الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قدس الأقداس لا حل سواها

تم نشره في الخميس 7 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

بشار جرار - واشنطن


حتى لا تبقى الأمور على حالها منذ عقود مجرد ظاهرة صوتية يصدق فيها المثل القائل “أسمع جعجعة ولا أرى طحنا”، لا ضير ولو نظريا، طرح مسألة قرار إدارة ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة “موحدة أبدية” لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.
لن أتوقف كثيرا عند هذه الأخيرة، فهي على دلالاتها وأهميتها تبقى من ضمن تبعات القرار الأهم، وهو اعتراف الدولة الأعظم في العالم بالقدس، ليس فقط عاصمة لإسرائيل، وإنما موحدة وأبدية. ومرة أخرى دعونا من الوقوف عند مصطلح “الأبدية”  فهي لا تعدو عن كونها صفة مضافة لغايات توكيد ما سبقها سياسيا وقانونيا، وهو أن القدس في نظر إدارة ترامب مدينة غير قابلة للقسمة على اثنين، ولا أحد أحق بها من الدولة العبرية وحدها.
بعيدا عن التحشيد والقصف اللفظي من منصات التواصل الاجتماعي، أتساءل ما الذي أوصل الأمور إلى هذه الحال؟ فبالمحصلة لا أحد ينكر خطورة القرار وحساسياته وتعقيداته؛ لماذا الآن؟ باختصار؛ لأنها “استوت وحان قطافها” اعتبرتها “صفقة القرن” المقبلة لا محالة أو مجرد استحقاق انتخابي سياسي لرجل – بصرف النظر عن موقفك منه – عاقد العزم على تنفيذ برنامجه الانتخابي بحذافيره ولو بعد حين.

باستعراض موجز لمشاهد “الربيع العربي” الدامية، وبخاصة مخرجاته المدمرة على صعيد فشل الدولة والمجتمع جنبا إلى جنب، وفشل النخبة والعامة سويا، في إظهار صورة متحضرة عن فقه الاختلاف الديني والمذهبي والسياسي، ليس مع الآخر خارج الإقليم، بل مع دول الجوار وداخل الدولة ذاتها. ببساطة وبمنتهى الواقعية، أثبتت الأحداث للرأي العام العالمي ولصانع القرار السياسي والأمني، أن ثمة مشكلة أعمق وأوسع، بل وأقدم من مشكلة أو قضية القدس وفلسطين وإسرائيل وإيران وتركيا. لبّ المشكلة في نظر أولئك هو الثقافة السائدة في الإقصاء والاستعداء والقتل بكل الأدوات المتاحة قصفا أو طعنا أو دهسا؛ مشاهد هزت العالم كله بشكل قد تظهر الأحداث لاحقا إنها لم تمر عابرة في ذاكرة صناع القرار الحقيقيين في العالم؛ فعالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، عالم معني بالمصلحة لا المأثرة ولا العظة، عالم ينظر باحترام إلى من يعطيه إنجازا يغنيه ويسعده، لا إرهابا ولا حتى إزعاجا ينغّص على الناس العاديين عطلتهم الأسبوعية أو مناسبات الفرح والتنافس الرياضي الآمن من الدهس والطعن والتفخيخ والتفجير.
وإن عدنا الى ما قبل سنوات “الربيع العربي” العجاف، لا بد من التوقف عند ثلاث محطات تاريخية: تعاملنا من قرار التقسيم، بناؤنا للدولة الوطنية وقرار قمة الرباط الذي أصر فيه “أشقاؤنا” على اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية “الممثل الشرعي والوحيد” للشعب الفلسطيني. قرارات كارثية نحصد وسنحصد المزيد من آثارها بصرف النظر عن ساكن البيت الأبيض أو الكرملين أو داوننغ ستريت.
خرجت من بيننا يد آثمة غادرة اغتالت مليكنا المؤسس عبد الله بن الحسين شهيد الأقصى، كان وحده القادر بحكمته وحنكته على رؤية المستقبل، لم يكن القاتل وحده الخائن وإنما كثيرون من حسّاده الذين خذلوه من “ذوي القربى العرب”. قبل تلك الفاجعة وبعدها شهدت دول “أكناف بيت المقدس” سلسلة من الانقلابات والمؤامرات لم تحفظ فيها الدولة لا مدنية ولا حضارة حقيقية في المساواة بين أبناء الوطن، فكانت كارثة التهجير الناعم والخشن والإقصاء والتخوين في”القتل على الهوية”.
وبعد كوارث الاقتتال الفلسطيني “الفصائلي” وجزر المخيمات الأمنية في لبنان وأحداث أيلول وإرهاب، نعم إرهاب، الاختطاف وتفجير طائرات الركاب المدنية، كل هذه المآسي والقرارات الرعناء بحق فلسطين والعروبة والإسلام والإنسانية، وصلنا إلى ما وصلنا إليه من حال أمام العالم وأنفسنا، ورغم تحذيرات الحسين، على روحه الطاهرة السلام، لأشقائه العرب من خطورة قرار قمة الرباط، ركب الآخرون رؤوسهم وخالفوا ألف باء العمل السياسي. فوحدها الدول ذات السيادة والمعترف بها دوليا قادرة على استرداد الأرض وإعلان العواصم.
أرجو ألا يفهم من كلامي هذا تسويغ أو تبرير أي قرار بخصوص القدس أو مستقبل السلام في الأراضي المقدسة أو الإقليم الجديد الجاري العمل بخطى حثيثة على إرساء قواعده في الشرق الأوسط، أنا من المؤمنين بما يعرف “حل قدس الأقداس”: قدس عربية (شرقية) عاصمة للدولة الفلسطينية المقبلة أو عاصمة فلسطينية للجناح الفلسطيني من المملكة الهاشمية المتحدة توأم شقيقتها عمان في الجناح الأردني من المملكة. قدس (غربية) عاصمة لإسرائيل وتسمى أورشاليم وأخيرا وليس آخرا، قدس عالمية (روحية) تنال اعترافا دوليا وتعرف بجيروساليم. في ذلك التصور الذي ذاع صيته في مرحلة التبشير لانطلاق مؤتمر السلام في مدريد، تكون جميع المقدسات الإسلامية والمسيحية واليهودية مفتوحة أمام المؤمنين كافة من أبناء سيدنا إبراهيم عليه السلام.
 والمأمول أن يرعاها أجدر الناس بها حفظا لأمانتها وقدسيتها، الهاشميون الأفذاذ الذين ما زالوا الأمل والرجاء في النهوض بحال هذه الأمة رفعة لشأنها و”رحمة للعالمين”.
فالقرار كبير وخطير لا يجدي فيه لا ثناء ولا تقريع. ففي نهاية المطاف ما يعني الرئيس الأميركي هو كما قالها صراحة على امتداد حملته الانتخابية: أميركا أولا.. فإن أراد معارضو قراره حقا التأثير على مضمون القرار، لا على مجرد توقيته، عليه النأي عن التصريحات العنترية حول “أبواب جهنم”. وليتق الناس وبخاصة القادة والإعلاميون منهم على وجه الخصوص من التحريض الذي ما زالت تثبت الأيام عدم جدواه في عالم اليوم.
إن أردنا أن نؤثر لنبدأ أولا بلغة العالم: المصالح ومن ثم تبييض صفحة ضمائرنا بالاعتراف بالآخر ونبذ العنف والإرهاب بكل أشكاله وبصرف النظر عن مبرراته وأهدافه وساحاته، علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا وبخاصة مع شبابنا من ذوي الهمم العالية.
 أن العالم يحترم قوة المنطق لا منطق القوة.. فالحق يعلو ولو بعد حين.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل