الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قــراءة نـقـديـة لـــ«أحتاجه عندما أصــغــر» لـهــدى الشاعــر

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

] منيرة صالح
«أحتاجه عندما أصغر»      قصة: هدى الشاعر
رسوم جهاد غرايبة  سما للنشر والانتاج الفني 2016
مقدمة: القصة تدريب حيٌّ للأطفال للتخلي عن أنانيتهم، وإقناعهم بصورة لطيفة كيف يمكنهم  يستفيدوا من الأمر، فالأمر يبدو من الخارج، أن على الطفل أن يتخلى عن ممتلكاته الثمينة لأطفال آخرين دون سبب. ولكن القصة تحكي لهؤلاء الأطفال، أن الأمر متعلق أكثر بقانون الأخذ والعطاء،  امنح ما لا تحتاجه لمن يحتاجه، ولسوف ترضى، بذلك أنت ستحصل على أماكن واسعة لترتيب أغراضك الجديدة، بدلاً من تلك التي أصبحت لا تناسبك.
وتعالج القصة الأفكارغير المنطقية لدى الأطفال. وبطل القصة  ظل يعتقد لفترة طويلة أنه سيصغر وسيعود لاستخدام أغراضه التي يحب.
الرواي هو بطل القصة، الذي يحدثنا عن مناسبة عيد ميلاده ،ويحلم أن يحصل على هدايا كثيرة خلال الحفل، وكانت هدية أمه معطفاً أزرق جميلاُ، ومن هنا بدأت الحكاية، عليه أن يترك معطفه القديم الذي أصبح صغيراً عليه، لأخته  الصغيرة ريم، وهنا يشعر  الطفل بالخيبة ، لا يريد أن يتخلى عن شيء يحبه، ويستفيد منه بوضع العابه في جيوبه الكبيرة، وحلوى جدته. تطلب الأم من الطفل أن يجرب المعطف القديم فيبدو شكله مضحكاً به. لقد صغر عليه، مع ذلك كان من الصعب عليه التخلي عن معطفه الأحمر لأخته التي تملك ألعاباً وثياباُ كثيرة .
وتتكرر الحكاية مرة أخرى، اشترى له والده دراجة كبيرة وجميلة، وطلب إليه أن يعطي أحمد أبن عمته دراجته القديمة، التي تناسب عمره تماماً، وتعود الأفكار تهاجمه. كلا لن يتخلى عن دراجته الحبيبة، فهو سيحتاج إليها عندما  يصغر. وتحكي الصورة كيف أنه قد نام في سريره، يحتضن دراجته القديمة.
وتتكرر الحكاية، حذائك الأسود.. لا زال جميلا وأنا أحبه سأحتفظ به حتى أصغر!
،قميصك الأزرق ذو الأزرار الملونة.. لا هذا القميص أحضره لي جدي في أثناء سفره ولا بد أن البسه يوماً عندما أصغر!
وبنطالك الأخضر ذو الخطوط الحمراء لقد أصبح قصيراً جدا عليك،، لا هذا سأحتاج إليه و..  و.. و..
تقوم الأم بالتحدث إليه: أن الانسان ينمو ويكبر ولا يعود يصغر، لكنه لا يصدق ذلك، ويعتبر الأمر حيلة للتخلص من أشيائه الثمينة. تتكوم الأشياء في خزانته، وغرفته، وتحدث الفوضى. وبدأ يضيق بغرفته الممتلئة بأشياء كثيرة لا يحتاج إليها. وتنمو قناعاته أنه يكبر ولا يصغر ويقرر: أنه لا يحتاج إلى أشيائه القديمة.
يحضر الطفل صندوقاً كبيراً ويجمع فيه كل ما لا يحتاج إليه ويحمله الى أمه..
بنت الكاتبة هدى الشاعر قصتها الواقعية في سياق واقعي محدد، هو بيت تعيش فيه أسره فيها طفل، وطفلة، وأم، وأب.
ووضحت الشخصية المحورية في القصة، ببعدها الثلاثي، فالبعد المادي؛ هو طفل قد نما وكبر حجمه قياساً بالسنة الماضية.
والبعد الاجتماعي؛ أنه يعيش مع أسرته، وهو يوشك أن يحتفل بعيد ميلاده، ولديه الكثير من المتعلقات والأغراض التي يجب أن يتركها لمن يحتاجها. وأما البعد النفسي؛ فيبدو أنه طفل  لديه تمركز عال حول الذات، هو لا يستطيع التخلي عن ألعابه وملابسه القديمة، ويقوم بتجميعها حتى فاضت الخزانة والغرفة بما تحتويان.
وللشخصية هدف ودافع.فهو يكدس ممتلكاته القديمة بهدف أنه سيجدهاعندما يصغر.
وكمثل هذه الحكاية، التي يرويها الطفل نفسه، ويقدم الأحداث من وجهة نظره في سرد ذاتي عمَّر القصة. وهو الأسلوب ألاقرب إلى إدراك الأطفال.حيث سيشعر كل طفل  يقرأ القصة أنه يرويها عن نفسه وبذلك يحدث تأثيراً أكبر .
فالمشكلة هي عدم قدرته على التنازل عن أشيائه القديمة، وتركها لمن هو أكثر حاجة إليها منه. ولأن عدداً كبيراً جداً من الأطفال قبل سن العاشرة يعانون من المشكلة نفسها، وسيجدون خبراتهم مطبوعة في كلمات القصة؛ سنقول بأن القصة تنتمي إلى حكايات المرآة .هذه الحكايات التي ستؤكد للطفل أنَّ مشكلته شائعة بين الأطفال في سنه، وعليه الآن أن يقوم بحلها بنفسه. بعدما رأى كيف يمكن  معالجتها عبر القصة.. 
للقصة بداية، ووسط، وخاتمة، وزمان، ومكان، معروفان. بدأت الكاتبة في القصة مباشرة، مع تمهيد ممتع وقصير على لسان الطفل، الذي يحدثنا بأن اليوم هو أهم يوم في حياته فاليوم هو عيد ميلاده، وهو يتوقع  قضاء وقتٍ جميلٍ باللعب ، وتناول الحلوى اللذيذة، والحصول على هدايا كثيرة. والعبارة الأخيرة فيما يخص الهدايا،  كانت الجملة التي بدأت بعدها مشكلة الشخصية في الظهور .
نستطيع القول، أن الحكايات الواقعية هي على العموم قصص ذات هدف أخلاقي. ولكن  طريقة المعالجة هي التي تنقذ موضوع القصة من الملل، وهنا عالجت الكاتبة الموضوع بمهارة عالية، وفكاهة لا تنتهي، خاصة أنَّ الراوي هو صاحب المشكلة. وهو الشخصية المحورية في الحكاية. فحققت الكاتبة الهدف بلا مواعظ  بطريقة مرحة يحبها الأطفال في كتبهم. فقد وضحت  المشكلة ولم تخبرنا عنها، وكذلك أعطت الشخصية الرئيسية خيارات، وأكدت الرسومات التي صاحبت الحكاية ذلك. فالأم تقترح على الطفل أن يتبرع بحذائه الاسود الذي صار صغيراً عليه، وتذكره بضرورة التبرع ببنطاله الأخضر المقلم بالأحمر، وكذلك زي الأرنب التنكري. وهو يقول أنه سيحتاج إلى تلك الأغراض، سيرتديها عندما يصغر. لم تقم الام بوعظه بل تركته لقناعاته، برغم من عدم رضاها. وظهر ذلك جلياً في الرسومات المرافقة، وجه الأم الصامت غير المعجب أبداً بما يقوم به الطفل ،وما يعتمر رأسه من أفكار لا منطقية.
ظهرت العقبات تترى في القصة وهي التي خلقت الصراع .واستخدمت الكاتبة في إضافتها للتوتر: التوقعات مقابل الواقع.
التوقع: فالطفل يكنز أشيائه الحبيبة، أملاً بأن يعود لاستخدامها عندما يصغر.الواقع: أن الطفل في كل مرة وعندما يجرب أشياءه، يجدها أصغر فأصغر..ولا يجد نفسه قد صغر أصلاً.وهكذا بدأت التوترات تظهر:
في البداية طلبت منه أمه أن يتخلى عن معطفه لأخته، رغم  أنها قد جلبت له في عيد ميلاده واحداً يناسب مقاسه الجديد. يرفض الطفل الانصياع لرغبات أمه وقال أنه سيرتديه عندما يصغر.كان يعتقد أن أمَّه تُصِّر على أخذ كل أشيائه الثمينة وإعطائها لأخته ريم . وظهرت عقبة جديدة؛ يريد والده منه أن يستغني عن دراجته القديمة، لابن عمته أحمد . وقد اشترى الأب له دراجة كبيرة وجميلة. والطفل يرفض الأمر مجدداً. وينام محتضناً دراجته القديمة.
وتعود الحكاية هذه المرة عليه أن يتبرع بحذائه الأسود للمحتاجين ..
ويجيب أمه لا أستطيع .. سأحتفظ به حتى أصغر  . وتستمر التوترات  التي تصنع الصراع . (لا بد أن ألبسه يوماً عندما أصغر قليلاً..!)صفحة 20.
التوتر الذي اعتمد على التوقع ساعد على نمو القصة والموضوع . فالطفل يكدِّس الأشياء أملا ً بأن يصغر يوماً ويرتديها(لا أستطيع سأحتفظ به حتى أصغر..!)صفحة 18 والتوتر المتصاعد أوضح الصراع الذي برز على مستويين:  الخارجي، والداخلي .
 الصراع الخارجي هوأنَّ الطفل لا يستطيع التخلي عن الأشياء القديمة، ومنحها للأخرين الذين صاروا يستحقون الحصول عليها، فيكدسها أملا أن يصغر يوماً ويعود لارتدائها.
والصراع الداخلي أنه يشعر بالعجز لأنه لا يصغر هو، بل ملابسه هي التي تصغر مرة بعد مرة.
(انتظرت أياماً وأياماً أن أصغرحتى أعود وألبس ثيابي التي أحبها ولكن.. دون فائدة..ففي كل مرة أجربها، أجدها أصغر من السابق..!)صفحة 28.
سلسلة أحداث القصة  «أحتاجه عندما أصغر»التي ترتبت بتشويق كبير، اعتمدت على البنية التراكمية؛ حيث بدأت الحكاية من حدث معين، ثم أضيفت إليه أحداث أخرى. وكما نلاحظ في القصة؛ بدأ الطفل يكدِّس الأشياء التي لا تناسب عمره ومقاس جسده على أمل أن يصغر يوماً ويرتديها. فكدَّس معطفه الأحمر المفضل لديه، ثم دراجته القديمة، ثم حذائه الأسود، ثم قميصه الأزرق،ثم بنطاله ذو الخطوط، والمنامة الرمادية. حتى امتلأت خزانته بالثياب وانتشرت الفوضى في كل الغرفة(امتلأت خزانتي بالثياب والألعاب حتى لم أعد أستطيع أن أغلقها..!وانتشرت الفوضى في كل غرفتي..!)صفحة 28
الحبكة التراكمية ، كانت دليلاً للكاتبة لاختيار جو النص ، وإيجاد مزيد من الأحداث الساخرة، فكلما أراد أن يقيس ملابسه، يجد أنها اصبحت أصغر وأصغر.
وربطت الحبكة عناصر القصة، وجمعت خيوطها، وأوصلتها إلى النهاية المنطقية للأحداث ، بعد أن تركت مساحة للتوقع لدى القارئ الصغير.
ساعدت الحبكة التراكمية في بناء لغة القصة بطريقة أقرب إلى الاعترافات. والمذكرات. وهي لغة محببة جداً للقارئ الصغير ، تشعره كأن هناك من يوشوش له في أذنه بسرٍ خاص .
وكنت أفضل أن أجد أسماً للطفل بطل القصة، كمثل اسم اخته ريم، وابن عمته أحمد. ولربما فضلت الكاتبة موضوع التقمص، فالقارئ الصغير سيجد نفسه بين سطور النص، في قصة تنتمي لحكايا المرايا،التي قد تعكس مشكلته الشخصية، وتجعل من خبرته جزءاً من خبرات العالم.
اعتنت القصة بالإملاء والنحو وعلامات الترقيم بشكل جيد. وهذا أمر إيجابي يساعد الطفل على التهجئة، خاصة إذا ما عرفنا أن القصة ستكون بمتناول أطفال تحت سن التاسعة .نمو السرد في الحكاية جعل الأحداث تقترب من الحبكة، فقد جلست الأم إلى طفلها، وأفهمته أن الإنسان ينمو ويكبر ولا يعود يصغر ثانية..كانت الأم تأمل أن يحصل تغيير، ونمو عاطفي لدى الطفل. الجلسة بين الأم وطفلها كانت الشعلة التي قادت الطفل إلى النور. تدريجياً بدأ يضيق بما تحوتيه خزانته من أغراض، وبالفوضى التي انتشرت في كل غرفته. لقد تحققت نبوءة الأم. ففي كل مرة، يجرب قياس أغراضه القديمة وملابسه، يجدها أصغر من السابق. هنا وصلت القصة إلى العقدة، فقد صار لدى الطفل قناعة عقلية، بأنه لم يعد بحاجة إلى أشيائه القديمة. فأحضرصندوقاً كبيراً وجمع فيه كل ما لا يحتاجه من ثياب وألعاب، وحمله إلى أمه .
نجحت الكاتبة في الإتيان بنهاية سعيدة، فقد استطاع الطفل أن يتغير، ويستغني عما لا يحتاجه من أشياء لمن يحتاجها فعلاً. والنهاية جاءت منطقية لقصة تقودها الشخصية الرئيسية، ولقد أعطت الكاتبة الطفل –بهذه النهاية المنطقية –صلاحية تغيير العالم. فقد جاء الحل من الطفل وليس البالغ( الأم) فالأم اكتفت بتفسير ما هو مغلق أمام عقل الطفل(الإنسان ينمو ويكبر ولا يعود يصغر ثانية..)صفحة26
الجميل في هذه القصة أن الكاتبة وظفت الارتجاع في النص  بشكل فني مميز. فلم يزيد ذلك عن سطر واحد(يبدو أن أمي على حق، فأنا أكبر دوماً، ولا أصغر أبداً..!).صفحة 30 
خاصة اذا علمنا أن آفة كتب الأطفال هي ثلاث(الارتجاع،والكلام الخصوصي، والتأمل الباطني)
وهكذا نجحت القصة في اكساب القارئ الصغير مهارة حل المشكلة المشابهة التي حتماً سيواجهها في فترة من حياته . وبقي أن أقول: أن تجربة كتابة هذه الحكاية هي تجربة تعكس مهارة عالية عند الكاتبة في القص. تجربة من المفيد تعميمها على الكتاب المبتدئين فهي تسلك منهج الكتابة الحديثة التي تكتب للأطفال ولا تكتب عنهم.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل