الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الكفاءة والجدارة معيار أساس للتعيينات

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً


الدكتور عبد الحكيم توفيق

 أطلق جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه الورقة النقاشية السادسة في الحادي عشر من تشرين الأول من العام 2016م التي محورها سيادة القانون، حيث تضمنت هذه الورقة مواضيع عديدة تؤصل جميعها لمبدأ سيادة القانون وكونه أساساً للدولة المدنية؛ ومن بين القضايا المطروحة في هذه الورقة مبدأ الجدارة وأهمية الالتزام به في مسائل التوظيف حيث ذكر جلالته أنه (لابد من الالتزام بمبدأ الكفاءة والجدارة كمعيار أساس ووحيد للتعيينات).
فما معنى الجدارة، وما حكمها، ودليلها، وما ثمرات اعتماد الجدارة، والآثار الناجمة عن الإخلال في مراعاة هذا المعيار؟
تعريف الجدارة
الجدير لغة: هو الخليق.
الجدارة اصطلاحاً: “مجموعة عناصر وصفات ذاتية في الشخص منها ما يتصل بالكفاءة الفنية، والكفاءة الإدارية، وغير ذلك من الأمور التي تُترك لتقدير الإدارة”فالجدير المستحق هو من كان “لكل عمل... هو أصلح، وأسدّ لمسدّه”.
وقد نصت المادة (41) فقره (أ) من نظام الخدمة المدنية الأردني على أن “يتم التعيين في وظائف الخدمة المدنية وفق الاحتياجات التي يتم إقرارها في جداول تشكيلات الوظائف بما يحقق استخدام أفضل الكفاءات وفق أسس الاستحقاق والجدارة”.
حكم التعيين على أساس الجدارة والاستحقاق
وهو الوجوب الشرعي؛ وفي ذلك يقول الشاطبي: “الإمامة الكبرى أو الصغرى فإنها إنما تتعين على من فيه أوصافها المرعية لا على كل الناس؛ وسائر الولايات بتلك المنزلة، إنما يُطلب بها شرعاً –باتفاق- من كان أهلاً للقيام بها، والغناء فيها” ومن لم يكن أهلاً للوظيفة لا تصح توليته، جاء في حاشية ابن عابدين”إذا ولى السلطان مدرساً ليس بأهل لم تصح توليته... فيجب على ولاة الأمور توجيهها [أي الوظائف] على أهلها، ونزعها من أيدي غير الأهل”.
الأدلة على مشروعية تولية ذي الجدارة والاستحقاق
يمكن الاستدلال بالكتاب، والسنة، والآثار، والمعقول على مشروعية تقديم ذي الجدارة والاستحقاق على من سواه في مسألة الاختيار والتعيين، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: القرآن الكريم: قوله تعالى: {قالت احداهما يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26]، يقول النسفي-في تفسير الآية- “ورد الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أن أمانته وقوته أمران محققان؛ وقولها: إن خير من استأجرت القوي الأمين كلام جامع؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان: القوة والأمانة في القائم بأمرك، فقد فرغ بالك، وتم مرادك”.
وبتوافر القوة على الأعباء، والأمانة في الأداء يحصل الاستحقاق لشغل الوظيفة.
ثانياً: من السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين سأله أن يستعمله: (يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها) يقول النووي في شرحه لهذا الحديث: “هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية”.
ولا يُشك في أمانة أبي ذر رضي الله عنه، وإنما يراد أن يجمع القوة مع الأمانة ليقدر عليها؛ ذلك أن شغل المناصب والوظائف أمانات عند من حُمّلوها، مأمورون أن يؤدوها إلى أهلها، وهم الشعب، بأن يُختار ذووا الكفاءة والصلاحية لها.
ثالثاً: من الآثار: قول عمر رضي الله عنه: “أيها الناس إني قد وليت عليكم، ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدكم استضلاعاً بما ينوب من مهم أموركم ما وليت ذلك منكم”، يقول العقاد -في تعقيبه على مقولة عمر رضي الله عنه- أحق الناس بالحكم أقدرهم على البر والحزم، والنهوض بالأعباء، وليس له في غير ذلك حق يرشحه للحكومة.
رابعاً: تحقيق المقاصد والمصالح: إن تعيين الأصلح هو الطريق إلى المقصود الواجب بالولايات والوظائف، وفي ذلك يقول ابن تيمية: “معرفة الأصلح؛ وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية ومعرفة طريق المقصود... المقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق... وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمور دنياهم:
فاقتضى تحقيق تلك المصالح الدفع لمن كان مستجمعاً لشروط تولي الوظيفة العامة من كونه الأصلح (كفاءة، وديانة).
ثمرات اعتماد الجدارة والاستحقاق
إن نجاح أية إدارة في تنفيذ سياستها المرسومة لها يتوقف -من بين ما يتوقف عليه- على مدى حسن الاختيار للموظف الكفء الأمين، وتعيينه في الوظيفة الملائمة لقدراته، ومؤهلاته واستعداداته، فيثمر ذلك الآتي:
1. تحسين الأداء، ورفع المستوى، وزيادة الإنتاج؛ وذلك أن اعتماد معيار الجدارة والاستحقاق “له أثر فعّال على كفاءة الأداء بالخدمة المدنية ؛ ذلك أنه يؤدي إلى إشغال الوظائف بموظفين ينهضون بواجباتها ومسؤولياتها بمقدرة وفاعلية”.
2. تحقيق الأهداف بفاعلية أكبر، وإنجاز الأعمال بمستوى عالٍ -كمّاً وكيفاً- وبكلفة أقل “سواء في الإنتاج، أم في تطوير القوى العاملة والتدريب”.
الآثار الناجمة عن الاختلال في مراعاة معيار الجدارة
لقد أدرك بعض علمائنا الأقدمين أهمية اعتماد معيار الجدارة، وسوء العواقب المترتبة على إهماله، منهم الماوردي في كتابه (نصيحة الملوك)، إذ يقول: “فليجتهد الملك في اختيار هذه الطبقات -أي جميع من يلزم في إقامة المملكة والولايات من وزراء، وكُتّاب وقضاة وولاة- من أهل الدين والعقل، والأمانة والكفاية والاستقلال... وإذا لم يكن له أمانة خان، وإذا خان في مثل هذه الأمور فربما عاد بضرر شامل، أو فساد مستأصل؛ وإذا لم يكن فيه كفاية بما فُوّض إليه وعصب به ضاع الأمر وانتثر”.
وهكذا يمكن تلخيص بعض المساوئ الناجمة عن عدم مراعاة معيار الجدارة بالآتي:
أولاً: الإفضاء إلى فساد الإدارة بسبب سوء اختيار الموظفين.
ثانياً: الإسفار عن مساواة غير عادلة بين موظف كفء وآخر غير كفء.
ثالثاً: قتل روح الطموح والمبادأة في نفوس الموظفين الممتازين، وإضعاف حماسهم للعمل.
وفي الختام؛ فإن حسن اختيار وتعيين موظفي الدولة، أو سوء ذلك (من خلال تحكيم الجدارة والاستحقاق أو عدم ذلك) ينعكس إيجاباً، أو سلباً على سمعة الدولة وهيبتها ومدى ما تحظى به من احترام محلي ودولي؛ “ذلك أن الموظف العام هو أداة الدولة ومظهرها الحقيقي ويرى الناس الدولة من خلاله”.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل