الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فكرة ما ..العين بوابة الروح

تم نشره في الثلاثاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

بريهان قمق

«العين بوابة الروح»، تعبير يلازمني بحكم أنني قدرا ابنة الصورة، منذ انغماسي تلفزيونيا، متدرجة عبر عقود أمام الكاميرا، متنقلة بين أنواع برامجية مختلفة، وبين محطات تلفزيونية ودول عديدة.
حتى تآنست عدسة الكاميرا وغدت صديقة لي، وخرجت عن مسارها بوصفها وسيلة، بل غدت روحا أخاطبها كما الجمهور، وبذا فتحت لي مسارب علاقات متفرعات من منبع العين ذاته، أي  بوابة الروح، وعلى عدة مستويات، أكثفها بـ:
عين كتابية تصوِّر ما أراه، ولكن ليس صورة بالضرورة، وإنما ما يتعين ترجمة معرفة تراكمية في الدماغ، تروح لعوالم الإعداد البرامجي، كما تجنحت بعوالم الأدب والشعر...
 وعين كلامية من علم الكلام وإتقانه، وحتى تغلغله في نبرات وخلجات الصوت، تأتي من الماوراء بما لا أعرفه كي أكتشفه بما يصلني بالآخر، وبما تصلني كي تبلغني  انطلاقا من مكان الكشف والتحليل والتفاعل...  وهما «كتابية وكلامية»، عينان تولدان فضاء معرفيا وبرهانيا للوقوف بثقة أمام عين الكاميرا المؤنسنة بكل أريحية...
كل هذا أدى تدريجيا لتشكيل وعي خاص في عالم «العين الصورية « من أبعاد معقدة، منطلقة بما هو أساسي للتعامل البشري ليس بوصفه حاسة أساسية، إنما  طريق مدهش يدوخ  بالمعاني...
ذلك أنه لتحقيق الفهم مهنيا يتطلب فهما في كيف تفكِّر العين، وكيفية حدوث الرؤية، وهي مجموعة من الرموز والعلامات والأشكال والأحجام والألوان، وإلى آلية الضوء ولغتها، وما تروح إليه بعلاقات معقدة في الخلايا البصرية إلى الدماغ كي تحدث سيمفونية في أقل من جزء من الثانية فيما تتركه من أثرعلى المتلقين، وقد تحول علما يُدرس بالجامعات، بل سلاحا إعلاميا ودعائيا هاما.
التفكير بالعين أشغلني طويلا، مبحرة في عوالمه الحياتية والعلمية كالفيزياء والفنون  قديمها وحديثها، وما يتطلبه من زوادة التنمية المعرفية للشعورالذاتي، لرفع مستوى التعبير، وتقديم رؤية جمالية، لإحداث عمليتي التأثر والتأثير بالتفكير، المشاعر والحواس والحدوس، الإمساك بأنامل  جمالية التفكير، التفكيك  البصري، الظاهر المرئي للعمل الفني بما يروح إليه ضمنيا.
والذي بالضرورة يتطلب تراكما فنيا في الذاكرة، من تشكيل ونحت وزخرفة قديما وحديثا، موروثا وابتكارا، تجعل من الشبيه والنظير أساسا للتعبير عبر الصورة التي حملتني من الصورة التلفزيونية إلى لحظة غير هاربة ضوئيا، أي الرسم بالضوء الفوتوغرافي لما يظهر بالرؤية مختلجا بتراكمات تفاعلية.
هذه الخبرة الجديدة حملت نقلة نوعية ومغايرة تماما لما كانت عليه علاقتي مع الكاميرا والصور المتلاحقة تلفزيونيا، بالانتقال إلى لحظة واحدة غير هاربة الأكثر روحية في التشبع البصري، والكتابة بالضوء، بدءا من عمومية كل شيء في المشهد المراد تصويره، إلى التفصيل الدقيق لوجوب رؤية أخرى بوصفها بُرهانية الفكرة...
فالواقعية تتداخل مع التخيلي والشعوري في الصورة الضوئية، ولكن، ولأنَّ الواقعية والأصالة وحدها لا تكفي للحكم على القيمة، ولا حتى التعبير بوسائل تقنية فنية عالية عبر معدات حديثة، بل لا بد من قيمة تأتي فعليا من إضافات وتصورات المخيلة للصورة، أي مستندة لشعرية وفكرية العين كي تغدو حقيقة رسما بالضوء عبر تدفقات الروح...
الفنان  الضوئي يدرك أنَّ ثمة اختلافا جوهريا بين الواقع المرئي والواقع المُدرك، بل أعراضه خاضعة للتبديل والتغيير، وبخاصة تأثرا بعنصر الزمن، وهنا بدأت تستهويني الأعماق المستترة بنهم شديد، وبذا بدأت تنهار نظريات الزمان والمكان في العمل الواحد، ونظرية التشابه الظاهري بين المرئي، فالضوء ينطوي عما يتجاوز أطيافه السبعة المؤثرة على الصورة، لتاثيرات أشعة لا مرئية ربما نتنبه إليها لحظات الشروق والغروب بألون الغيوم، أو التصوير الجمالي بالاتكاء فقط على الأشعة تحت الحمراء، وغيرها الكثير مما يتكشف من مساحات هائلة للضوء...
ومن هنا بدت الروح تستشعره بشفافية شعرية عبر العين، والتي لا أنفك عن تسميتها بمحبة: بوابة الروح... !

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل