الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مُعامل الجني

إسماعيل الشريف

السبت 23 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 33


« الله يضحك من الإنسان الذي يشكو من النتائج، في حين يحتفل بالأسباب» – جاك بوسويه، عالم لاهوت
صرح رئيس الوزراء في الأسبوع الماضي بأن إعداد موازنة عام 2018 سينتهي في منتصف شهر تشرين ثاني المقبل.
دأب المحللون الاقتصاديون والساسة عند مناقشتهم ميزانية الدولة على أن يتطلعوا إلى أرقام الناتج القومي وميزان المدفوعات والتضخم والمديونية وغيرها من المؤشرات المالية التقليدية، فيفرحوا بارتفاع الناتج القومي؛ لأنه مؤشر على زيادة ثروة الفرد، أما إذا تمكنت الحكومة من تحقيق أي نمو اقتصادي فهي إذن تملك فريقا اقتصاديا عبقريا، وسينعكس ذلك على زيادة فرص العمل وبالتالي زيادة رفاهية المجتمع.
هذه الفرضيات لها أساس من الصحة، ولكن واقع الحال يقول غير ذلك، فاسأل أي مواطن عن قدرته المالية ليأتيك جواب واحد: كانت أفضل!
بالطبع هذا الكلام سيجده الاقتصاديون سخيفا، ولكن الواقع والدراسات يؤيدان كلامي، فليس معنى تحسن المؤشرات الاقتصادية أن رفاهية المجتمع قد زادت، وهنالك مؤشر هام يقيس عدالة توزيع الدخل يسمى GINI COEFFICIENT وإذا ما ترجم إلى العربية قد نسميه «معامل الجني»، يتراوح هذا المؤشر من الصفر الذي يمثل العدالة المطلقة، أي أن الدخل القومي موزع بالتساوي على جميع سكان البلد، وهذا مستحيل، إلى مئة وهي تعني أن الدخل القومي يذهب بأكمله إلى شخص واحد في الدولة ولا يحصل الآخرون منه على شيء،وهذا مستحيل أيضا، إذن كلما انخفض المؤشر في بلد ما كانت أقرب إلى العدالة في توزيع الدخل.
في أوروبا يتراوح معامل جيني بين %25-%30، وخلال السنوات الأخيرة أخذ المؤشر بالانخفاض، دلالة على أن تلك الدول تطورت من دول القطرية والديمقراطية إلى دول العدالة الاجتماعية، ودائما ما تتربع النرويج على هرم هذا المؤشر حاصلة على نسبة %25، أما الولايات المتحدة فتحصل عادة على نسبة %40، والأردن في آخر دراسة حصل على نسبة %35.4وحل في المركز 77 في العالم، وبمعنى آخر أن هنالك تباينا في توزيع الدخل والرقم آخذ بالارتفاع.
ويبين هذا المؤشر أن التباين في توزيع الدخل آخذ بالهبوط نتيجة التطور الاقتصادي في الهند والصين، ولكن داخل معظم الدول مثل الأردن فالمؤشر ينذر بأن الانحراف آخذ بالازدياد.
وتبين الدراسات أن سياسة الانفتاح الاقتصادي وبرامج التصحيح الاقتصادية قد تؤدي إلى زيادة الناتج القومي ولكن المشكلة أن الثروة ستتكدس بأيدي فئة قليلة، وهذه من لعنات الرأسمالية، فالعولمة، وزيادة الطلب على الثروات الطبيعية، وانخفاض أجور العمال غير المهرة، وتخفيض الضرائب على الأغنياء وزيادتها على الطبقتين المتوسطة والفقيرة ، والأسواق المفتوحة، ورفع القيود الاقتصادية، وحرية انتقال رؤوس الأموال، والتكنولوجيا، كلها أسباب أدت إلى تباين كبير في توزيع الدخل.
إذن برأيي أن الأردن أمام تحد كبير، فالسياسات الاقتصادية المتبعة حاليا تؤدي إلى فروق كبيرة في توزيع الثروة داخل المجتمع، والمؤشرات الاقتصادية المعتمدة ليست كافية في قياس عدالة توزيع الثروة .
وإذا لم تنتبه الدولة إلى مسألة العدالة في توزيع الدخل، ستبدأ مرة أخرى بالعودة إلى الأفكار الاشتراكية، وسيزيد التطرف ومشاكل المجتمع.
فما نريده هو استراتيجية وطنية للعدالة في توزيع الدخول، تبدأ بالتعليم والصحة والتوظيف، والمساواة في الفرص والمزايا والمنافسة.
وأتمنى لو يؤخذ بمؤشرات اجتماعية عند مناقشة الميزانيات كمؤشر الجني أو مؤشر درجة سعادة المجتمع، فقد تكون بأهمية المؤشرات الاقتصادية التقليدية أو أكثر.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل