الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الحداثة والأدب

تم نشره في السبت 14 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
د. دلال عنبتاوي

    يتجاذب الإنسانَ في كل زمانٍ ومكانٍ دافعان: الأول يشدّه إلى القديم المألوف، والثاني يدفعه للتطلّع إلى ريادة المجهول وشق طريق التأمّل والبحث في الغد المأمول، فهو دائماً بين ضغط الحفاظ على مألوفاته وعاداته وأعرافه، متعلقا بـ (التراث) أو (الأصالة)، وبين جاذب آخر يتطلع من خلاله إلى التطور والتقدم، الذي أصبح يعرف بـ (الحداثة) أو (المعاصرة(.
لقد بدأ الباحثون والنقاد والأدباء والشعراء، البحث في  الكشف عن ظاهرة الحداثة بهدف تفسيرها وتوجيهها وصقلها وتصحيح مسارها. وقد أُطْلِقَت الحداثةُ في عصرنا،على التحولات الفكرية التي حصلت في العصر الذي تلا النهضة الأوروبية بعد الثورة الفرنسية، ومع مرور الأيام كثر استعمال مصطلح «الحداثة»، في غير مجال حتى التبس الأمر في مدلول هذا اللفظ.
توضح معاجم اللغة أن الحداثة، مصدر من الفعل « حَدَثَ «، وتعني نقيض القديم، والحداثة أول الأمر وابتداؤه، وهي الشباب وأول العمر، أما في المفهوم الاصطلاحي  فهي اتجاه جديد يشكل ثورة كاملة على كل ما كان وما هو كائن في المجتمع وهي كظاهرة حضارية؛ ارتبطت بظواهر وموضوعات أساسـية أهمـها: المرأة/ المدينة/ الفردانية.
وقد عرف رولان بارت الحداثة؛ بأنها انفجار معرفي لم يتوصل الإنسان المعاصر إلى السيطرة عليه فيقول : « في الحداثة تنفجر الطاقات الكامنة، وتتحرر شهوات الإبداع في الثورة المعرفية مولدة في سرعة مذهلة، وكثافة مدهشة أفكارا جديدة، وأشكالا غير مألوفة، وتكوينات غريبة، وأقنعة عجيبة، فيقف بعض الناس منبهرا بها، ويقف بعضهم الآخر خائفا منها، هذا الطوفان المعرفي يولد خصوبة لا مثيل لها، ولكنه يغرق أيضا».
والحقيقة أن  الحداثة تقدم نفسها على أنها إشكالية تستعصي على الحل من المنطلق النظري، وقد ساعد التجريب المستمر في الفن والأدب،على نمو الإدراك الواعي للتغيير عند الفنانين والأدباء، من خلال سعيهم للانفصال عن الحقب السابقة، لتأكيد القدرة على الإبداع والتفوق في ظل إيقاعات الزمن المتلاحقة، والتطور المذهل في النمو المعرفي والمتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد تجلت آثار هذا التجريب في أعمال الكتاب والفنانين
لقد ظهر تيار الحداثة في الغرب نتيجة للمد الطبيعي الذي دخلته أوروبا منذ العصور الوثنية في العهدين اليوناني والروماني، امتدادا إلى عصر الظلمات، مرورا بالعصور المتلاحقة التي تزاحمت بكل أنواع المذاهب الفكرية، والفلسفات الوثنية المتناقضة والمتلاحقة، وقد كان كل مذهب عبارة عن ردة فعل لمذهب سابق. إن الحداثة في الأدب ما هي إلا فرعٌ عن الحداثة في الفكر، إذ يعتبر الأدب (شعراً أو قصّةً أو روايةً أو مسرحيةً أو..) إحدى أهم قنوات التحديث ووسائله، من حيث هو وسيلة التواصل بين الأفراد والمجتمعات، للتعبير عن الأفكار والهواجس والدوافع والمطامع والمطامح، وكل ما يدور في خلد الإنسان وفكره.
إلا أن الحداثة في الأدب العربي، لم تتهيأ لها من الظروف التي واكبت الحداثة عالميا إلا النزر اليسير، ذلك أن مجتمعنا العربي، كان – وما يزال- يفتقد إلى التحولات الجذرية التي عاشها الغرب، سواء في المجالات الفكرية أو العلمية، ولذلك؛ لم يعرف الأدب العربي في تاريخه الطويل، قضية أثارت حولها من الجدل والنقاش، كقضية «الحداثة» التي بدأت تثار منذ مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، وقد اختلف النقاد العرب في بدايات ظهورها فمن النقاد من يرى البداية في محاولات شعراء المهجر، ومنهم من يعزوها إلى حركة الشعر الحر التي انطلقت في بغداد، ومنهم من يعتبرها مرتبطة بمجلة «شعر» . وليس في وسع أحدٍ أن يماريَ في المنشأِ الغربي لمذهب الحداثة الشائع لدينا ولادةً وحضانةً وتصديراً، بحيث لم يكن لمفكّرينا ومثقّفينا وفنانينا وأدبائنا من دور سوى التلقّي والقبول، والتبنّي والترويج، الأمر الذي يعترف به الحداثويون العرب أنفسهم، و يؤكد محمد برادة أن الحداثة مفهومٌ مرتبطٌ أساساً بالحضارة الغربية وبسياقاتها التاريخية، وما أفرزته تجاربها في مجالاتٍ مختلفة، ويصل في النهاية إلى أن الحديث عن حداثةٍ عربيةٍ مشروطٌ تاريخيًّا بوجودٍ سابقٍ للحداثة الغربية، وبامتداد قنواتٍ للتواصل بين الثقافتين .
نحن مع الحداثة في العمل على إعادة صياغة الشكل، وفق ضوابط سليمة، ولسنا معها في سعيها؛ لأن تجرّ الأدب العربي إلى ظلمات اليأس.
نحن نريد أن يستفيد أدباؤنا وشعراؤنا من إيجابيات الحداثة.. من الوعي المبدع والخيال الخلاّق.. من الأبعاد الجمالية الأخّاذة.. من الظلال الفنية الموحية.. دون التورط في العوالم المجهولة، والتلبّس باللاّهدفية واللاّجدوائية، والفوضى الفكرية واللغوية، والانبتات عن الجذور، والضياع في بحرٍ من ظلمات الطلاسم ومتاهات الغموض.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل