الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الشاعر محمد البـريكي يسـرد قلقه الـوجـودي وواقعه المأزوم

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

  عمر أبو الهيجاء
لو أننا القينا نظرة شمولية على الشعر العربي المعاصر لوجدنا هذا الشعر الحديث في أشكاله المتعارف عليها أكان شعرا كلاسيكيا أم تفعيليا أو قصيدة نثر، لم ينقطع عن جذوره التاريخية والتراثية، فهذا الشعر عالج في الكثير من موضوعاته الإنسانية والاجتماعية والحياتية بعمق وصدق الأحاسيس والمشاعر، فجاء شعرا أكثر التصاقا بالقضايا الوطنية والقومية والإنسانية، كما يقول النقد الحديث.
من هنا، نستطيع القول بأن الشاعر هو لسان حال الأمة والمجتمع كما كان سابقا حال قبيلته، والشاعر أو الأديب الملتزم يقع على عاتقه الكثير في تبني قضايا مجمتعه ومعاينة الواقع وشؤون الحياة، ويتأتى ذلك من خلال النقد والوقوف على الكثير من المعضلات والمآسي التي تمر بها هذه الأمة في الوقت الحاضر.

أردت من هذا الاستهلال أن أعرّج على ديوان الشاعر الإماراتي محمد عبدالله البريكي «بدأت مع البحر»، ويأتي هذا العمل الشعري بعد أربع مجموعات شعرية سابقة، فصحى ومن الشعر النبطي، فهو شاعر متمرس في كتابة الشعر النبطي بلغة حداثية تنبع من البئية التي عايشها، فنراه يختزن بداخله وعبر مخليته الخصبة الكثير من المفردات التي يوظفها بفنية وتقنية عالية، فهو شاعر شقّ تجربته الشعرية مستفيدا من التراث والمادة التاريخية، والمطلع على هذه التجربة الغنية بالحلم والمعرفة والثقافة الواسعة ضمن مناخات مشبعة بالبعد الحضاري والتراث الديني وكذلك غنية ببعدها الشعبي. 
في ديوانه «بدأت مع البحر»، الذي نسج قصائده على الشكل العمودي والتفعيلي، شاعر نجده أكثر وفاء لموروثه فكان مخلصا للشعر الكلاسيكي وبحور الخليل بن أحمد الفراهيدي، فها هو ينتقل من بحر إلى بحر متناولا شؤونه الذاتية والخاصة ومنطلقا ومبحرا عبر شلال من الموسيقى إلى رؤاه وأحلامه الساكنة في فيافي قلبه وروحه المحلّقة في سماوات أكثر اتساعا للبوح والقول الشعري في زمن مصابة بالتراخي والإنكسار، وفي زمن مصاب بالكساح ليطلق قصائده بلابل تعشق التحليق في فضاء من الحرية.
في قصيدته التي تحمل اسم الديوان «بدأت مع البحر»، قصيدة تنتمي إلى السرد الشعري، والسرد سواء كان نثريا أو شعريا تاريخيا موجود في التراث الأدبي العربي، فنجد النص الشعري المسرود يحمل في ثناياه الكثير من القص الحكائي ضمن صور شعرية تتحدث عن مثل شخصيات وتواريخ وأمكنة ضمن رؤى جديدة تواكب الأحداث التي عايشها الشاعر أو المبدع.
من هنا، نلاحظ أن الشاعر البريكي يمتلك أدواته الفنية واللغة الطازجة أن تحقق الغرض الشعري السردي، فنراه في قصيدته ساردا ماهرا لجوانب من سيرته الذاتية متنقلا بنا في علاقات جدلية مع البحر والتراث ورؤاه المسقبلية، والقارىء لقصيدته يلحظ كم استطاع الشاعر أن يرسم لنا بانوراما شعرية عن طفولته منذ الولادة وصباه وحيوات كثيرة ماثلة في مخيلته، في هذا النص الشعري أتقن أسلوبه في البناء المحكم وسردها.
نقتطف من هذه القصيدة هذا المقطع لنلاحظ قدرة الشاعر في التصوير واستحضار الماضي ضمن بناء سردي شفاف وموح ومعبر عن مرحلة طفولته، يقول:-
(وقبل الأحد          بدأت مع البحر
أركب أموأجه    يوم بشرّت الداية البيت
قالت: ولد    يقولون: حارتنا ابتهجت
والنساء يصافحن أمي   وأمي تهزُّ البشارة في قلبها
ثم يسقط عنها الكمد   وأبي، ذلك العالم الشيخ
أذّن ثم أقام الصلاة   لتبدأ رحلة هذا الصبي، مع الوقت، ثم كبرت
وقلّمت من غفواتي      أظافر تومي كراهية»
نلاحظ السرد الشعري المتسلل ضمن أحداث متتالية للولادة والفرح الذي أنتشر عند الجيران، للمولود القادم، تسلل شعري متقن البناء والحكاية إلى أن اشتد عود الصبي و كبر وبدأ يشق طريقه نحو  الحياة، الحياة بكافة تفاصيلها، وكما نلاحظ اشتغال الشاعر على لغة درامية لا تخلو أحيانا من التوتر المنبثق من شؤون الذات - ذات الشاعر، فنجد أن اللغة لديه «لغة متوالدة من ذاته أي من اللغة» وتحمل في تراكيبها وصياغتها الكيثر من القدرة على العطاء والبناء والخطاب المناسب للنص الشعري.في قصيدته «تتعرق بالضوء»، ثمة سرد لحكاية طفلة فقدت في الحروب ذويها، نص شعري معجون بالحزن والآسى، ونرى البريكي كيف يمضي في معالجة هموم الإنسان وكيف يسرد حكايا الكون وتوجعات الروح من خلال شخصية تلك الطفلة المصابة بالانكسار والدمار الداخلي، طارحا علينا أسئلته الضمنية في بحر الحروف هذه الحروف المصابة بالخراب الكون ورماده التي خلفته تلك الحروب، شاعر قنّاص للرؤى، مبحرٌ في المادة التراثية والدينية عاقدا تناصات مع قصة سيدنا يوسف عليه مكسبا نصه بعدا فنيا وتقنيا من خلال ربط ذلك مع الأحداث، البريكي شاعر مسكونا بقلقه الوجودي، يتجوّل في محطات العمر المتشظي، باحثا في نصه عن الجديد والإبتكار في نصه الشعري فهو ابن محيطه ووطنه العربي.
يقول في قصيدته:(طفلةٌ أسكنت دمعةَ القلبِ في دمعتيها/ ومن شرفةِ الخوفِ/ مدتْ يَديْها/ لتَخرُجَ من غرقِ الأحجياتِ/ وتغفو بفستانِها المتشرِّبِ من قسوةِ الذئبِ/ حين رمى كلَّ تلك الخرافْ/ أعودُ بها/ يا أبي/ ماتَ يوسفُ/ لستُ بريئاً من الموتِ/ من رعشةِ الطيرِ/ من نجمةٍ أطفأتْ ضوءَها/ حين أشعلتِ الحربُ فانوسَها بالدماءْ/ كيف ترتد يا أبتي «الحلم»/ يوماً بصيرا؟!».
ويأخذنا الشاعر البريكي في ديوانه ومن خلال قصيدته البديعة «خلوة الصوفي»، وهي قصيدة يعتمل فيها فكر الشاعر ورؤاه المتخلية ووجد روحه العالية في العشق ومحاورة في الصوفيّ في خلوته، فالتصوف كما يقول النقد الحديث يعني  جوهرا فكريا يُمثل مرحلة من مراحل تطور الفكر الديني»، من هنا، نلاحظ أن رؤية البريكي في قصيدته ربما فيها بناء معماري بالإدراك الروحي وسموه في مخالفة ما يراه الشاعر من معنى التصوف، فهذا ناتج ثقافة واسعة وجدلية عميقة لفهمه للأشياء بحسه الشعري للوصول للمعرفة والإحساس بها.
يقول في قصيدة «خلوة الصوفيّ»:»في خلوة الصوفيِّ تحرقُ مدمعكْ/ يا أيها الباكي سكوتكَ ضيَّعكْ/ لم تلقَ إلا ثوب حزنك سامعاً/ لم تدرِ هل رقعته أم رقعك/ شهق الرصيفُ وأنت تحضنُ ضلعَهُ/ والطيرُ يسألُ من سيحضُنُ أضلُعَكْ؟/ وطنٌ تنامُ على حروفـِك عينُهُ/ أخبـرْهُ عن جرح الشتات ليزرَعَكْ/ أخبرهُ عن سرِّ التبتلِ والجوى».
ففي هذه الوقفة السريعة مع ديوان «بدأت مع البحر»، للشاعر الإماراتي محمد البريكي، لابد من القول بأن الشاعر حملنا بساط قصائد وحلّق بنا لكي «نيسير بلا طلقة»، ولكي يأتي «الصبح بالليل»، وكما يتساءل في متن قصائده وبوعي وقلق الشاعر المجرب «متى يدرك البعض أن القصيدة، جسر لمنه همّه أنشأه»، عبر انزياحات كثيرة وتراكيب وصور شعرية تصدمك وتدهشك، فثمة تجريد سريالية في بعض القصائد على عكس ما يتوقعه القارىء فمثلا يقول:»كانت ترمي القبلة من يدها اليمنى/ والوردة من عينيها»، هذا التشكيل اللغوي والفتوحات الشعرية التي يسرد فيها حسه ليصل إلى مراده في الكشف عن جوانية الروح وعلّوها في الإرتقاء بها.
«بدأت مع البحر»، يحتاج منا إلى وقفات كثيرة لإعطاء هذا العمل الشعري حقه من القراءة النقدية ولنقف من خلاله على محطات ومحطات، محمد البريكي يفيض بالدهشة ويسمو بنصه كي يصل إلى أكبر شريحة من القراء من حيث الإشتباك مع الهمّ الإنساني والمعطى اليومي وتفاصيل الحياة وشؤونها، راسما لنا بانوراما شعرية وكأنك أمام شريط حياتي تسرد الواقع المأزوم، ماضيا بنا في لوحات تشكيلية من الشعر الصافي المتدفق من المشاعر والقلق والوجودي والحب السامي.
لننشد معه قصيدته «طاحونة الوقت»:    (تنوّمُ في خدها وردتين
تعلقتا بسماء العيون         فأمطرتا ربع قرنٍ من اليأس
في دمعتين        ومازحتُها بأصابع من لمسة القطن
تمسحُ ما خلفتهُ السماءُ    على خدها من قشورْ.
ورطـّبتُ ساقية الوجهِ     من كلمتينْ.
تُعاتبني وهي صائمةٌ عن كلامي   لقد غبتَ عني طويلاً
فكنتُ أنا أنتَ في البيتِ      أقفزُ فوق سلالمَ حزني
وأنثرُ تحت خيوطِ الصباحِ      الوئامْ).

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل