الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رؤيـــة فـي العمـل الإسلامــــي

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً


د.عصر محمد النصر

مثلت التجارب الإصلاحية التي قدمها رواد الإصلاح على مرّ التأريخ أرشيفا يستقي منه كل عامل، حيث تمثل هذه التجارب إجابة عن سؤال الواقع واستجابة لمتطلباته، ولما كانت أحوال الناس مختلفة واستعداداتهم متنوعة، جاءت تجاربهم كذلك متنوعة، دعنا نقرر ابتداء أن هذه التجارب تجارب اجتهادية، قابلة للصواب كما تقبل الخطأ، ومع هذا فالوقوف على اختلاف هذه التجارب ومعرفة مآلاتها ونتائجها يعين على معرفة ما هو الأقرب إلى الصواب، وما هو سبب الخطأ إن وجد، ومن جانب آخر فمن تأمل فيما هو السائد اليوم رأى نموذجا واحدا يكاد يكون هو الغالب، وقد غابت خلفه نماذج أخرى أكثر مرونة ونضجا، وأبعد عن الأخطاء الشائعة في التجارب القائمة، ولا شك أن غياب هذه النماذج كانت له أثار سلبية في الواقع اليوم، من النماذج التي غابت عن مسرح العمل، ما قدمه الدكتور طارق البشري في سنوات مضت من خلال طرح عدد من المؤلفات والأبحاث، وبين يدي منها كتاب مهم للغاية، وهو كتاب :” التجديد الحضاري، دراسات في تداخل المفاهيم المعاصرة مع المرجعيات الموروثة “، فهذا الكتاب والذي جمع بين دفتيه عددا من الأوراق البحثية التي قدمها الدكتور طارق البشري في ندوات فكرية وسياسية في سنوات ماضية، واللافت للنظر هو اختلاف الخطاب الإصلاحي الذي قدمه الدكتور البشري، حتى يظهر بصورة متفردة مختلفة عن المشاريع السائدة، ولذلك سنحاول الوقوف مع الأفكار الكلية التي طرحها الدكتور البشري ومحاولة توظيفها في بناء المشروع الإصلاحي.
يبدأ المشروع الإصلاحي الذي قدمه الدكتور البشري، من الاستعداد الشخصي، وهي خصيصة يحتاجها من يتصدر لهذا الأمر العظيم، حيث أظهر قدرا من اعتدال المزاج في التعاطي مع المشروع الإصلاحي، وهو بذلك ينعتق من كثير من المحددات التي طوقت أعناق كثير ممن تصدى لهذا المشروع، حتى ذهبت بمظاهر الواقعية في أدبياتهم العلمية والعملية، كما أظهر تجردا عن العلائق المؤثرة في عملية الاستدلال والبحث الفقهي، فكان يعمل الموروث الفقهي ويعتبر في ذلك الأصول الكلية، خصوصا أنه يتكلم عن مسائل في السياسة والحكم، وهي متعلقة بالأصول الكلية، كما أنه استوعب التجارب السابقة، فوقف على نقاط القوة والضعف، وحاول الاستفادة منها، وقد أظهر قدرا من الإنصاف في التعامل مع مخرجات تلك التجارب، فعند الكلام عن حركة التجديد في الفكر الإسلامي، يتجاوز المورد السائد في أدبيات كثير من الكتاب المتأخرين، ليشير إلى الأزهر والمعاهد الدينية، يقول :” نحن مثلا عندما نبحث عن حركة التجديد في الفكر الإسلامي الحديث، ننظر كتابات الطهطاوي والأفغاني وإلى الطاهر بن عاشور، ولكننا لا نفطن إلى مناهج التدريس في الأزهر وغيره ونظم الدراسة في المعاهد الدينية “، فإذا انتقلنا من الاستعداد الشخصي، وهي لبنة مهمة في بناء المشروع الإصلاحي، لننطلق إلى مرحلة أخرى، لا تقل عنها أهمية، وهي مرحلة المعالجة، وهي مرحلة تمهيدية يقصد منها إظهار أخطاء التجارب السابقة، وما فيها من نقص، والهدف من ذلك لا مجرد النقد وإنما للبناء عليها، وفي سبيل ذلك سلك ثلاثة مسالك، بدأها بتحديد الأخطاء، وقد انطلق أولا من تحديد الهدف الأول للدول العربية والإسلامية، وهو هدف النهضة والتجديد الحضاري، ثم ذكر جملة من الأخطاء التي اكتنفت العمل لأجل ذلك، إلا أن الناظر في كتابه لا يخفى عليه شدة عنايته بالانقسام القائم بين مكونات المجتمع الواحد، وأثر ذلك على مشروع النهضة والتجديد، وفي ذلك يقول :” وإن من أخطر الانقسامات التي تبدت في أوجها على مدى القرن العشرين، هو هذا الانقسام الذي ولّده الصراع الثقافي بين التيار الإسلامي والتيار العلماني “(ص75)، حيث رأى أن هذا الانقسام جزء من مشكلات الواقع، وأن كل طرف يتحمل جزءً من الخطأ، وفي أثر هذا الانقسام يقول :” هذه الظاهرة أوجدت انفصاما في المجتمع هوى من فاعليته وشتت من قوة التماسك فيه، وأوجد صراعا ظلّ يعمق داخل المجتمع، في جميع مؤسساته السياسية والاجتماعية والاقتصادية وفي أنساقه الفكرية وقيمه وعاداته ونماذج العيش فيه “(ص253) وفي سياق بيان مظاهر الخطأ الصادر عن طرفي النزاع، يقول :” والمشكلة لدى النخب الثقافية التي يغلب عليها الطابع العلماني أن منهم من يغفل عن حقيقة أن نسقا فكريا إذا انتزع من سياقه الاجتماعي الثقافي التاريخي، وزرع في سياق اجتماعي ثقافي تاريخي مغاير، إذا جرى ذلك فإن هذا النسق المنقول قد يقوم بأداء وظيفي عكس ما كان يقوم به في السياق المأخوذ منه “(ص88)، وفي المقابل يرى أن أصحاب التوجه الإسلامي وقعوا في خطأ آخر من قبيل تقييم البعد الشرعي ومرجعية الإسلام، فقال :” لقد جرى خطأ مشترك وقع في ظني من مؤيدي المرجعية الإسلامية وهم في معرض تأكيد أن الإسلام دين ودنيا، ونظروا إلى الإسلام باعتباره نظاما سياسيا واجتماعيا لا بحسبانه مرجعية عامة يمكن أن يتفرع بمبادئه وأصوله وأحكامه نظما متباينة وفقا لأوضاع الزمان والمكان وطبقا للمذاهب الفكرية في استخلاص الأحكام “(ص101)، وفي موضوع لا يقل أهمية عن هذا الموضوع، بل هو أثر من أثاره الواقعية، ذهب الدكتور البشري ليذكر طرفا مما وقع من انفصام بين مكونات المجتمع خصوصا المكون الإسلامي والمكون القومي، مما اضطره لمقدمة تأريخية نفيسة، افتتح الدكتور البشري كلامه في هذا الموضوع بقوله :” وأنا أتصور أن أخطر الانقسامات التي نعانيها هو هذا الانقسام بين التيار الإسلامي والتيار العروبي الوطني “( ص177)، ويرى أن العلاقة الحالية تقوم على الاستبعاد لا الاستيعاب، وفي بداية انسلاخ فكرة العروبة عن الإسلام والتي كانت في الشام، يقول :” فلم يكن يظهر بين العروبة والإسلام عراك قبل منتصف القرن العشرين، إلا في بلاد الشام عندما قامت العروبة كدعوة انسلاخ عن الجامعة الإسلامية “(ص180)، وهذا الانفصام وإن لم يظهر في بقية البلدان كما ظهر في بلاد الشام، إلا أنه انتقل ولو متأخرا إلى غيرها، ولهذا أسباب موضوعية، حيث :” حدث للحركة العربية تغيّر مهم في الخمسينيات والستينيات أملته أوضاع السياسة، وباعد بينها وبين الحركة الإسلامية، فحكومات التحرر الوطني التي اعتلت الحكم في هذه الفترة قد أقصت الحركة الإسلامية من الساحة السياسية إقصاء شبه كامل، ومن ثَّم ابتعد الفكر السياسي الإسلامي عن التأثير في الصياغات والرؤى السياسية التي أرست لقيادة العمل السياسي الوطني في هذه الفترة “(ص186)، في تعزيز البعد العلماني في الحركة القومية، يقول :” ولما كانت هذه الرابطة والحركة القومية تقوم على مبدأ وحدة اللغة والتاريخ مع الاتصال الجغرافي، ويدعوان إلى بناء الدولة وفقا لهذا التصنيف للجماعة السياسية. وهذه الفكرة لا تتضمن بذاتها وبمؤداها النظري نظاما اجتماعيا محددا ولا رؤية فلسفية معينة”(ص188)، ثم أشار إلى تلبس هذه الفكرة بالفكرة الماركسية، وفي المقابل بين أثر بعض المفكرين الإسلاميين في هذا الانفصام، حيث يقول :” وفي مجال الفكرة الإسلامية تبدو لنا فروق من النوع السابق، ومرد ذلك أن هذه الفكرة، كدعوة وحركة، وإن قامت عادة بوظيفة توحيدية، فقد قامت في الهند بوظيفة انسلاخية تتشابه مع ما قامت به الفكرة العربية في الشام، وكان لهذا تأثيره في الفكر السياسي الإسلامي الآتي من الهند، وهو تأثير تبلور في ما كتبه أو الأعلى المودودي عن القومية فجعلها صنو العصبية والجاهلية وروح المحاربة “(ص183)، وكعادته لم يترك الأمر بدون إشارة إلى حلّ، حيث قال :” والسؤال المهم الذي يجب أن يطرح علينا، هو كيف يمكن أن يلتئم الصدع، وكيف يمكن أن نعود من جديد أمة واحدة من حيث الإطار الثقافي المرجعي الذي نعبر به عن وطن فكري يضمنا جميعا مهما اختلفت وجهات نظرنا ومصالح جماعاتنا الفرعية “(ص78)، وفي التخفف من المسميات والروابط الجامعة يقول :” وفي إطار الروابط الجمعية فلدينا العروبة والإسلام، وكذلك الروابط القطرية، وليست المشكلة في وجود هذه الروابط، بل هي في تحديد نطاق الفاعلية لكل من هذه الروابط وحساب ممكناتها الجمعية، ثم في كيفية وضع هذه الروابط بعضها من بعض بما يضمن الفاعلية الإيجابية لها والتغذية المتبادلة بينها “(ص185)، ثم يختم البشري بأن مشكلتنا ليست دينية، مع تأكيده على أهمية المرجعية الدينية كمرتكز حضاري ضامن لتميز الأمة، وفي تأكيد هذا المعنى، يقول :” فالتجديد الحضاري المعني هنا؛ إذ يستجيب للمستحدثات الطارئة إلا أن نوع الاستجابة إنما تصدر عن الأطر المرجعية المعبرة عن أوضاع الحضارة السائدة لدى الجماعة بما استقر لديها من عقائد وبما اختزنته من مواريث التجربة التأريخية لها “(ص72)، “ فالتجديد مشروط ومحكوم بألا يفسد التكوين الحضاري العام وألا يشوهه، إن التجدد إصلاح ويفقد الإصلاح وظيفته إن كان من شأنه إفساد التكوين المطلوب إصلاحه، فنحن مطالبون بالتجديد لأن التجديد شرط للبقاء ولاستمرار الوجود، ويتعين ألا يسمى تجديدا ما يذهب بالوجود ويقضي عليه”(ص90)، وفي حدود ما نحتاجه من الحضارة الغربية يقول :” يبدو لي أن أكثر ما احتجنا إليه وما زلنا نحتاج إليه من منتجات حضارة الغرب هو سبقهم الذي لا يجارى في العلوم الطبيعية والتكنولوجية؛ أي : ما يمكن أن نسميه علوم الصنائع وفنونها، وفي هذا المجال الفسيح يتعيّن أن تتحول مسام أجسادنا كليا أسماعا وأنظارا لتشرب كل ما يتفتق في العالم من إنتاج ذهني ومادي، والجانب الآخر الذي يقوم على ذات المستوى من الاحتياج هو علوم الإدارة وفنونها؛ أي : كيفية التنظيم للعمل الجماعي وللطاقات المجمعة في أي من مجالات النشاط الذهني أو المادي “(ص97).
ليس هذا كل ما في كتاب الدكتور البشري، بل فيه نفائس تحتاج الوقوف عليها خصوصا في وقاعنا اليوم، حيث قدم نظرة معتدلة لمجريات الواقع وطرق علاجه، وإنما الغرض هو لفت الانتباه إليه، واستنطاقه في تصويب العمل الإسلامي اليوم.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل