الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فكرة ما ...من صحراء الضاحك

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:00 صباحاً

 إعداد وتصوير : بريهان قمق

انقذفت من جوف النوم إلى يقظة مبكرة على صوت منبه هاتفي الرابعة فجرا ..لم أنم منذ ثماني وأربعين ساعة سوى ساعتين كانتا كافيتين لمنحي طاقة خفية..  ارتديت ملابس سميكة على عجل فالبرد الصحراوي قارس..فتحت باب الخيمة الصغيرة التي لا تتسع سوى لشخص واحد، وفجاة تسمّرت مكاني أمام مشهد يبدو سديميا لكأن المجرات هبطت وتجمعت ها هنا بألفة بياض عجيب منبعث من الأرض والتلال المحيطة، وقد انزاحت العتمة بسحرية من ليل صحراء الضاحك ..
تلفت حولي مندهشة من سمفونية الصمت وجمال المشهد.. الكل نيام في المخيم؛ الذي أنشأته مجموعة من الشباب والشابات الأردنيين المتحمسين، مركز The Address، كمبادرة وطنية لرسم خريطة للسياحة الأردنية باستضافة هواة التصوير ومحترفيه، لالتقاط ما تجود به عدساتهم من أماكن سياحية وأثرية في أرجاء أردننا الحبيب لم ترها العين بعد، والمدعومة من وزارة السياحة الأردنية وهيئة تنشيط السياحة،  وشركات ومؤسسات أهلية بتفاعل العمل الجماعي لإبراز جمال بلدنا.. ..
مازلت متسمرة أمام صمت المكان الغرائبي..الصمت أيضا لغة، لعله موسيقى، لعل الصمت هو ذاته؛ هذا الضحاك..  لعله الموسيقى التي لم تُكتب نوتاتها ولم تُعزف بعد، والتي تستحق عناء أصحاب المبادرة لجعلها محمية من نهم الآلات المدنية المرعبة الزاحفة تدريجيا صوب هذه الصحراء المدهشة...
أماكن مختلفة متفرقة غارقة في الصمت، عدا هسيس نار عند طرف المخيم وحولها شخصان يستدفئان...حملت معدات التصويرعلى عجل، متوجهة اليهما وبعد القاء التحية جلست قليلا كي أتدفأ وأحتسي كوبا من الشاي الساخن على الحطب. تجاذبت أطراف الحديث مع الزميلين المصورين المتلفعين ببطانيات سميكة لشدة البرد، ومن ثم غادرت المخيم على أمل أن أحظى بلحظة غير هاربة مع أول اشراقة النهار..
خطوة تتبعها خطوات، فاختفى تدريجيا أثر ضوء نار المخيم، حتى اضطررت لاستخدام مصباحي الصغير.. وإذ بي أسمع همهمة غريبة،  أول ما تبادر لذهني ضبع ما، وقد تم تحذيرنا مسبقا بعدم المشي وحيدين في جنح الليل، انما شجعت نفسي للذهاب قدما دون أي سيناريو مسبق لاي مفاجئة، سوى حامل الكاميرا كوسيلة دفاعية..
داهم سؤال لابنة المدينة؛ التي تسير وحدها فجرا، كي تصعد الجبل العاجي الأبيض  في خاصرة الاردن، في البادية الشمالية الشرقية، ها هنا في فيضة الضاحكية على بعد 45 كم إلى الجنوب الشرقي من بلدة الأزرق، والاتصالات مقطوعة تماما وهاتفي لم يعد سوى منبه وبوصلة للاتجاهات..حقا ماذا أفعل هنا !؟
ما الذي أريد كشفه في صحراء تتسامر معها المجرات، وقد غدوت برية معفرة بالتراب أنام على الارض بكيس النوم الخفيف، وبخيمة تمكنني من رؤية النجوم .!؟
حقا ماذا أريد من هذه اللحظة غير الهاربة التي أتبعها بشغف خفي .!؟
أتابع الخطو، لست بخائفة من هذا الصوت المجهول فما من مرعب على كوكبنا سوى البشري الذي يفتك بجنسه وبكل مكونات الطبيعة...
طاقة المكان تسري في شبكتي العصبية ، تمنحني شجاعة خفية لصعود الجبل انما بحذر، فثمة مواضع لينة قد تنهار بسرعة..
استخدم حدسي وحواسي وشغفي وثقة بكاشح العتمة، كي يزيح لي شيئا مبهما كذاك الصوت، الذي ظل بين الفينة والأخرى يقطع الصمت بهمهمات عميقة..
ما أن بلغت أعلى الجبل حتى بدأ الضوء يتغلغل العتمة إعلانا بمقدم سيدة البهاء، وأبدت الصحراء أنيابا عاجية  ضاحكة...وبدت الغيمات السديمية تغادر الأرض، موشحة السماء، فما الغيمة إلا أخت الصحراء..
ترى هل هذا المكان النائي خرج من ضلع ماء  فأصبح يابسا  صخريا يلتمع بياضا .!؟ أم صدوعا متوازيه فانزلقت طبقات الأرض.!؟
المؤكد علميا أن العوامل الجوية الطبيعية صنعت سمفونية فنية أدت للتكشفات الصخرية والتكوينات الحجرية التي تعود الى العصر الطباشيري، فأوجدت أشكالا نحتية بالتذرية الهوائية والتجوية والتعرية..
في الصحراء تيه ما، وهو رديف لضياع الذات أيضا..انما في رحاب تيه الصحراء ثمة تاملات تحيلنا لطقس من التفتح الجواني، بذا تُعلمنا فن الإصغاء والتأمل،  تعلمنا أيضا فن الانتباه للتكوينات ولمزج الألوان وقصدها واقتراحها والتقابل معها..هنا؛ نشيد طويل يغري بالتداعي والتكشف....
في صميم الطبيعة المتكلمة بلغتها، مازلت أتحرك بعدستي فكيف اذن للخوف التسلل لي وقد مر بعض شباب البادية والدرك وحرس الحدود علينا ليلة البارحة في المخيم للاطمئنان علينا.. .فكيف للخوف اذن التسرب لي ..!؟
حتى الصخور التي أتسلقها تمتلك لغة حانية تشعرني بالآمان..
كل الحواس تتفاعل كي تحتسي الروح المشهد..ومن فوق أطلت تدريجيا الحارسة الأمينة ناثرة ضوءها تدريجيا، وباتت تلامس أطراف التشكيلات الحجرية العُليا فإذ بصاحب الهمهمة الغريبة «بومة نسارية» ترمقني بنظرة و تحلق بسرعة بعيدا ..ما كنت اقدرعلى تصويرها وقد فاجأني ظهورها واختفائها  خلف الجبل ،كانت نظرتها كافية لي،  فأنا ضيفة في بيئتها و معها كل الحق بالخوف من البشر فهي  مهددة بالانقراض، وتعيش هنا مع طيور أخرى كالقبرة و بعض الجوارح مثل عقاب البادية والرها والقطا والشاهين وبعض انواع الصقور والعصافير وعدد كبير من الحشرات الطائرة والزاحفة وحتى بعض الافاعي النادرة والتي اختبأت الآن بسبب البرد .. كما تعيش هنا حيوانات ثدية، مثل الفأر الشوكي الأسود، و عدد من ثعالب الرمال، و قطط الرمال والمهددة أيضا عالمياً بالانقراض ، ناهيكم عن الضباع ..
المنطقة صخرية ولكن تنبت فيها نباتات متنوعة ومنها النادر أيضا مثل بعض الشجيرات كالطرفة، والقطف، والروثة، والغذام، والربلة وغيرها ...
المكان فضاء واسع متنوع ، والصخور البيضاء لا تكف عن تعبيرها الصامت في أبديتها وتحولات الطبيعة.. انها أمنا الأرض..
انه الاردن الحاني حينما يتكلم بلغة الجمال كاشفا كنوزه الدفينه من إبداع الطبيعة..
طوفان من اللغة يعتريني فوق الجبل،وسط صحراء الضاحك، مع اشراقة سيدة البهاء تدفعني للتساؤل :هل ثمة سر في هذه المصابيح المنغرزة هنا وهناك في الخافية فينا ، فتكشف بذور الحقيقة في الحدائق الغافية على كتف الليل ..!؟
نعم وألف نعم للمبادرة الشبابية الأردنية The Address في جهدهم لتصنيف هذه الصحراء الأردنية المدهشة؛ النادرة عالميا،كواحدةً من المحميات الطبيعية الزاخرة بالتنوع الحيوي والبيئي...

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش