الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في إستراتيجية تموضع الأردن عربيًا وإقليميًا

تم نشره في الخميس 12 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

 جواد الحمد

تُشكّل العوامل الجيوسياسية للدولة الأردنية محدّدات أساسية ومهمّة في اختيارات تموضعها العربي والإقليمي، وخلال سبعة عقود من عمر المملكة تغيّرت بعض تموضعاتها كما ثبت بعضها الآخر، وفي ظل التجربة التاريخية للبلاد في اختيار التموضع، وفي ظلّ المعطيات والظروف المستجدة خلال العامين المنصرمين، فقد بات من المهم إعادة النظر بأسس وقواعد التموضع الذي تختاره البلاد على مختلف الصعد السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، إضافةً إلى التموضع الثقافي الطبيعي، وذلك بهدف الوصول إلى التموضع الاستراتيجي الأكثر استقرارًا للعقد القادم، وبما يحقق مصالح الأردن العليا.
وتلقي البيئة الجغرافية بحدودها وجوارها العربي المتعدد والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، والعوامل الجغرافية والاقتصادية الحاكمة والتركيبة الديمغرافية المتنوعة، والبنية الفكرية والثقافية لنظام الحكم العروبي الإطار، والمستند إلى الإسلام في البعد الديني والشرعية الدينية، تلقي بظلالها القوية على اتجاهات واختيارات التموضع الفاعل والقادر على حماية المملكة من جهة، وتطويرها وتحديثها من جهة أخرى.
تاريخيًا، شكّلت بيئة التحولات في الخمسينات والستينات مخاضًا صعبًا للمملكة في ظل تحوّلات كبيرة وواسعة كانت تجتاح المنطقة ما بعد الاستعمار البريطاني والفرنسي، مثل إنشاء إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948، ووحدة الضفة الغربية لنهر الأردن مع ضفته الشرقية في المملكة الأردنية الهاشمية عام 1952، وانتهاء حكم الممالك الهاشمية في كلٍّ من سوريا عام 1920 والعراق عام 1958، ونجاح الثورة المصرية بالإطاحة بالحكم الملكي في مصر عام 1952، وتنامي الخلافات والصراعات بين محوري الحكم العسكري والممالك العربية إلى حد الاقتتال على أرض اليمن خلال الفترة 1962-1967.
وعلى نفس الصعيد حملت المملكة عبء ومسئولية الثورة العربية على الدولة العثمانية، ما أسس لعلاقات متوترة بينها وبين الحكم الأتاتوركي في أنقرة الذي ورث الدولة العثمانية، وذلك رغم السياسة الأتاتوركية المتحالفة مع الغرب حليف الأردن، كما أسّس لحساسيات بينها وبين الحكم العسكري في كلٍّ من العراق وسوريا على أنقاض الحكم الهاشمي فيهما، وازدادت هذه الحساسيات، خاصّةً بعد استلام حزب البعث للحكم في كل منهما، حيث تفاقمت هذه الحساسية في بعض الأحيان إلى حد القطيعة كما في حالة العراق بعد الانقلاب على الملكية خلال عقدي السيتينات والسبعينات، والتدخل العسكري في حالة سوريا بدخول قواتها للمملكة في عام 1970.
ونظرًا للارتباطات التاريخية للمملكة بالسياسة الغربية والبريطانية على وجه التحديد فقد انحازت دومًا للمحور العربي والإسلامي المتحالف مع الغرب، ولكنّها خاضت خلافات أساسية مع السياسة الغربية في نفس الوقت، وخاصة فيما يتعلق بالموقف الرسمي والسياسي من القضية الفلسطينية وسياسات إسرائيل تجاه العرب والفلسطينيين.
ولذلك فإنّ التحوّلات التي تسود المنطقة منذ العام 2011 ومنعطفها السياسي والأمني الحادّ عام 2013، وتنامي وتفاقم الحروب الأهلية في كل من سوريا الجارة واليمن الحليف وليبيا المناوئة سابقًا، إضافة إلى عدم الاستقرار في الجارة المصرية، واستمرار عمليات التهويد بلا تحفظ أو تقدير لموقف الأردن في القدس والمسجد الأقصى، وفي ظلّ التحوّلات المهمة والاستراتيجية في أوضاع مجلس التعاون الخليجي وخلافاته الحادة جدًا، ما أضعف دوره العربي وقدراته على دعم حلفائه، وتنامي نفوذ إيران بأبعاده الطائفية، وانفتاح تركيا كمعادل سُنّي للنفوذ والقوة الإيرانية الإقليمية على الدول العربية والأردن وتطور دورها في سوريا، إنّ كل ذلك أصبح يتطلب إعادة فتح ملف التموضع الأردني في الإقليم، أي كيف يختار؟ ولماذا يختار؟ ومن يختار؟ وكيف يستثمر اختياره في حماية الاستقرار القائم في البلاد، ويقوّي وضعه الاقتصادي، ويحفظ له دوره الإقليمي المتوازن والفاعل وفق المصالح العليا للبلاد؟
ويمكن القول أنّ هذه التحولات ربّما فرضت بعض المحددات الجديدة على سياسة المملكة من جهة، وفتحت فرصًا نوعية من جهة أخرى، كما قد تحمل بعض مصادر التهديد التي تحتاج إلى التعامل معها ومواجهتها داخليًا وخارجيًا، الأمر الذي يدفع إلى الجدية في إعادة النظر بالسياسات القائمة، ورسم سياسات أكثر قوة وتماسكًا ونجاحًا راجحًا في إعادة تموضع محسوب بلا خسارة للمكاسب الإقليمية السابقة، ولكن بتحقيق انفراجات ومكاسب جديدة للمملكة.
وفق التجربة الأردنية والتجارب الشبيهة فإنّ من أهم الأسس التي يُستنَد إليها في إعادة التموضع: التحولات الاستراتيجية في الإقليم، وعلاقة المحاور بالولايات المتحدة، والعلاقة التاريخية لهذه الأطراف  بالمملكة، وتحقيق المملكة الاستفادة الاقتصادية المأمولة من هذه العلاقة، وحماية المملكة من أيّ اضطرابات إقليمية أو تدخلات في شئونها الداخلية، والانسجام الثقافي والفكري والاجتماعي مع المملكة، وزيادة ثقل المملكة الإقليمي والدولي.
ويمكن البحث هنا بجدية ضمن هذا السياق عن تطوير العلاقات الأردنية- التركية كرافعة مهمة وأساسية لهذا التحول وفي إطار فلسفة إعادة التموضع وأسسها، وفي نفس الوقت التعاون مع تركيا على أسس منها: التشاور في التعامل مع التحديات المشتركة، بما في ذلك التعاون أمنيًا وثقافيًا وفكريًا لمواجهة تحديات التطرف والإرهاب المحتملة في محيط المملكة وتركيا، وتطوير العلاقات الاقتصادية بما يدعم ويحفظ التنمية الاقتصادية في المملكة، والتعاون في دعم القضية الفلسطينية وتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني لإنهاء الاحتلال وحماية القدس والأقصى، والتعاون في خفض أو توقف الصراع الطائفي والحروب الأهلية بعقليات تركية وأردنية توفيقية وتجميعية لا تؤمن بالعنف سبيلًا لتحقيق المصالح وحل الخلافات الداخلية وبين الدول الشقيقة، والعمل على إعادة الاعتبار للشخصية الاعتبارية للدول الإسلامية والمواجهة المشتركة لظاهرة الإسلاموفوبيا في العالم.
ويُقترح اعتماد سياسات حاكمة ومتماسكة لتحقيق الحدّ الأعلى من المكاسب وتقليل الخسائر إلى الحدّ الأدنى على الصعيد الاستراتيجي في عملية إعادة التموضع هذه، ومن هذه السياسات: التزام سياسة توسيع الأصدقاء وإنهاء الخصومات إن وُجدت، والنأي بالنفس عن التدخلات العسكرية والأمنية التي لا علاقة لها بأمن المملكة المباشر، والحياد الإيجابي في الأزمات وصراعات المحاور العربية أو الإسلامية، والابتعاد عن استجلاب الضغوط الخارجية على السياسة الأردنية بالحكمة التي اشتهرت بها البلاد، واستمرار دعم القضية الفلسطينية لإنهاء الاحتلال، وتوفير حاضنة اقتصادية إقليمية آمنة للمملكة خلال العقد القادم 2018-2028.
ومن المهم التأكيد على القاعدة الذهبية في علوم الجيوسياسيا والجيواستراتيجيا بأنّ أساس قوّة القدرة على التموضع المستقر وفق المصالح العليا هو الاستقرار في الوضع الداخلي، والاستناد إلى وحدة وطنية متماسكة، والمشاركة الكاملة لكل قوى المجتمع في تحمل مسئولية إدارة الدولة والقرار بلا إقصاء أو تهميش، وتعزيز المواجهة المشتركة للتحديات بلا استنزاف داخلي، بحماية الجبهة الداخلية وتشكيل الجماعة الوطنية بمفهومها الاستراتيجي لكلّ البلاد... وبقدر ما تتمكن الدولة من تحقيق هذه الحالة بقدر ما تكون قادرة على اختيار التموضع وحمايته والدفاع عنه، بل والتمتع بحالة استقرار فيه وفي محيطه الآمن.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل