الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الجناية على المصطلح الشرعي

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً


د. عصر محمد النصر

تتعد جوانب النظر إلى المصطلح وتتنوع تنوعا كبيرا، فمن جهة تنظر إلى بنيته ومكوناته، ومن جهة أخرى إلى أصله والعلم الذي ينتمي إليه، وكل أولئك تفيد أيما إفادة في فهم المصطلح، ومن جهة ثالثة ينظر إلى المصطلح كرمز وهوية للأمة حيث يمثل تراثها، ويكتنز خصائصها، وهذا يجعله يكتسب أهمية كبيرة في ضمير أبناء الأمة، وفي بيان أهمية المصطلح يقول الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي :” الإشكال المصطلحي إشكال عظيم، لا يقدره قدره إلا الراسخون في العلم، وقد كان همّ النبوات، مذ آدم عليه السلام، تسمية الأشياء بأسمائها، وضبط كلمات الله عز وجل لكيلا يعتريها تبديل أو تغيير. والدين، مذ كان، تعريف وتثبيت لمفاهيم المصطلحات الأساسية التي يقوم عليها التصور الصحيح للكون والحياة والإنسان “( دراسات مصطلحية ص5)، فحفظ المصطلح وتثبيته هو في حقيقته حفظ للدين نفسه، وهي من الضروريات الشرعية، ومن الأولويات خصوصا في هذا الوقت كما سيأتي، ومن المقدمات المهمة في التعامل الشرعي؛ العلم أن المصطلح الشرعي هو مقدمة مهمة للامتثال، وهو المقصد الأهم في الشرع، فمعرفة المصطلح وحفظه هو جزء من هذا الامتثال، ومن جانب آخر فإن المصطلح موجه للتدين حيث تتمايز أعمال الناس وعباداتهم.
ما تقدم تقريره يوضح لنا أهمية المصطلح وضرورة حفظه وصونه، وفي المقابل يوجب الحذر من المساس بالمصطلح وتحريفه، على أن الناظر في واقعنا اليوم يلحظ نوع استهانة في التعامل مع المصطلحات الشرعية وما تكتنزه من مفاهيم، وفي تقويم هذا التغيير في التعامل مع المصطلحات الشرعية قد تلتمس عدة أسباب لمثل هذا، بعضها يتعلق بطبيعة التدين لدى فئات من الناس، ومن الأسباب تغير البنية الاجتماعية حيث طرأت محددات  جديدة نقلت التفقه ومفاهيمه التقليدية المستقرة إلى أطر جديدة تمثلت بالجماعات والتيارات الفكرية بل تمثل ذلك بالبنية الجديدة للدول وانعكاس ذلك على الفكر، حيث تحمّلت المصطلحات حمولة زائدة على ما تقرر في المنظومة الفقهية التقليدية، مما أوجب قدرا من السلبية وأنتجت مظاهر غير حسنة؛ كالتهاون في التعامل مع بعض المصطلحات والتقليل من شأنها، وهذا بدوره انعكس على المفاهيم الشرعية وعلى توجيه التدين وطريقة امتثاله، وحتى لا يخلو الأمر من التمثيل ويبقى في حيز التنظير، نضرب على ذلك أمثلة توضح المقصود، فمن ذلك انتشار النكات عند كل موسم شرعي أو آية كونية، فقد يكون لهذا أثر في التدين والامتثال، وتغيب خلفه جملة من الأحكام، فحرارة الشمس مثلا تتعلق بها أحكام شرعية متعددة كتأخير الصلاة، وتذكر أحوال الآخرة، وهبوب الريح آية عظيمة كان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى أن تكون عذابا، ومثل ذلك يقال في الخسوف والكسوف والليل والنهار، فما يطلقه الناس على هذه الآيات كتسميتها بالظواهر ونحو ذلك ذهب بالطريقة الصحيحة في التعامل معها، وقد انجر هذا على أنواع من المصطلحات كمصطلح الحكم وولاية الأمر، فظهر مصطلح “ التسحيج” وهو ذو دلالة سلبية حيث يشير إلى مطلق الولاية والتي تتجاوز الحدود الشرعية، إلا أنه كما تقدم يخفي جملة من الأحكام المستقرة في التراث، وقد انسحب إطلاقه على التعامل مع بعض النصوص الشرعية كقوله صلى الله عليه وسلم :” وإن جلد ظهرك وأخذ مالك “ وغيره من النصوص، فذهب هذا المسلك بالقدرة على تقويم هذا الفعل وغاب المشروع منه، ومن المصطلحات التي حمّلت حمولة سلبية زائدة على القدر المشروع مصطلح “الوسطية” و “الاعتدال” حيث أخرج منها صور الشرعية جاءت بها النصوص الشرعية في الكتاب والسنة، وطوعت لمنظومة حداثية أجنبية، ومن ذلك “ التطرف” حيث حمل حمولة زائدة خرجت به عن الحد المشروع وذهبت بأحكام ثابتة مستقرة.
في التعامل مع المصطلحات والمفاهيم الشرعية تغيب ملامح التكليف في وقتنا الحالي حيث ذهبت الانتماءات متقدمة الذكر بالطريقة الصحيحة في التعامل مع المصطلحات والمفاهيم، وحلّ محلها محددات جديدة، والأصل أن ينزل كل مصطلح حادث بالنظر إلى معناه منزلته اللائقة به ويحكم عليه من خلال ما استقر في المنظومة الفقهية، وغياب هذا القدر يورث جناية على المصطلحات والمفاهيم الشرعية، ويذهب بتدين الجيل مذاهب غير حسنة.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل