الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أمام شبح النكبة الثالثة

حسين الرواشدة

الثلاثاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
عدد المقالات: 2252

مثل اي انفجار يحدث في الطبيعة، وجد عالمنا العربي نفسه امام “نازلة” لم  يسبق ان مرّ بها في تاريخه المعاصر، ووسط الاحساس بالمفاجأة وما يرافقها من صدمة وارتباك بدأنا نسأل: ماذا حدث، ولماذا حدث، ومن يقف وراءه، وكيف نخرج منه ..؟ لكننا للأسف لم نوفق في الوصول الى اجابات واضحة، والأسباب عديدة منها ما يتعلق بغياب الخبرة والحكماء والنخب الحقيقية، ومنها ما يرتبط بهشاشة الدولة وما اصاب بنى المجتمعات من تفكك نتيجة تراكم الاستبداد والفساد، ومنها ما يتصل بالآخر الذي استدرك ما حدث فتدخل ليحافظ على مصالحه، لكن الحصيلة التي انتهينا اليها كانت تشير بأصابع الاتهام الى (3) مجالات شكلت عنوانا لهذا الانفجار: الاول مجال” السياسة”  التي فشلت في بناء الدولة والمجتمع على اسس المواطنة والعدالة والديمقراطية،وفشلت في بناء المجال الحيوي مع العالم والعصر على اسس الفهم والندية والاحترام .
المجال الثاني هو” الدِّين”  الذي تحول على يد بعض الدعاة والفقهاء الى “خادم” في ميدان السياسة وتابعا لها، او الى “سكين” بيد المهمشين والمظلومين و”المجانين”  ساعدتهم في القبض عليه احكام فقهية ودعوية لم تعد صالحة للاستخدام، اما المجال الثالث فهو “التاريخ”  الذي انفجر في وجوهنا فجأة بكل ما في “خزاناته” من وقود للصراعات بين المذاهب والطوائف، ومن فتن المظلومية والحاكمية، وقداسة الاشخاص والرموز.
لا بد ان نعترف ان ما يحدث في عالمنا هو انفجار تاريخي بامتياز، وببساطة اكثر فإن كل الانحباسات التي تحولت الى “دمامل” كبيرة وتراكمت عبر تجربتنا التاريخية، سواء أكان وراءها خيبات سياسية او جراحات دينية او عسر ثقافي او تخلف حضاري، وصلت الى درجة “الانفجار” وألقت ما بداخلها من دماء وسموم وتقيحات، لدرجة أن ما نشاهده الآن من نزيف تقشعر له الأبدان ليس الا نتيجة طبيعية لمرحلة طويلة من الاحتمال والانتظار الممتزجين باليأس والإحساس العميق بالظلم، بما يترتب عليه من محاولات للخلاص بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن هو الانتحار.
بعيدا عن منطق التشاؤم او التفاؤل، فإن منطقتنا تعاني  في هذه المرحلة من “مخاضات “ صعبة، اختلطت فيها أوجاع “الذات” مع “مكر” الآخر وضغوطاته وأطماعه،وهذه الولادات التي نشهدها هي مجرد “مسوخ” خرجت من أرحام مريضة وموبوءة، لكنها في غياب “الحكماء”  شبّت وتمكنت من الإمساك بزمام المبادرة وأحكمت يدها على البلاد والعباد، فيما وجد الآخر “ضالته” فيها، فتبناها ورعاها باعتبارها ابنا غير شرعي، ووظفها لتكون جسرا له لكي يصل الى اهدافه.
باختصار، نحن جميعا في ورطة: الانظمة والحكومات والمجتمعات ايضا، وكأننا ندفع ضريبة العجز والفشل والخوف التي ترتبت علينا على مدى عقود  استقلنا  فيها تماما من مهماتنا الوطنية والدينية والانسانية، ونكاد اليوم نبدو مكشوفي الظهر امام عالم متوحش، يريد ان يضربنا على ادبارنا، وينتزع منا ادنى مقومات حياتنا، ويعيدنا الى القرون الحجرية.
ماذا يملك الانسان العربي اليوم من عزيمة لرد العاديات التي تحاصر امته من كل اتجاه، هل يكفي ان يتعاطف مع المقهورين في سوريا واليمن وليبيا والعراق وغيرها من بلداننا التي تتقلب على جمر الحروب والصراعات، هل يكفي ان يبتلع الكلام لانه يشعر بالخجل من عجزنا عن فعل اي شيء، او اعتذارنا عن عدم القدرة على تقديم اية مساعدة، ان لم يكن ثمة تواطؤ هنا او هناك..؟
اذا كنا صادقين مع انفسنا لا بد ان نصارحها اننا امام نكبة جديدة اسوأ مما اصابنا من نكبات، نحن صنعناها بايدينا، ولا يمكن ان نتجاوزها الا اذا خرجنا من “خزانات “ الوهم والكذب والتدليس التي اورثتنا هذا الواقع المشؤوم، ليس فقط من خلال تجارب الاستبداد السياسي التي حولتنا الى عبيد، وانما ايضا من خلال منظومات التعليم والتوجيه وانماط التدين المغشوش واصوات النخب الكاذبة وضجيج الشوارع الفارغة وهتافات الاحزاب الصاعدة على جثث المهمشين، هذه التي انتزعت منا “اخلاقنا “ وافسدت ضمائرنا واغتالت ارواحنا، هي المسؤولة عما اصابنا من امراض، وما تولد داخلنا من تشوهات واحساس بالهزيمة وعزوف عن التضحية واستعداد غريب لتبادل الضغائن والجهر بالكراهية ورد التحية بالدم بمثلها او بما هو اسوأ منها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش