الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الخــروج مــن حالــة الريعيــة

د. جواد العناني

الأربعاء 13 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 15

د. جواد العناني

 عُلّمنا أن المجتمعات الريعية لا تدوم، وذلك لأن تكاليفها ترتفع وعوائدها تتراجع، ما يدفع المسؤولين إلى إعادة النظر فيها. والفرضيات التي تبنى عليها المجتمعات الريعية تتصل اتصالاً مباشراً بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم.
واول هذه الفرضيات ان المسؤولين يقومون بدور الوصي والاب الراعي لكل أبناء وطنهم، ويكفلون لهم الحد المعقول من مستوى المعيشة. فيكون الحاكم هو «الكساب الوهاب»، وأما أفراد الشعب، فهم يرضون بالحكم المطلق، ويطيعون الأمر، ويتقيدون بذلك.
والفرضية الثانية أن الخزينة تُرفَدُ من مصادر محددة تمثل في الغالب موارد طبيعية لم يشق احد أو يتعب في إنتاجها، مثل النفط في دول النفط، أو الفوسفات أو الذهب، أو الانتاج الزراعي المكثف كالقطن، أو التبغ، أو الفواكه. وتوضع حصيلة الأموال في الخزينة العامة، وتكون تحت إمرة صاحب الأمر، يوزع منها نفقات متكررة، ويعطي منها هبات لمن يشاء، ويقرب بها من يشاء، ويقصي من لا يشاء.
والفرضية الثالثة أن الرقابة على المال تكاد تكون غائبة، وإن وجدت فهي غير فعالة.
وتستمر هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم على حالها ما دامت الموارد كافية، وعدد السكان معقولاً، وتبقي فوائض لدى صاحب الأمر تغطي النفقات.
ولكن التاريخ والمؤرخين علمونا دروساً كثيرة، وأعطونا نصائح حول هذا الموضوع.
المؤرخ ابن خلدون في مقدمته حذر من تدني الانتاج في المجتمعات الريعية، وأنها في نهاية المطاف مقدمة للانهيار الحضاري، وذلك لأن الريعية مرتبطة في ذهن ابن خلدون بالمجتمعات البدائية.
أما المؤرخ البريطاني «ادوارد جيبون»، فقد أوضح هذا الأمر بشكل جلي في كتابه الشهير الموضوع بعد مقدمة ابن خلدون بأكثر من أربعة قرون. يقول جيبون في كتابه «تاريخ انهيار وسقوط الامبراطورية الرومانية» المنشور عام/1793 ان من أهم مؤشرات قرب انهيار الأمم هو اعتماد عدد كبير من الناس على الحكومة في معاشهم. وهو يربط هذه الظاهرة بتفاوت الثروات والدخل بين الأغنياء والفقراء.
أما الإمام حسن بن الفضل الذي أوصل الإسلام إلى جزر المالديف (أو «ديبا محل» كما كانت تسمى قديماً)، فقد حذر سلطان الجزر آنذاك من إهمال العدل بين الناس ودفع الظلم عنهم، وتوجيهه الاهتمام نحو من حوله من بطانة تدّعي حمايته. ويقول إن هؤلاء المنتفعين لا ينصرون السلطان من غضب الرعية إن احتاج الرعية ولم يجد عندها ما تعطيه إياه.
ويثير كتاب لوالدي المرحوم أحمد العناني نشرته إحدى أكبر دور النشر في بريطانيا (لونج مانز) بعنوان « التاريخ المبكر لدول الخليج» ،  السؤال الكبير «لماذا كان عرب شرق الجزيرة العربية آخر من أسلم، وأول من ارتد، وأحسن من أبلى في القتال. وأكثر من تشدد في الدين؟». وفي رأيه أن الردة كانت بسبب دخولهم في الإسلام لا إيماناً في البداية، ولكن لأن محمداً بن عبدالله، النبي الأمين، كان شيخاً كساباً وهاباً، ولما طالبهم اول خليفة ابو بكر الصديق بالزكاة ارتدوا محتجين.
كل هذه الأدبيات، وآلاف غيرها، تؤكد مثلاً أن انهيار الدولة العباسية كان بسبب فساد العلاقة المالية بين الحاكم والمحكوم سواء في بغداد، أو في أطراف الدولة ابان العصر العباسي الثاني. وكذلك حصل مع الدولة العثمانية حين تحولت إلى الجباية، وكرّهت من كانوا تحت سلطانها من الضرائب التي لا يعود منها على دافعيها أي خير.
والوطن العربي يواجه الآن المهمة الصعبة، هي تحويل الوطن العربي، دولة دولة، أو قطراً قطراً، من حالة الريعية إلى ديمومة مجتمعات الانتاج والتنافس، القائم على العلم والمعرفة.
ولقد شاهدنا بداية هذه المحاولات في دول نامية، ومن أبرزها حديثاً تركيا التي عانت في العقدين الثامن والتاسع من القرن الماضي من الإفلاس، وسفك الدماء، وحالة التمرد. ولكن بفضل جهود المخلصين فيها، وصدقيتهم مع الناس، تمكنوا من الانتقال خلال عقدين إلى مجتمع منتج.
ورأينا الحكاية نفسها تتكرر في دولة ماليزيا. وقد أتيحت لي فرصة اللقاء برئيس وزرائها د. مهاذير محمد عام 1986، حين كانت اسعار النفط والمواد الخام والمنتجات الزراعية تتراجع في العالم، وقال لي لقد اضاع العرب علينا جميعاً فرصة انصاف أنفسنا من الاحتكار والمنافسة الضارة التي فرضتها علينا دول العالم الغنية حين فرطنا بفرصة ارتفاع اسعار النفط ومشتقات الطاقة. ولكن بالرغم من تلك الانكفاءة، تمكن بمساعدة مواطنيه من تحويل ماليزيا إلى مجتمع انتاج منافس.
وقد حذر كثير من الاقتصاديين دول الخليج من عدم القدرة على الاستمرار في السياسة الريعية، ونبهوهم إلى خطر ما يسمى في علم الاقتصاد «بالمرض الهولندي». وهذا المرض يشير إلى الاقتصاد الهولندي الذي تحول من مجتمع منتج إلى مجتمع شبه ريعي حين اكتشف الغاز الطبيعي فيه. وترك الناس الزراعة والانتاج الصناعي إلى القطاع الغني ليعملوا فيه، أو ليؤمنوا للعاملين فيه سلع الرفاهية وخدماتها، ولذلك تحولت هولندا من دولةٍ يتوزع العاملون فيها على مختلف القطاعات إلى دولة شهدت تركزهم في قطاع الطاقة وما يرتبط به، ولذلك واجهت الدولة صعوبات كثيرة حين بدأ الغاز بالنضوب، وتحولت تدريجياً إلى الصناعة والزراعة وخدمات الشحن وغيرها بهدف تنويع الاقتصاد، وتعزيز الانتاج، وتنافسيته، ونجحت في ذلك نجاحاً كبيراً.
هل تستطيع الدول العربية التحول نحو ذلك؟ من الواضح ان الدول التي ادركت ضرورة تعزيز موارد الخزينة من المواطنين بدلاً من الاعتماد على دخل قطاع واحد أو قطاعين في السير باجراءات التنويع الاقتصادي، ولكنها لم تفلح في تغيير الثقافة نحو الانتاج. فاعتمد كثير منها على فائض العمالة في الدول الأفقر.
ولما واجهت مشكلات كثيرة، بدأت في جمع الضرائب وتقليل الدعم، ورفع تكاليف المعيشة، والسعي للتقليل من الاستهلاك المظهري وغير الضروري. ولما بدا ان الناس لم يقبلوا بهذه الاجراءات المؤلمة، بدأت الدول المطبقة لهذه البرامج في الاحساس بالضغط عليها، والتشكيك في شرعيتها، لأن الفرضيات التي قامت عليها بدأت تتغير.
ومن هنا، صار المسؤولون يبحثون عن وسائل لتخفيف الضغط عليهم بنقل عبء التحول وتكاليفه عن اكتاف مواطنيهم الى اكتاف العاملين المقيمين لديهم، والسعي لاستبدالهم، وهذا اسلوب اقل كلفة من الناحية السياسية، ولكنه اجراء مؤقت ولن يكفي، وسوف تضطر هذه الدول الى وضع عقود اجتماعية جديدة تعيد بناء العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وقد ادركت بعض الدول العربية هذا الأمر، مثل الأردن، والمغرب، وتونس، والجزائر، وهي الأقل موارد من غيرها، ولديها قاعدة سكانية محلية، وقد كتب الملك عبدالله الثاني سبع اوراق نقاشية سعياً منه للمساهمة في هذا التحول المجتمعي بالتدريج.
ولكن متطلبات التحول تأخذ وقتاً اطول من الوقت المتاح للحكومات لكي توفر للناس فرص عمل كافية ودخولاً مناسبة تمكنهم من مواجهة الاعباء الجديدة. ولذلك يحصل التذمر وتزداد الشكوى، ومن هنا، تصبح إدارة هذه المرحلة الانتقالية من أصعب مراحل التحول المنشود.
إذا تمكن الوطن العربي بكل أقطاره من إدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة، فهو في طريقه نحو النجاح. أما إن بقي مقسماً، مهزوزاً، فإن القوى الإقليمية والدولية لن تصبر حتى يستعيد أنفاسه، بل ستستغل فرصة انشغاله بخصوماته الصغيرة ذات الكلف البشرية الانسانية والاقتصادية المرتفعة حتى تبقيه على حاله من الضعف والفرقة. علينا أن نتذكر «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة».
 
نشرت بالتزامن من صحيفة العربي الجديد اللندنية

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل