا؛ ولكني أقول: شكرا لك أنت من أنت فحافظي على نفسك يا تونس سنلتقي غدا على أرض فلسطين».
ودّعنا تونس أنا والرفاق المشاركين على أمل اللقاء مجددا في السنة القادمة في ورشة فكرية لاستكمال ما أنجزناه «ها أنذا أودعها فيجرحني هواء البحر ...مسك الليل يجرحني وعقد الياسمين على كلام الناس يجرحني،ويجرحني التأمل في الطريق اللولبي إلى ضواحي الأندلس».
عدنا إلى عمان «يا تونس الاحلام يا كنفا للحب والانغام ، أعود من بلد الحبيب إلى بلدي أحيا لوعة الذكر وكلاهما بصبابتي يسري « (صالح جودت) عدنا إلى عمان التي تدور حول نفسها بموضوع الإصلاح الشامل ومحاربة الفساد والغلاء والتطرف والتعصب الديني والفكري ولا تعرف لا المدخل ولا المخرج ولا الحامل الاجتماعي المؤهل لحمل تلك المهام الجسيمة، وهكذا نحن من أزمة إلى أزمة ومن هزيمة إلى أخرى !- «يا تونس الخضراء كأسي علقم ،أَعلى الهزيمة تشرب الأنخاب، يا تونس الخضراء كيف خلاصنا لم يبق من كتب السماء كتاب»، وردّا على سؤال صديقاتي وأصدقائي الأعزاء عن تونس وعن صحتي وعن ضجري الوجودي وعن كآبتي و يأسي،قلت في السفر كما يقول أندريه مالرو: تجربة جديدة لاكتشاف الحياة مرات عدة وفي أماكن أخرى،لاستدراج التفاؤل الانطولوجي بلغة هيغل ،إنها الحياة التي تستحق الحياة «ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخر في جوها واندثر «، أما صديقاتي وأصدقائي هؤلاء «فهم كما تركتهم أول مرة لم يشيخوا، أما أنا فقد بلغت الستين، وأتمنى لو أعيش خمس مرات أخرى»(ناظم حكمت) وأنا مثله أريد فقط خمس سنوات أخرى لزيارة تونس خمس مرات.
 واليوم ما زالت الثورة التونسية مشروعا واعدا وقابلا للتعميم في سياق المشروع النهضوي العربي بالحرية والعقلانية والاستقلال، وهي الموضوعات التي شغلت عقلي قبل وبعد تونس، أما قلبي فقد ضاع هناك.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل