الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وجهان لعمّــــــان

تم نشره في السبت 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

د.هناء بنت علي البواب
لأني أردتُ أن أرى ملامح مدينتي بعد غياب طويل عنها،  فبعد غيبوبة الروح عنها تكون العودة إليها بمثابة إعادة اكتشاف ما فاتني خلال غيابي. وتحتشد الأسئلة لديّ هل لا تزال عمّان تحمل ملامحها التي لا تزال في ذاكرتي وذهني ووجداني؟ فلم أجد وسيلة إلاّ أن أتفقد أحوال مثقفيها والقيام بزياراتهم، ومجالستهم في مجالسهم وصالوناتهم وتجمعاتهم ومرافقتهم حتى في تسكعهم في شوارعها وحواريها وأزقتها.
أول ما يتبادر إلى ذهني هو: مقاهي عمّان التي تعج بمثقفيها من كتاب وشعراء وروائيين وفنانين تشكيليين وإعلاميين، فهؤلاء يشكلون الوسط الذي غادرته وآخر صورة طبعت في مخيلتي عندما غادرتها، وكذلك لأن هؤلاء يشكلون في اعتقادي الخطوط الظاهرة على جبين المدينة والتي تحدد ملامحها.
مسكين أنت ياصديقي، تحلم بزمن السبعينيات ولا تزال تراه أمامك. فبعد عودتك من المنفى ستنخرط تلقائيا في جلسات الكآبة التي يشكلها المثقفون لتكتشف أن ملامح عمّان لم تعد كما هي وأنها باتت متعددة الوجوه والملامح، وأن وجهها الثقافي الذي حملته معك في حقائبك عندما غادرتها لم يعد كما هو، وإنما ترى نفسك في ما يشبه خشبة المسرح الذي يمارس فيه كل مثقف دوره، الذي إما أعطاه لنفسه أو أُعطي له. ولترى بالتالي أن المقاهي والأمسيات الأدبية والصالونات الثقافية هي بقايا مقالات لازلتَ تحتفظُ بها في حقيبتك.
لكي تطمئن عليهم عليك أن تعرف أنهم يمارسون دور الكآبة اليوم، فالمبدأ النكدي للكثير من المثقفين هو: "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت". ولأنهم آمنوا أن الحياة ليس فيها ما يدعو للفرح والتفاؤل، أثبتت لهم الحياة أنهم على حق وكشفت لهم عن الجانب المظلم فيها وأخفت جمالها، فالمثقف اليوم يا صديقي عليه أن يستخدم كلمات تعبر عن الغضب والحزن، وإلا فكيف سيصدق العالم بأنه قرأ آلاف الكتب إن لم يبدو عليه الحزن والكآبة؟
لا تطمئن على عمّان من خلالهم، لأنك ستجد عمان خائفة في نفوسهم، ستجد رُهاب الذات، رُهاب الآخر، رعب الجار، الشكّ بالصديق، رؤية الجميع أعداء مفترضين، كلّ ذلك يشير إلى حالة استيطان فظيعة للخوف في النفوس والأرواح.
يا صديقي عمّان ليست هؤلاء. امش في شوارع عمان، واشعر بطفولةٍ سعيدةٍ جداً، وكأنها تضمك لقلبها، لتسمع نبض الحب والحنين فيها، فهي ليست مجرد مدينةٍ عابرةٍ في ذاكرة الزمن، عمان مرتعٌ للهوى والأحلام، عمان رائحة الحناء والزيتون، ومرتع الصبا والشباب، عمان منارة القلوب والأرواح، مدينة تنبض بالحب والحياة، عمّان ليست من مراياهم يا صديقي.
فهم يا صديقي يعيشون  في وَهْم: "الجدران لها آذان" ومع زمن التكنولوجيا أصبحت الحيطان مزروعة بالعيون والآذان معاً، تصوّر كلّ شيء، وتلتقط كلّ حركة أو همسة، وهي بذلك تزيد من حالة الرهاب المتفاقمة بالتقادم لديهم، فبدلا من أن يكون الخوف محرّضاً ودافعاً على المواجهة والفضح والتعرية، فهويمنح المستبدّ فرصة التغوّل أكثر فأكثر في نفوسهم، يفترس ما يتبقّى من الحياة أيضاً، فالمثقّف الذي يفترض به أن يكون رأس الحربة في كشف النقاب عن جمرات الترويع التي يبثّها المستبدّ في ثنايا المجتمع، يقع فريسة الخوف نفسه. يبحر في عوالم متخيّلة تهرّباً من مواجهة الذات والآخر، فلا تبحث عن عمّان فيهم،
انظر إليهم من بعيد فقط ولا تقترب منهم ستراهم متخبّطين في عالمهم، يؤجّلون الكثير من مبادراتهم بلا سبب، ينتظرون لحظات ضعف الآخر لينقضّوا عليه ويفتّتوه، ينظرون إلى الآخر بمنظارهم إلى أنفسهم، يظنّون أنّه ينوس بين الضعف والشدّة، لكنه يسير بوتيرته المعتادة يبحث عن مسارب جديدة دوماً، ويندسّ في كلّ الثغرات. يمارس مهمّتي الأزليّة الأبديّة، لكنهم يخترعون الأفعال وينسبونها لأنفسهم، ويغرقون بالشرور تارة والمدائح تارة أخرى، إنّهم يجلدون أنفسهم هروبا من كل شيء، أو يبالغون في تعظيم أنفسهم بحثا عن ذواتهم.
يا صديقي يخافون من أنفسهم. أيّ تجسيد للخوف يكون ناقصاً، صورته تكتمل في وجوههم. الخوف صورتهم، تجسيد غيلانهم، مفترس دواخلهم، الخوف وحوشهم الغافية والمدمّرة معاً. يفترسون بعضهم بعضاً باسم الثقافة، ينسفون مدنهم ويرتكبون مجازرهم درءاً لمفاسد الثقافة وشرورها كما يزعمون، ذلك كلّه تجلّيات جبنهم ولعنة تشوّهاتهم.
أخاف عليك الاقتراب منهم يا صديقي لأنك ستصاب بلوثة لن تتعالج منها، وستنعزل وتدخل إلى سجن نفسك، محتضنا قيمك ورؤاك، ضاما ساقيك إلى صدرك كالجنين، كأنما ستتفادى بشكل أو بآخر غول الواقع الدامي، وتحمي نفسك من غائلة الانهيار التام.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل