الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لبنان: تفتيش في المجهول !

عبد الحميد المجالي

الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
عدد المقالات: 96

كل ما قيل حتى الآن عن استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري مجرد ضرب في الودع واستنتاجات حتى من اعلى مستويات مناصب الدولة في لبنان،بدءا من رئيس الجمهورية، مرورا بقادة تيار المستقبل، ووصولا الى الفريق الاخر ممثلا بزعيم حزب الله ومن ورائه طهران . فرئيس الجمهورية ميشال عون ما زال ينتظر عودة الحريري الى بيروت لمعرفة اسباب الاستقالة ليقرر قبولها او رفضها لانه لايعرف ماذا جرى وفوجئ به . وخطاب نصر الله ردا عليها ليس الا مجموعة من التكهنات غير المنطقية وصلت الى حد القول ان الحريري ربما يكون معتقلا في السعودية، وذلك نوع من اقوال الجاهل باسباب الاستقالة ودواخلها، وبالتالي تحديد رد الفعل على قرار صنف كنوع من الزلازل السياسية في لبنان .

وليس غريبا او من باب الصدفة ان يكون هناك اسرار وخفايا في السلوك السياسي اللبناني حتى لو كان معلنا. فالسياسة في لبنان اساسها وقواعدها خارج منطق المعروف، نظرا للتركيبة غير العادية لمفاعيل هذه السياسة منذ عهد الاستقلال، فلبنان مثل ما له خصوصية في السياسة والديمغرافيا والجغرافيا، له خصوصية ايضا في اظهار اعماق السياسة فيه الى الضوء، لان الضوء عادة ما يكشف اكثر مما يجب واعمق مما هو متوقع، في بلد اعتاد على مداخلات سياسية اعقد واعمق من الاشتباكات السياسية التي عادة ما تجري في اي بلد عربي او عالمي اخر.

في لبنان الصغير سياسة اكبر مما يجب، وتداخلات اكثر مما هو معقول، سواء من الداخل او من الخارج، ورغم انه مفتوح لكل التيارات شرقها وغربها، الا انه مغلق على فهمها لخصوصيته وفرادته او تميزه على الجميع.

واكثر ما يثير الاستغراب في النفس، ان لبنان كان دائما يقف على الحافة سواء بفعل داخلي او خارجي؛ ففرنسا جرته منذ عهد الاستقلال الى تميزه المرفوض عن عروبته، وطوائفه جرته بعد ذلك الى حروب المحاصصة والصراع على السلطة اكثر من اي بلد عربي اخر، وتلك الطوائف استدعت بالرغبة او بالاضطرار الاخرين من الخارج اما لدعمها او تحوطا من محاذير واخطار المجهول، وعلى رأسها سوريا واسرائيل ومن ثم ايران، التي ارست سفنها على شواطئ السياسة اللبنانية وتعتبر ذلك حلا لعقد تعاني منها هي نفسها، وهي عقد التاريخ والمذهب والمظلومية والتوسع على حساب الغير.

وقد اوغلت ايران اكثر مما يجب، او اكثر من غيرها في الدخول الى اعماق السياسة اللبنانية، وتعمقت في تشابكات طوائفها الفريدة في ديمقراطيتها وتوافقاتها؛ ومن هنا يمكن فهم بعض ما جاء في استقالة الحريري رغم ان هناك ما هو اكبر واعمق مما هو معروف في ابعاد واسباب الاستقالة المفاجئة لزعيم سياسي لم يعرف اقرب اصدقائه اليه انه سيبتعد عن رئاسة الحكومة، ويترك لبنان في ساحة فراغ لايعرف متى يمكن ملؤها، تلك التي امتلأت من قبل بمعاناة امتدت شهورا وجرت فيها مناورات واتفاقات بعضها خارج المالوف لكنها ادت الى وصول الرجل الى رئاسة الحكومة وهو قادر على بعض ما يريد ويرغب او يستطيع، والبعض الاخر بقي في جيب حزب الله والتيار الوطني الحر الذي ربح رئاسة الجمهورية .

ولمن يريد ان يبرر للحريري استقالته على ضوء ما تحدث به علنا، فانه يمكن حصر المعطيات والاسباب وليس التداعيات بما يلي:

ـ حزب الله ومعه ايران طغى وتجبر ويمسك بعنق لبنان وسياساته في الداخل والخارج، مما ادى الى سيطرة دويلتة على الدولة، وذلك مرفوض وخارج منطق السياسة والمعقول.

ـ حزب الله يملك من فائض القوة ما يجعله اقوى من جيش الدولة وغالب عليها، ويزداد قوة بقوة ايران التي تفتح مخازن اسلحتها له دون حساب، وذلك يقع في باب المحظور بتعامل ووضعية حزب سياسي داخل دولة لها خصوصيتها السياسية منذ عهد الاستقلال، و اهمها توازن القوى والشراكة في العيش دون استقواء طائفة على اخرى.

ـ حزب الله يدخل بقوة في تنفيذ مشروع ايراني غير عروبي، هدفه تفتيت الدولة الوطنية العربية والسيطرة عليها، وذلك خارج اطار القومية والسياسة والمذهب والعروبة التي ينتمي لها لبنان .

ـ حزب الله تعدى حدود لبنان الى بلدان عربية اخرى، يهدد امنها وعروبتها ووحدتها، وهاهو موجود في سوريا والعراق واليمن والبحرين والكويت وشمال افريقيا، وذلك محرج ومكلف في السياسة والاقتصاد والحضور واكثر مما يحتمل لبنان الصغير.

ـ واشنطن واسرائيل تنظران الى حزب الله وايران كهدف على قائمة الحرب، وطغيانهما يضاعف من امكانية العمل للحد من هذا الطغيان، وذلك يعني الحرب بالدرجة الاولى، وهو اكثر مما يحتمل لبنان بعد ان جرب من قبل ويلات الحرب، وكانت مدمرة لبلد غير قادر على المواجهة، وهو امر خارج منطق معرفة حدود القوة اوالقبول بها او الرضوغ لمسلماتها؛ لان الحرب تعني تدمير وتشريد شعب والعودة ببلد ضعيف الى الوراء .

تلك حقائق تفرض نفسها سواء كانت في اطار استقالة الحريري اوخارجها. لكن لبنان في كل الاحوال جزء منها وفي داخلها، يعاني ويتململ ولايعرف كيف يخرج من القفص؛ ولعل استقالة الحريري جزء ايضا من تلك المحاولات، غير ان الذي يبقى مجهولا في دواخل السياسة اللبنانية وخاصة في تداعيات ما حدث، يبقى اكبر واعمق، والتفتيش فيه اصعب؛ لان المستقبل في لبنان دائما ما يغطيه الضباب والخوف،لانه محكوم بالوقوف على الحافة او ما هو ابعد منها في الحرب والسلام.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش