الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الجَمالُ مبثوثٌ في كل تفاصيل حياتنا

محمد داودية

الثلاثاء 5 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 189

كنت ضمن هيئة تحرير «الطبعة الدولية» التي تعنى بالبيئة والمناخ، ضمن 13 صحافيا من مختلف دول العالم. وقد زارت الهيئة تلك في جولاتها السنوية، البرازيل والمكسيك وإيطاليا وكينيا ومصر، ولبت دعوة الملك الحسين رحمه الله لزيارة الأردن عام 1994.
زرنا، في سياق جولات هيئة تحرير «الطبعة الدولية»، عددا من القرى الكينية، على بحيرة فكتوريا، حيث كادت الهيئة كاملة، ان تصبح وجبة غداء سائغة، للتماسيح العملاقة الرابضة بكمون وتمويه وتربص على ضفاف البحيرة، جعل عددا من السواح واطفالهم طعاما لها، في مناسبات مختلفة، حين كان يطأ السائح ظهر التمساح داخلا الشّرَك برجليه.
دخلنا في احدى القرى الكينية، كنيسة فقيرة مبنية من الطين والقصب، أين منها كنائس الأردن المترفة الفخمة في عمان والفحيص واربد، فلاحظنا وجود رسم معلق على الجدار للسيد المسيح عليه السلام، ببشرة سوداء وشعر اكرت اجعد وانف قصير مجدوع وشفتين مكتنزتين!.
سألت الدليلة مندهشا على مسمع المجموعة: انتم تنسبون السيد المسيح الى عِرْقكم، والسيد المسيح لم يكن زنجيا ولا أسود.
فردت الدليلة الفصيحة: لو رسمنا السيد المسيح بعينين زرقاوين وبشرة بيضاء وشعر اشقر وانف مستدق، مثل المستعمرين الاوروبيين، لما دخل الزنج الدين المسيحي! لقد رسمناه على هذا النحو فجاء جميلا يشبهنا.
كان جوابا وجيها، كشف عن «مرونة» وذكاء وتوظيف خلاق للبيئة من اجل تحقيق اهداف لا يمكن تحقيقها لو لم يتم ذلك «التصرف» المنسجم مع الواقع والحياة في تلك البقعة المنزوية في اقاصي الأرض.
الكثير مما هو مكتسب او قابل للفقدان في جسم الانسان وشكله كالنحافة والسمنة ولون الشعر والملابس، ليس من الجمال. الجمال هو ما يروق لنا وهو مختلف من بيئة الى بيئة ومن قارة الى أخرى ومن عِرق الى عِرق آخر.
كانت السمنة والبياض، من ابرز معايير الجمال في النساء الاردنيات الى نحو 60 عاما مضت. كان الطلب منصبا على الفتاة المليانة السمينة الثقيلة، التي «لا تتمكن من ان تنقل او تحمل حالها». ومنصبا على المرأة السمينة ذات الثديين الكبيرين اللذين «يشبعان أولادها» حليبا. ومنصبا على الفتاة ذات البشرة البيضاء، «التي ترى مسرى الماء في حنجرتها !!»، البارزة وسط بحر من النساء السمراوات، حتى اضطرت النساء السمراوات، وهن الأغلبية الكاسحة في بلدنا، الى هجاء الرجال الذين يلهثون خلف الفتيات البيض والشقراوات، يطلبون الزواج منهن: «البيض صيدات الرجال الهلايم».
السمنة لم تعد من مقاييس الجمال كما كان الحال، فبالامكان اليوم التخفف او التخلص منها كالتخلص من التدخين، بشيء من الرغبة ولا أقول بشيء من الإرادة. والنحافة المفرطة يمكن إضافة بضعة كيلوغرامات الى صاحبتها لتصبح في قوام ورشاقة عارضات الأزياء: ميرندا كير و جى جى.
والمدهش هو ما تفعله بعض النساء بأنوفهن وشفاههن. وهن قبل كل شيء احرار فيما يخترن.
لقد خلق الله الانسان في احسن تقويم وجعل توزيع «مقاسات» الوجه والجسم، في «هارموني» الهي مدهش، استغرب العبث فيه لمحاولة تقليد انف نانسي عجرم او شفاه مادونا وشاكيرا.
مصادر الجمال كثيرة جدا جدا وهي ليست محدودة في قالب او شكل او نموذج كما انها ليست متماثلة ولا متطابقة. فهذه المصادر متوفرة في الفطرة وفي السلوك الطبيعي غير المتكلف وفي الابتسامة التلقائية وفي النظرة وفي الحياء وفي الصمت وفي الكلام وفي العطاء. وهي متوفرة في ما يناسب البيئة والعِرق كما في الزمان والمكان. لا توجد معايير ومقاييس مطلقة عامة كونية للجمال، فما يناسب باريس لا يناسب كينيا.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل