الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الوصْفُ التَّصويري في رواية «صديقتي اليهودية» لصبحي فحماوي

تم نشره في الخميس 7 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

* د. صالح أرديني
تمتازُ روايةُ صديقتي اليهودية للرِّوائي صُبحي فحماوي بأنَّها روايةٌ تُجسِّدُ الصِّراعَ الفكريِّ والدينيِّ والعسكريِّ بينَ العربِ واليهود، وذلكَ منْ خلال الحوارِ الذي يدورُ يبن شخصيتين رئيستين؛ الأولى عربية/ أردنية ويمثِّلها (جمال قاسم)، والثانية يهودية، وتُمثِّلُها (يائيل آدم)، إذ تُجسِّدُ كلُّ شخصيةٍ موقفها من هذا الصِّراع ممثَّلاً بالقضية الكبرى فلسطين.
ويتَّخذُ الروائي من رحلةٍ سياحيةٍ في حافلةٍ تَضمُّ مختلف الجنسيات والقوميات والديانات، مسرحاً لتجسيد روايته، وعلى الرغم من أنها حالة تحدث يومياً آلاف المرات في بقاع الأرض، إلا أن الكاتب تمكَّن من توظيفها في صنع الحدث وتحويلِ الأشياء اليومية/الواقعية المعاشة، إلى واقع جديد يمتزج بخيال واسع، ينتج عنه عمل روائي مميَّز.
والحديثُ عن العمل الروائي له مداخلُ عديدة، بدءً من العنوان وعتبة الإهداء والعتبات النصية، مرورا بتقنيات السرد وعناصره وانتهاءً بالأحداث التي تشكل جوهر العمل وغايته، ولكن ما لفت انتباهي في هذه الرواية هو الدقة في وصف الأشياء، ورصد تفاصيلها بما يفوق الزمن الممنوح لرؤيتها أو معاينتها، فحين يصعد جمال إلى الحافلة يصف أرضية الحافلة المفروشة بدقة متناهية مع أنه يفترض أن يكون مشغولاً بأشياء أخرى كالبحث عن مكانه، أو الحديث مع المرشدة، ولكنه استغل صعوده على الدرجات الثلاث ليصف ما رآه بلحظة، وكذلك وصفه الدقيق لملابس المرشدة، فضلاً عن هذا النموذج الذي يصف فيه كيفية إصلاح البلاط، وكأنه متخصص في هذا النوع من العمل، مما يدل على أن السارد يوظف خبراته المختزنة وثقافته المتنوعة في إدارة عمل الشخصيات.
يعتمد الوصفُ التصويري في هذه الرواية على اللقطة، والصورة التمثيلية المتحركة وأشكالها، وعلى ذكر الأشياء في مظهرها الحسِّي بما يفيد من نشاط الألوان، ومن الرسم وأدواته، ومكوناته، ومن الصور المجازية كالتشبيه والاستعارة والكناية فيحدِّدُ شكلَ الشَّخصيات وأحاديثهم، ويصف ملابسهم وأدواتهم وأثاث بيوتهم ويكشف عن تركيبهم الفكري والنفسي ويبرزه، ويصف طبيعة الأمكنة والأزمنة والأحداث، فضلاً عن تصوير أداة الرحلة/ الحافلة، فالكاتبُ لا يتركُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا وصوَّرها، إذ إنه لا ينشغلُ بالحدث ويترك مايحيط به، وإنما يُمهد له ثم يدخل إليه من زاوية معينة تمثل إطاراً لذلك الحدث، ففي استهلال الرواية ثَمَّةَ مشهد الحافلة التي تستعد للانطلاق، إذ يتم تصوير زاوية خارجية/ محركها الذي (ينفث بهدوء بخاراً شاحب البياض من عادمه)، قبل أن يدخل إلى داخلها ويبدأ الأحداث، ثم يصور لحظة الصعود/ السُّلم، مع أنه بصدد الالتحاق بالرحلة التي تأخر عنها، وبصدد إزالة الارتباك الذي وقع فيه وهو يحاول تقديم أوراقه للمرشدة السياحية، والانتظام مع أقرانه، وهو بذلك يقدَّم للمتلقي تصوراً يدل على نوعية هذه الحافلة،  وفخامتها، ومن ثمَّ تكوين فكرة تامة عن طبيعة هذه الرحلة، وطبقة الأفراد المشتركين فيها، يقول: (أصعد الدرجات الأمامية الثلاث لباب الحافلة المكسوة بالسجاد الاصطناعي المُثقَّب اللدن كي لا ينزلقَ الصاعدون عليه)، فهو يعطيك عدد درجات السلم، ونوع السجاد المفروش عليه، وسبب فرشه، ثم ينتقل الكاتب من صورة إلى صورة بتسلسل وسلاسة فما أن يصعد الدرجات ويرفع رأسه بعد تصوير السُّلم حتى يبدأ بتصوير المرشدة تصويراً شاملا، مستفيدا -كما ذكرنا- من نشاط الألوان، وتوظيفها بدلالات موحية، فلون القميص الأبيض ولون البنطلون الرمادي المخطط طوليا يدلان على الزي الخاص بموظفات هذا القطاع، ورقة القميص المكوي والحزام الأسود الرفيع على وسط مهضوم وقوام ممشوق تدل على هيئة خاصة تليق بمرشدة سياحية، وأما تصوير اليدين فيتركز على واحدة وهي التي تمسك الأوراق المدونة فيها الأسماء والتي وصفها بأنها رقيقة بيضاء ذات صبغة زهرية متفاوتة الطيف، وأما اليد الأخرى فتَغيبُ معالمُها لأنها تختفي تحت مكبر الصوت، يقول في هذا المشهد:
(أجد نفسي وجها لوجه مع ابتسامة رقيقة لصبية طويلة نحيلة القوام قميصها الأبيض الرقيق المكوي، وبنطالها الرمادي المخطط طوليا ينحصران بحزام أسود رفيع  على وسطها المهضوم وبيدها الرقيقة البيضاء المشوبة بصبغات زهرية متفاوتة الطيف تمسك أوراقاً، وبالأخرى مكبر الصوت، تبتسم لي وهي تقف بيني وبين السائق الشاب).
فهو لا يكتفي بالإشارة إلى ذلك السائق الشاب، الذي لا يلتفت إليه، وإنما يصوره بما يتلاءم وطبيعة مشهد الصعود إلى الحافلة، لأنه يمثل القاعدة الرئيسة التي سترتكز عليها أحداث الرواية، فهو(منهمك بتفحص الأجهزة المحيطة بمقود الحافلة، وبتلميع زجاجات العدادات المثبتة أمامه، فلا يلتفت إلي، يبدو انه يستعد للانطلاق).
يبدأ الكاتب بتصوير الأحداث من خلال الشخصيتين الرئيستين،(العربي جمال قاسم، واليهودية يائيل آدم )، فصورة جمال قاسم هي، صورة صدام حسين كما صوَّرته إحدى الجالسات في الحافلة( صدام حسين، صدام حسين هكذا صهلت امرأة غربية، بيضاء جالسة في وسط الحافلة على مقعد الممر وهي ترفع وجهها باتجاهي وذلك بعد سماعها اسمي ومشاهدتها وجهي العربي) فالكاتب يوظف الصورة السمعية (صهلت) والصورة البصرية (بيضاء) والصورة المكانية ( جالسة في وسط الحافلة على مقعد الممر)، والصورة الحركية (ترفع وجهها)، ثم ينتقل إلى تصوير الجميع وكأنه يحمل عدسة كاميراتية، ( توترت الحافلة بركابها وجحظت أعينهم)،
ويستغل الكاتب حديث المرشدة لتصوير أمكنة مهمة في لندن، سيعتمد عليها في تنامي الأحداث وتطويرها، وفي التعبير عن وجهة نظر خاصة بالشخصية الرئيسة جمال قاسم،  تقول المرشدة عبر السماعة: (إننا نتجول بهذه الحافلة في رحلة سياحية تشمل سبع دول في شمال أوروبا ابتداءً من انجلترا، الآن نحن نعبر فوق جسر لندن الذي يعتبر من أشهر معالم العاصمة بجوار البرلمان ومجلس الشيوخ وهو واحد من ثلاثة وثلاثين جسراً تقطع نهر التيمز في لندن)، فيرد جمال قاسم على تلك المرأة التي عدته ممثلاً شرعياً للعرب ولصدام حسين قائلاً لها:
(كل ما كان عندنا في بغداد هي خمسة جسور لا نملك غيرها، أتيتم بعديدكم وعتادكم مدججين بثلاثين دولة غربية معتدية، فحطتم الجسور العراقية الخمسة اليتيمة لدينا).
ويستمر الراوي في تصوير الأمكنة بإسهاب شديد ويرصد تفاصيل دقيقة عبر زجاج نافذة الحافلة التي تسير بسرعة، مع أن هذه المشاهد لا يمكن رصدها إلا من خلال دقة وتأمل، فكيف تسنى له كل هذا، لولا هذا الخزين المعرفي الكبير، والطاقة التصويرية التي تستند على حواس فعالة وخيال جامح،
(الحافلة تسير بنا في شوارع العاصمة وهي تنهب العمارات الشاهقة المستأنسة بالأشجار الباسقة المتطلعة إلى بعض الغيوم البيضاء الهابطة علينا من زرقة السماء وبين الأرصفة الواسعة نسبياً للمشاة تنبثق شجيرات متفرقة أو متلبدة بأشكال متروكة لتنمو طبيعية بدون قص أو تشذيب وسط أحواض الزهور).
من معالم الوصف التصويري في رواية صديقتي اليهودية تصوير الأزمنة إذ يعتمد التواريخ عناوين داخلية للرواية بدلاً عن الكلمات، والتي تنتظم في ثمانية عشر تاريخا/ عنواناً، موزعة على الأيام، تبدأ مع بداية الرحلة في 12/6/1993 ، وتنتهي مع نهاية الرحلة في 29/6/1993، إذ لا بدَّ لهذه التواريخ من دلالة معينة تحيل على مواقف سياسية أو اتفاقيات ومعاهدات، فضلاً عن أحداث تاريخية تعود لأزمان سابقة، وظفها في حوارات تمثل الصراع الديني والفكري بين الشرق والغرب، أو بين المسلمين وغيرهم، من مثل الحوار الذي دار بين السفير الأوروبي وبين جمال قاسم في بيت الأخير حول الفتوحات الإسلامية، ولماذا توجه النبي محمد نحو بلاد الخضرة، بسبب عقدة الصحراء، ورد جمال قاسم عليه، بأن الإسكندر المقدوني، وهولاكو، ونابليون، والصليبيين، والاستعمار الغربي، والصهاينة كانت لديهم عقدة كراهية الخضرة، فراحوا يبحثون عن التصحر، وهم يتوجهون لغزواتهم في بلاد العرب.
 ومن مثل الحوار بين يائيل وبين جمال، إذ تطلب يائيل من جمال أن يحدثها عن البابليين والآشوريين، وإيوان كسرى، ونبوخذ نصر، والجنائن المعلقة، بوصفه عربياً، ومن مثل تذكر القائد القرطاجني هاني بعل وكيف قطع هذه المدينة - جنوة  الإيطالية حالياً- ، هو وجيشه المدعم بفيلة غريبة عن المنطقة.
ولعلَّ اعتماد الرواية على سارد واحد يروي الأحداث لشخصية رئيسة (يائيل)، وشخصيات ثانوية أخرى، ثم يتدخل شخصياً للتعبير عن رأيه، أو تقديم موقف خاص بها، أتاح لها كل هذا العمق في التصوير، مما يجعلنا نقول عنها بحق إنها رواية مشاهد سينمائية مدهشة.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل