الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

غيفارا الجسد والتجسيد

محمد داودية

الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
عدد المقالات: 141

قبل يومين مرّت بهدوء، الذكرى الخمسون لإغتيال الثائر ارنستو تشي غيفارا، الذي تسري في عروقه دماء المتمردين الايرلنديين والباسك الذي صنفته مجلة التايم اللندنية بأنه من الـ 100 شخص الأكثر تأثيرا في القرن العشرين.
قال غيفارا للمكلف باعدامه: أطلق النار، انك لن تقتل سوى رجل. وهذا ما جرى بالتمام والكمال، فقد اغتالوا جسد الثائر المُلهِم، الطبيب والكاتب، صاحب فكرة الثورة العالمية، الذي ظل اسمه محفوفا بالاحترام والتبجيل، وظلت الفكرة حية، مثل صورته المألوفة الشهيرة التي تطبع على تيشيرتات الفتية، المسماة «بطل حرب العصابات» بطاقيته ذات النجمة الخماسية، المصنفة الصورة الأكثر شهرة في العالم.
لا أُعرّف بغيفارا، لا أحد يُعرّف بغيفارا. نحن نستحضر ذكرى هذا الثائر العذب الذي أصبح اسطورة، الرومانسي الذي غذ الخطى الى هدفه، الذي اقتدت به اجيال تلو أجيال، من اجل الوصول الى استنتاجات أهمها ان العطاء والفداء والتضحية، ترفع مجترحيها القادرين عليها، الى مصاف وذرى شاهقة.
نحن لنا رموزنا وابطالنا وشهداؤنا: عبد الله بن الحسين وكايد المفلح العبيدات وصايل الشهوان وهزّاع المجالي ووصفي التل وعزمي المفتي وفراس العجلوني وموفق السلطي ومنصور كريشان وخضر شكري ابو درويش وفرحان محمد الحسبان وصالح شفيق صلاح ومحمود الحكوم العبيدات وصالح الشويعر ومعاذ صافي الكساسبة وراشد حسين الزيود ونائب المعايطة وسائد محمود المعايطة. وكواكب من الشهداء في الكرامة وعلى اسوار القدس وفي بطاح جنين وتلال السموع وجبال النار وعلى الهضبة السورية. 
الشهداء والثوار «يأخذون» عقول العالم كله. الناس مفتونون بالبطولة والتضحية. ليس فقط الذين يتعرضون للاحتلال والظلم كما هو حال شعبنا العربي الفلسطيني، بل كل الاحرار في كل العالم. 
عندما اغتيل هذا الارجنتيني عاشق بابلو نيرودا ولوركا ووالت ويتمان وكبلنغ والشطرنج والسباحة والرماية والرغبي، بكيناه نحن الجيل الذي كان يحمل الاحلام الكبيرة بالحرية والتحرير والاشتراكية والوحدة. ورددنا بفجيعة، قصيدة احمد فؤاد نجم التي غناها الشيخ امام: غيفارا مات، غيفارا مات، اخر خبر في الراديوات.
وعندما دعاني صديقي هاني محمود سكّر الى منزله في معان في أواخر الستينات، فوجئت بوجود مذكرات ماو تسي تونغ وكاسترو وغيفارا وكتابه عن تكتيكات حرب العصابات في مكتبته التي كانت من اغنى ما عاينت من مكتبات. قلت لصديقي هاني سكر: اتعجب انك تقرأ مؤلفات تشي غيفارا وماو وانت ابن حزب التحرير الإسلامي المعادي للشيوعية! 
قال صديقي المرحوم هاني: انني احترم غيفارا وماوتسي تونغ وكاسترو لأنهم ثوار عملوا من اجل اوطانهم وشعوبهم. ولانهم ليسوا عملاء.
الى اليوم وبعد مرور نصف قرن على اغتياله، نجد صورته على مكتب الرفيق الدكتور عرفات الاشهب وعلى جدار رابطة الكتاب الأردنيين. ونجد غيفارا كتابا في مكتبات جميل النمري وأسامة الرنتيسي وأسامة تليلان.
لقد وصفه تقرير «السي آي ايه» بأنه قارىء جيد. وأطلقت عليه مجلة التايم  لقب عقل الثورة. وكان حسب شهادات مدربيه «أفضل مقاتل في جميع الدورات التدريبية النظرية والميدانية في هافانا والكونغو وبوليفيا». 
قدمت شركة فوكس الامريكية للأفلام، سيرته الذاتية في فيلم جميل اسمه «تشي» (وتعني الرفيق) قام ببطولته عمر الشريف، ظهر فيه غيفارا مؤمنا بأن «مساعدة الفقراء تقتضي ترك الطب والذهاب الى الكفاح المسلح لقتال الولايات المتحدة المتخصصة بتثبيت ودعم الأنظمة القمعية في مختلف أنحاء العالم».
خفت بريق غيفارا نعم، لكنه لم يتلاشَ هذا الذي أتقن فن المراوغة والاختفاء والتلاشي في الغابات، لأنه كان صاحب مشروع وقدرة باهرة على المزاوجة بين النظري والتطبيقي.
كتب غيفارا: «الثوري الحقيقي يسترشد بالشعور العظيم للحب.  لذلك كافحوا كل يوم، حتى يتحول هذا الحب تجاه البشر، إلى أعمال يُحتذى بها فيصبح قوة محركة».

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل