الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

غوته واللجوء إلى الرواية

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً


] د. محمد عبدالله القواسمة
للكتابة الإبداعية وبخاصة كتابة الرواية تأثير كبير في تخليص مبدعها من مشاعر الحزن والأسى، وهواجس الخوف والقلق، وحالات الكآبة والتوتر. أو بصورة عامة تحسين الصحة النفسية والجسدية للكاتب. إن الرواية ــ كما أرى ــ هي الفن المناسب أكثر من غيره من الفنون التي يمكن بوساطتها أن يعالج الروائي ما يكتنف حياته من منغصات نفسية وعاطفية واجتماعية وسياسية وغيرها. إنه يستطيع أن يفرغ فيها ما يحس به من آلام جراء تجربة حب فاشلة عاشها، أو جراء وضع اجتماعي أو سياسي سيئ أقحم فيه. فإفراغ شوائب العقل أو القلب في الورق يجلب للروائي الراحة والطمأنينة؛ فما عجز عن تحقيقه في الواقع أو التخلص منه في الحياة يتخلص منه، أو يحققه في كتابة الرواية.
مثل هذا حدث ليوهان غوتهJohann Geothe  (1749 – 1832)، الأديب الألماني الكبير، الذي أثر في الثقافة والأدب الألماني والعالمي. وتنوعت كتاباته بين الرواية والشعر والمسرحية. ومن أشهر مؤلفاته: «فاوست» وهو ملحمة شعرية في جزأين، وسيرته الذاتية «من حياتي.. الشعر والحقيقة»، ومن أفضل أعماله: «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي»، ثم روايته «آلام فيرتر».
لقد عانى غوته من مأساة عاطفية كادت تودي بحياته؛ إذ كانت معاناته شديدة مع تلك السيدة المتزوجة التي أحبها في مدينة فتزلار تدعى شارلوت فون شتاين. وكانت تكبره بسبع سنوات، وكان زوجها صديقًا لغوته. لم تبادله شارلوت الحب وإن قبلت صداقته؛ لأنه عاش قرب عائلتها سنوات طويلة. رفضته بأدب حتى فارقها إلى إيطاليا، وبقي يراسلها حتى وفاتها سنة 1827.
قبل أن ينجو غوته من مأساة حبه الذي كان من طرف واحد راودته كثيرًا فكرة الانتحار. يسرد في سيرته الذاتية بأنه كان يضع خنجرًا بالقرب من سريره، ويهم من وقت لآخر بغرسه في قلبه. وأخيرًا عدل عن فكرة الانتحار، وراح ينقل ما في قلبه من مشاعر حزينة وهواجس مخيفة إلى الورق. ولشدة معانته، أنهى في ستة أسابيع فقط من الكتابة المتواصلة، كتابة رواية جعل عنوانها «آلام فيرتر». وما فيرتر إلا غوته نفسه.
و»آلام فيرتر» هي العمل الروائي الأول لغوته، وهي أشهر رواياته، وأكثرها انتشارًا بين الناس. صدرت أول مرة عام 1774، ثم نشرت بطبعة منقحة عام 1787. لها ترجمات كثيرة في أدبنا العربي، منها ترجمة خليل مطران 1905. ومن أشهر ترجماتها ترجمة أحمد حسن الزيات 1920، وأحمد رياض 1929، ونظمي لوقا 1977 وغيرها..
لقد نجح غوته في تحويل معاناته إلى عمل روائي جمع فيه بين الحب والشقاء، والأمل واليأس. لقد كتب الرواية على شكل رسائل من رجل يقع في حب امرأة متزوجة، لم تبادله حبًا بحب فيحس بآلام هذه العلاقة، وبالشقاء الذي جرته؛ فينتحر بإطلاق النار على نفسه. استطاع غوته أن ينجو من الاكتئاب، ويتخلص من أفكاره السوداوية، ورغبته في الانتحار بعد أن عبر عن تجربته الشخصية في الرواية من خلال بطلها فيرتر، الذي جعله ينتحر في النهاية. لقد ضحى بمن يمثله على الورق من أجل أن يبقى حيًا في الواقع.
 ولكن للأسف كان للرواية تأثير معاكس عند القراء؛ فقد أقدم بعض الشباب العاشقين إلى التشبه ببطلها فيرتر وتقليده في اللباس. فارتدوا سراويل صفراء، وسترات زرقاء، وقمصان مفتوحة العنق مقلدين فيرتر. كما أقدم كثير منهم على الانتحار؛ مما دفع بعض الدول، مثل ألمانيا وإيطاليا والدنمارك إلى حظر الرواية.
وفي الختام نقول: كان لرواية «آلام فيرتر» الفضل في إنقاذ صاحبها الروائي والشاعر الألماني غوته من الموت عندما خلصته من عواطفه السلبية، ليخرج من معركة الحب بسلام وتوازن، وقد عادت إليه ثقته بنفسه. وفي هذا دليل على أن الكتابة الإبداعية وبخاصة الرواية يمكن أن تقدم للأديب علاجًا نفسيًّا عندما يتناوشه الألم والعذاب.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل