الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الزعتري» قصة لجوء تحمل وجعًا .. وأطفال آمنوا بأن «الوطن هو الأمان» ..

تم نشره في السبت 21 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

   كتبت :امان السائح  

للجوء في مفردات اللغة معانٍ واضحة ومصطلحات جامدة، لكن للواقع باللجوء قصص ومفاهيم ولوحات مختلفة، ترسم على وجه أصحابها قصصا لا تشبه شيئا ولا تتمازج الوانها مع احد وتتحدث عن كل الوجع وكل ملامح الفقدان، وكل اوجه الغربة والحزن وتجاعيد السنوات والخوف ..

القصص ليست بكيفية الخروج من الازمة او انتشال الروح من وجع الدمار واصوات القذائف والولوج الى بر امان، لكنها اليوم وبعد مرور نحو ست سنوات على الازمة السورية، حيث «الزعتري « هو بر الامان للاجئين السوريين ومحط الاحساس بالمظلة، وتوفير الاحتياجات الرئيسية، هي الوجهة التي جمعت ابناء الزعتري الذين يصل عددهم ربما الى 80 الف لاجئ، بعضهم او ربما العديد منهم من الاطفال الذين ولدوا هنالك حيث لم يعرفوا للوطن عنوانا او ملامح، ولا يزالون ينظرون الى واحات وساحات و» بركسات المخيم « بانها هي ملاذهم وهي وطنهم وهي جرحهم الذين يلعبون في ساحاته دون ان يعلموا الحقيقية، لكن هنا هو الوطن لهم .

 الزعتري وفي زيارة نظمتها منظمة الامم المتحدة للمراة خلال زيارة للحاكم العام لاستراليا قبل ايام، كان هنالك وجه غير رسمي لهذا المكان استطعنا من خلاله ان نرى الوجوه مليا وان نحدق بالعيون التي تسرقنا بملاحقتنا وتستجدي الحديث المشروع عن حالها وهمومها واوجاعها وحنينها للوطن، كان هنالك وفي مشاريع الامم المتحدة الخاصة بالمراة واحة تخص المراة بكل معالمها فها هن النساء يعملن بالخياطة والموازاييك والتحف البسيطة ضمن مشاريع تشغلهن لصالح لقمة العيش والعديد منهن ازواجهن مصابون لا يعملون ويعيشون على المعونات التي تقدمها منظمات الاغاثة والمساعدات المختلفة، وكرت الفيزا الذي يصرف عشرين دينارا لكل فرد بالاسرة !!

 في تلك الساحة كانت النساء ينظرن الينا، يرغبن بحديث ربما اكثر حاجة منا كاعلاميين للحديث، يقلن لنا كلمة عاطفة واحاسيس بعيدة عن السياسة التي اصبحت لا تشكل لهن اي منطق او مصدر للكلام، فبعضهن قلن اريد ان اعود الى هناك الى سوريا الى بلدي واجلس فوق ركام المنزل حتى وان اكلنا خبزه وبصلة، اريد ان اشعر بالوطن واعود اليه لقد اشتقت لرائحة التراب، لحاكورة بيتنا الريفي الذي كنا نزرع فيه كل احتياجاتنا ونأكل دون الاحساس باي عوز ..

وتلك السيدة التي لها من الابناء ثلاثة تقول نعم، لقد فرقتنا الاحداث امي واختي في تركيا، وابي واخي في مصر واخرون في لبنان وانا هنا وزوجي وابنائي، اريد ان اعود لمنزلي والتقي باهلي واحضن تراب بلدي، لقد اشتقت للوطن ..

 فتاة بالعشرينات من العمر وقد ذاقت مرارة الوجع وفقدت قدمها ويدها تقول، اريد ان اكون فتاة اردنية تحمل الجواز الاردني، لا اريد العودة، فوطني لم يجلب لي سوى الدمار والاصابة والطلاق وفقدان اهلي، لا اريد ان اعود اريد ان ابقى هنا حتى الموت، اريد ان اكون حرة طليقه،  فالوطن هو الامان والاحساس بالامن وانا فقدت الامان وعشت الخوف والرعب وفقدت حياتي واهلي واعضائي، لا اريد العودة ..

 نساء قلن كلمتهن وبعضهن تحدثن بوهج اخر لتقول احداهن اضطررنا ان نبيع بناتنا « شرعا بالطبع « لمن يدفع اكثر للزواج وحصل،، والجميلة الاكثر لمن يدفع مهرا اعلى، ونضطر لأن نزوج باعمار صغيرة، وتبقى الفتاه تحت اسم اهلها حتى تصل الى عمر18 وتنفصل ليبقى الاب مستفيدا من رقم الـ 20 الذي يدفع لها كفرد من الاسرة !!

 اللجوء  لا يختلف بقصصه،  ومخيم الزعتري يحمل الاف لا بل عشرات الالاف من القصص، شوارع تعج باسماء سورية دمشقية، من صالونات تجميل، ومحال لبيع الفواكه والخضار، والدواجن واللحوم، فمن باب، الحارة الى اللمسة الجميلة، لمحال بيع ملبوسات اطفال وعرائس ورجال ونساء، وبالات على طول الطريق، وتسمية لشارع « الشانزيليزيه « بما يعج من محال مختلفة لا تترك مساحة الا ويستفاد منها، اضافة الى الابرز من اماكن لتصليح الدراجات الهوائية التي تكثر بالمخيم لمساحته الواسعة ولايجاد وسيلة انتقال من بقعة الى اخرى .

 وللطفولة بالزعتري لا يمكن ان نقول قصصا لا، بل كل شيء ما عدا القصص فهؤلاء الذين لا يعلمون شيئا سوى الاحساس بالخوف واصوات القنابل والقذائف حتى خرجوا محمولين باحضان امهاتهم وعلى ظهور ابائهم هربا منها ليصلوا الى حصن الاردن، وكانوا بحالة هلع وخوف ورعب لا يمكن الا ان تراها حتى اللحظة باعينهم وقوة شخصياتهم ورغبتهم بالحديث والمبادرة، لكن نظرات الخوف لا زالت تسيطر على عيونهم المفعمة بالطفولة وجمال الوجه المائل الى سمرة شمس المفرق والزعتري الذي اصبح بالنسبة لهم وطنا ..

 فها هو «شادي « يسبقنا الى كل الاماكن وهو يعرفنا الى الاصحاب من حوله واخوانه ويقول لنا كلمته، « انا سعيد هنا، اذهب للمدرسة صباحا واتي بعد المدرسة لالعب بالرمل وبعض الالعاب البسيطه، واغادر مع امي او ربما وحدي الى بيتي والعب مع جيراني هنا وهناك حتى يأتي الليل ونأوي جميعا الى الفراش، بانتظار شمس يوم جديد .. 

واحمد الذي يبلغ من العمر خمس سنوات يقول اريد ان ابقى هنا، انا سعيد بالزعتري، يعلمون اسم المكان ولا يعلمون لماذا هم هنا، لكنهم وعوا على هذه الشوارع والازقة، وهؤلاء الصحبة ممن حولهم، وتعدوا مرحلة الغربة الى احساس لا يمكن ان يفسر بالوطن والامان، والطفولة التي ربما تغيب احيانا لكنها تحضر ببعض الاحيان هكذا على غفلة ..

لكن « هبة «  ابت الا ان تبقى تدور حولي كي احدثها، لم اجرؤ لانها صغيرة وربما لا تقوى على الكلام، لكنها فاجأتني لتقول وانا هبة، خمس سنوات لكن ملامحها وعيونها تقول غير ذلك، تروي قصة طفولة وجمال وحزن ورعب بين السطور وفوق هامتها وشعرها المليئ بحبات الرمل جراء اللعب، لتداهمني بالجواب قبل ان أسأل لا اريد العودة الى هنالك لانه في بلدي « في قواص « اي ضرب وطخ واصوات قذائف لتبكي بحرقة وتغيب عن نظري، وابقى ابحث عنها فلا اجدها الا ونحن نغادر المكان لتبتسم وتحضنني وتودعني بيديها الصغيرتين..

 الاطفال هم روح الزعتري وهم اصحاب الحق بكل شيء، فالمدارس بالفترة الصباحية كانت تعج بالالعاب الجميلة القديمة لتجتمع البنات والاولاد على لعبة «وردة مفتحة « و» طاء طاء طائية « ليعيدوا الزمن السوري الجميل الى باحات الزعتري ويغنون اغاني الوطن دون ان يعلموا ماهيته ولماذا غابوا عنه، في لوحات جميله رسموها بوجودهم داخل حلقات اللعب وبصور ملونة رسموها على جدران الزعتري عبروا فيها عن حالهم وقصصهم البائسة، لكنهم مؤمنون انهم يعيشون الحياة ..

الزعتري وجع كبير لأنه يجسد معالم اللجوء والبؤس يقصص تتكرر منذ عشرات السنين لكن باسماء مدن مختلفة وكوارث فاللجوء الفلسطيني حمل جراحا صدرت للعالم وحفرت بالقلوب قصصا والالما ودماء لا تزال، واللجوء السوري جاء باشكال اخرى ووجوه ولهجات اخرى، لكنها تحمل ذات الجراح بأنهم جميعا غادروا بلادهم ربما بلا عودة وربما للابد واصبحت لهم اماكن لابد ان يعتبروها وطنا ليقنعوا جيلهم بأن الامان حولهم، ويجلبوا لهم حرية الوطن مرة اخرى، حيث لا بديل عن ذلك ولا حضن قد يكون أدفأ من هذا الذي يقطنون فيه الآن « الزعتري «. «..

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل