الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فكرة ما .. تبكي الأشجار واقفة

تم نشره في الخميس 7 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
بريهان قمق

خبر منشور في الصحف المحلية لفت انتباهي،حول القبض على تريلا محملة ب 12 شجرة زيتون معمرة، مجتثة الجذور من عجلون، وتبلغ أعمارها مئات القرون، بهدف نقلها وبيعها في عمّان، حيث يبلغ سعر الواحدة منها آلاف الدنانير،كي تصير ديكورا بحديقة ما، ولا ندري إن كانت ستعيش، أو... ستموت واقفة !..
إن كنت أقول «تبكي» ،فهذه تجعيدةقلق حيال ما تبقى لدينا من أشجارمعمرة، مستلهمة وبتغير طفيف لعنوان المسرحية الاسبانية الشهيرة: «الأشجار تموت واقفة» للكاتب «أليخاندرو كاسونا» التي كتبها قبل سبعين عاما،وكان يقصد ترميزا للبشرالذين يثبتون أمام عواصف الحياة، حتى إذا انهزموا ماتوا وقوفا على أقدامهم.. المسرحية جميلة وإنسانية إلى أبعد حد، وباتت منبعا لا ينضب للأعمال الإبداعية الأدبية والفنية بكل لغات العالم، بل بات العنوان ذاتهملهما ويترددعلى كل شفة ولسان..
وما بين الواقع والرمز تصيرالمسافةجدا قصيرة، فالانسان متعب كما الأشجار..إذ أن كليهما مرصود للجشع المتزايد في ظل حمّى الاستهلاك، فالأشجار تموت، وما تبقى،تبكي واقفة، تُصدرأنينها الحزين، ذلك لأنها عالميا وأردنيا في تناقص خطر، مستمر، وتنتظر بلهفة انتباهة الضمير!!...
الحقيقة المرّة وجود مستنبتات داخل العاصمة، تعرض عشرات أشجار الزيتون المعمرة للبيع، ولدى بعضها شاحنات ومعدات ثقيلة بأنياب حديدية تنغرس داخل الأرض كشوكة دائرية، تقتلع الشجرة من جذورها الأساسية، بينما تصرخ بألم صموت !.. نعم الشجرة تبكي وتحزن وتصدر أنينا... وهذا ليس بأمر شاعري خيالي، بل واقعي علمي بحت... فعندماترتعب وتحزن وتعطش وتقارب الرمق الأخير،تتحدث مع بقية الأشجار بلغة لا يسمعها البشري المنهمك في غمرة ضوضاء حياته، فاقدا عرفانه  بكل دبيب الحياة على الأرض التي يتسيدها بغرور..ربما لو تواضع قليلا وامتثل لنبل المبادئ، وبعقل الباحث عن الأسرارمستخدما حدسه، أوالأجهزة الحديثة كمنجز للعقل الإدراكي، لتمكن من التقاط اللغة التواصلية الموجية الضوئية والكيمائية للنباتات فيما بينها، سيتوصل حينئذ لنتائج مذهلة كما «ألكسندر بونومارينكو» ومجموعة باحثين فرنسيين آخرين، حيث أثبتوا حقيقة صدورموجات صوتية من النباتات والأشجارعند استشعارها الخطر،فتتخاطب وتصدر أنينا عبر ترددات موجية!...حتى انها تتواصل تحت سطح الأرض بغية تنظيم حياتها ولإبعاد جذورها عن بعضها البعض، دون شجار وصدام واحتكاك، وإن كانت إحداها عطشى تبلغهم أنينها، فترسل بقية النباتات لها الماء فوراعبر الجذور...
عندما يقتلع اللصوص الأشجار المعمرة، لا يسمعون ما تصدره الأشجار من ذبذبات صوتية ذات معنىتقدر بنحو 220 هيرتز، وهي فى حدود سمع الإنسان، إن أنصت السمع بجوارحه ونبل مبادئه العليا...ولكن بما أننا فى عصر التلوث السمعى والأخلاقي،وعصر اللصوصية،فلا يمكن سماع هذه الترددات إلا بأجهزة تكبير صوتية قوية ودقيقة...هذه الترددات باتت علما تسمى Bioacusticsأي علم الصوتيات الحيوية الذي أنشأه كمنهج رصين عالم الأحياء «إيفان ريجين» عام 1925.وغالبيتنا ورغم توالي عقود طويلة على هذه الحقائق العلمية لا تدري شيئا،وبعضنا يتعامل بلا حواس ولا ضمير مع كل الكائنات بوصفها سلعة وشيئ بثمن ليس إلا...
إن كان في بلدنا من ينشط سواء عبر المؤسسات الرسمية كبعض دوائر وزارة الزراعة، أوتطوعية كحراس الغابات الذين يعشقون الشجر، لحمايتها وبخاصة المعمرة كأشجار الزيتون ومشكورة جهودهم الكبيرة،ولكن كيف توجد في بلد غاباته قليلة مثل هذه المعدات الضخمة الخاصة باجتثات الأشجاروالمستوردة ، لولا أن ثمة ما خلف الأكمة ما وراءها، نظرا لأن بيع الأشجار مربح،وبمبالغ خيالية!!...
رأيت في أكثر من بلد خليجي أشجار زيتون معمرة عمرها قرون، سواء في الحدائق العامة، أو في بيوتات البعض تم شراؤها وشحنها من الأردن.. السؤال كيف وبأي غطاء قانوني تم ذلك، وكيف عبرت تلك الاشجار المعمرة الحدود.. مع العلم بأن القانون الأردني لا يسمح بقلع أي شجرة رومانية إلا في حالات المنفعة العامة كبناء مستشفى او مدرسة وبموافقة مسبقة من وزارة الزراعة!!..
نعم تبكي أشجارنا واقفة، في بلد غالبية مساحته صحراء؛ ويفقد ما تبقى من غطائه  الأخضرفي مساحات محدودة وغاباته  القليلة،بتسارع مخيف وقد غدا أقل من 1%.. صحيح أن اجتثاث وقلع أشجار الغاباتبدأ منذ العهد العثماني لبناء سكة الحديد، وملاحقة الثوار، ولكن في عصرنا الحالي بات في تناقص متسارع ملحوظ لأي متجول في أنحاء الاردن،وسط مقارنات خلال سنوات قليلة،فكيف سيغدو الأمر خلال أجيال،بل ما الذي سيحدث خلال قرون.. حقا الصورة قاتمة !!...
أستحضر فيلما رائعا، ما زال عالقا بذاكرتي، كنت قد  شاهدته قبل بضع سنوات»آفاتار»،  في مشهد مؤثر تجلس تلك الكائنات العاقلة التي تعيش في كوكبها، كقبائل منظمة ومتحضرة وقد نالها الأذى والإنهاك من الهجوم البشري، تجلس قرب الشجرة الضخمة، يمسك الأفراد بأيدي بعضهم البعض، ويرتلوا صلواتهم كي يستمدوا الحب والقوة والطاقة والسلام الداخلي من الشجرة ومن ذواتهملاستعادة قواهم وعمق تفكيرهم بغية حماية كوكبهم أي بيئتهم،لمواجهة جيوش البشر التي تريد احتلالهم بهمجية، للسيطرة على مواد خامثمينة...صحيح انه فيلم من الخيال العلمي انما يحمل اسقاطات كثيرة معبرة، لامستني بعمق، فالسلام الداخلي وجلاء التفكير نفقدهماتدريجيا كلما اغتربنا عن الطبيعة وعبثنا بمكوناتها وتوازنها البيئي، مثل اجتثاثوقطعالأشجار لدينا مثلا، وتجاهلنا انتهاكات ثروتنا الوطنية كالغابات وغطائنا الأخضر الذي غدا في تراجع مخيف، حيث بلغت نسبته أقل من واحد بالمائة!!..
مرّة واحدة لنحاول عناق جذع شجرة، ونذوب في ثناياها كي نكتشف حقيقة طاقتها، حتما ستتغلغل نفوسنا المتهالكة والمنهكة، ولربما تتقشّر الروح وتحررنا من الحيرة المتواصلة، لربما استيقظناعلى حقيقة أننا لسنا وحدنا الأحياء على هذا الكوكب، والكثير من المسؤوليات الأخلاقية تقع على عاتقنا، فثمة من يئن أيضا، كأشجارالزيتون المعمرة في بلدنا التي باتت هدفا للصوص وموتى الضمير..
إنهاحقا تبكي واقفة بكبرياء، وتنبهنا إن أحببناها فلن نكره  أنفسنا ولا الآخرين أبدا...

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل