الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فقـــــه المـــراجعـــــــات

تم نشره في الجمعة 22 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً


د. عصر محمد النصر

من أعظم الأعمال التي يقدمها الإنسان بين يديه، العمل لخدمة هذا الدين والسعي لإحيائه في نفوس الناس وواقعهم، وهي وظيفة عظيمة جليلة قد انبرى لها أفراد وجماعات على مرّ التاريخ القريب منه والبعيد، وبطبيعة الحال هذا يحتمل من صاحبه الخطأ والصواب، دعنا نقرر أولا أن المقصد الأول من العمل في السياق الدعوي الإسلامي هو استئناف الحياة الإسلامية في الواقع من جديد، وهذا ينبني ابتداء على وجود قدر من التغيير في الواقع، كما يتطلب قدرا كبيرا من الاجتهاد تتوافق وذلك القدر من التغيير، لننطلق من أصل في هذا الباب هو أن غاية العمل المنشود هو تحقيق الإسلام كما أراد الله سبحانه وشرعه لعباده، ومن ذلك العمل بما هو أقرب إلى ذلك شريطة أن لا يخالف نصا قطعيا أو أصلا شرعيا، وبين تحقيق الإسلام وتحققه في الواقع مساحات من الاجتهاد وبذل الجهد، بنيت عند أصحابها على أصول شرعية معتبرة، كما ستأتي الإشارة إليه، يبدأ العمل يوم يبدأ من الإيمان بالفكرة وهي ضرورة للعمل وبذل الجهد فيه، وعلى قدر ذلك الإيمان يكون السعي ويستمر، وهذا يتطلب قدرا من التأني في البحث والنظر في صحة الفكرة التي يبنى عليها العمل، إلا أن هذا الإيمان لا يمنع من الخطأ ولا يعصم من الزلل، وبطبيعة الحال  لا يمنع من المراجعة، والتي هي موضوع الكلام هنا، وقد تقدم معنا أن الأساس الذي تبنى عليه المراجعة هو ذلك القدر من العمل في واقع المسلمين اليوم –جماعات وأفرادا- وهو نتاج اجتهاد، قد راعى أصحابه مقدار التغيير في الواقع وما يمكن أن يفعل لسد الحاجة، وهذا الاجتهاد على مراتب متعددة، وهو كذلك على أقسام متفاوتة، منه الصحيح ومنه دون ذلك، وفي كثير من معانيه جدة لم تكن معهودة عند من مضى بحكم طبيعة المرحلة واستثنائيتها، وقد قدم أهل العلم وأصحاب الفكر أجوبة متعددة على هذا السؤال، وهي مقاربات متعددة تخفي خلفها تجارب ومحاولات وصعوبات كثيرة، وهذه الأجوبة تكتنفها أحوال وتحيط بها قرائن، قد تتغير مما يستدعي إعادة النظر فيها، فكثير من مسائل الواقع ليس لها صفة الثبات في نفسها، وفي باب العمل والحث عليه وردت جملة من النصوص الشرعية تدعو إلى ذلك، وهو معنى كثيرا ما تكرر في النصوص النصوص الشرعية، ويدخل في معنى العمل؛ المراجعات، لما لها من أهمية في تقويم مسيرة العمل وتصحيحه، ولعل من أهم دوافع المراجعة؛ ظهور أخطاء في العمل، حيث تتكفل الأيام والليالي ببيان ذلك، فبين التطبيق والتنظير قدر من الترف المعرفي لا يعرف صوابه إلا إذا عرض على الواقع، ومن ذلك أيضا عدم القدرة على تلبية احتياجات الواقع ومتغيراته، وأصل ذلك، جريان الزمان وتغيره وما يحمله من أحداث، ثم سعة النص وشموله لكل ذلك، فيحتاج العمل للمراجعة للتوفيق بين الأمرين، ومن ذلك –أيضا- وجود عوامل جديدة مؤثرة في الواقع، مما يستدعي إعادة النظر فيها وإعادة التقويم للواقع الجديد، وكل ما تقدم من دوافع يأتي في سياق تحقيق الإسلام في واقع الناس، فإذا أضيف إلى ذلك طبيعة البنية الفكرية للجماعات فهي مرنة بحكم نشأتها وتعلق ذلك بالواقع، كما أن المراجعة تتعلق من حيث هي بكل مشروع، على أن الناظر في واقع العاملين اليوم يرى ضعفا في المراجعة، وأهم أسباب ذلك : غلبة البعد الديني، حيث ترتبط أدبيات الجماعات والتيارات بالبعد الديني، فتنزل منزلة الشرع الذي لا يجوز تغييره، ومن ذلك ارتباط المراجعات بجماعات عاملة في الساحة ترى فيها تقويضا لوجودها لا تصحيحا لمسارها، ومن هذا الباب شدة التعصب لطريقة معينة، ومن ذلك –أيضا- عدم التمييز بين ما يجوز فعله وما لا يجوز، وفي المقابل فإن ترك المراجعة أمر عظيم، وله نتائج كبيرة على أرض الواقع ليس أقلها ضياع كثير من الجهود وذهاب لجيل بل أجيال من العاملين لهذه المشاريع، وفي هذا المقام سنعرّج على أهم مظاهر الخلل التي يمكن أن يصاب بها مشروع من المشاريع الدعوية، من ذلك : تعظيم عمل وتضخيمه على حساب غيره من الأعمال، بحيث يذهب التكامل، كتعظيم البعد السياسي على حساب الدعوي، وفي هذا الباب يفترق الناس، فمنهم من يقدم مقاربة تتوجه إلى الحكم باعتباره أداة التغيير، فتبني جلّ المشاريع على ذلك، وهذا يؤدي إلى تعظيم البعد السياسي بما يظهر أثره حتى في سياق الوعظ ودروس العلم، وهذا كما لا يخفى له أثار سلبية تظهر في طبيعة العلم وتوجيه الناس، ومنهم من يغلب عليه البعد الدعوي ويجعل منه نافذة إلى الواقع، فتقوم مقاربته على الإصلاح العلمي والتوجه إلى عموم الناس بمنأى عن الحكم والسياسة، وهذا المدخل لا يقدم جوابا عن كثير من التفاصيل الواقعية، ومن مواضع الخلل –أيضا- ضعف الفكرة المركزية التي يقوم عليها المشروع، ومن مظاهر ضعف الفكرة مخالفة السنن الإلهية والكونية في الإنبعاث، وتجاهل كل إمكانات الواقع، مما يؤدي إلى مصادمة الواقع، ومن مظاهر الخلل ما قد يطرأ على الفكرة من انحراف في الهدف لصالح فئة أو حزب أو تيار، بحيث تختزل الأمة الكبيرة أو الهدف، ومن مظاهر الخلل ترك المراجعة، حتى تتراكم الأخطاء وتكثر، وقد تتولد أفكار منحرفة حيث يظن عجز الفكرة عن مجاراة الواقع، وهذا ما يفسر تولد جماعات من رحم جماعة، كما هو ظاهر في التيارات الجهادية، حيث تعتمد على رفض المشاريع الدعوية القائمة و الزعم بأنها لا تفي بحاجة الأمة ولا تنهض بها.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل