الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ثورات بلا ثوار

رشيد حسن

الثلاثاء 29 آب / أغسطس 2017.
عدد المقالات: 240

في كتابه الفكري المتميز “ ثورات بلا ثوار” الصادر عن دار الريس للنشر، الطبعة الاولى2014، يضيء الكاتب والمفكر اليساري فواز طرابلسي، كثيرا من الحقائق التي ترافقت وتزامنت، لا بل وميزت الثورات العربية، التي اضاءت شرارتها الاولى سماء تونس،عندما أقدم البوعزيزي على حرق نفسه، احتجاجا على الظلم والقهر والفقر والعسف، الذي حول الانسان التونسي، لا بل العربي الى رقم ...الى لا شيء في عرف قوى التسلط والاستبداد والارهاب.
ومن أهم هذه الحقائق التي ميزت هذه الثورات:
اولا : ان هذه الانتفاضات الشعبية تميزت بانها غير متوقعه وعفوية الى أبعد حد، محاولا تفسير وتقصي اسباب طابعها المفاجىء، وعدم استشعار حدوثها، وذلك لأن البحث في أزمات المنطقة، كان يجري في حقل اخر، وبادوات بحث أخرى، غلب عليه طابع النيوليبرالية المتعولمة، وأجندتها المستنبطة في المنطقة من سلطات ومؤسسات وقوى مدنية وأهلية وحزببية ومثقفين .
ثانيا :المفاجأة الثانية التي ميزت هذه الانتفاضات ، او الثورات -- لمن يحب أن يطلق عليها أنها انطلقت من الداخل، على عكس ما توقعه اسلاميون وليبراليون وقوميون ويساريون، وقامت دون مساعدة من الخارج، بل قامت ضد هذا الخارج، فقد حصنت القوى الغربية، ودعمت وتواطئت مع أنظمة الاستبداد من دكتاتوريات جمهورية توريثية، أو أنظمة سلالية نفطية وغير نفطية، في طول الوطن العربي وعرضه، على امتداد ثلاثة أو أربعة عقود، ولم يكن لأي قوة عربية في هذا الانفجار المدوي أثر.
ثالثا: يشير المفكر فواز طرابلسي الى أن توقيت هذه الانتفاضات جدير بالملاحظة، اذ حصل بعد انقضاء عهد بوش الأبن، وبعد ما تخلت الادارة الاميركية عن رطانتها الديمقراطية، دون أن تحقق أي انجاز على هذا الصعيد، والأهم أن هذه الانتفاضات اندلعت بعد الانسحاب الاميركي من العراق.
رابعا : يقف المؤلف مطولا عند الشعار الذي رفعه المتظاهرون “الشعب يريد اسقاط النظام” .. مشيرا الى أن هذا الشعار الشجاع والجريء، يقع خارج منظومة المفاهيم والافكار والارشادات التي قامت عليها، وروجت لها الايدلوجية النيوليبرالية المهينة، فلقد انطلقت هذه الصيحة المجلجلة من تونس الخضراء، مستلهمة قصيدة الشاعر الفذ ابو القاسم الشابي :
اذا الشعب يوما اراد الحياة     فلا بد ان يستجيب القدر
ومن لا يحب صعود الجبال    يعش ابد الدهر بين الحفر
ويرجح أنها اختلطت باصداء من مرويات الثورة الفرنسية ..
“الشعب يريد اسقاط النظام”... هو اعلان عن مصدر جديد لشرعية السلطة، يحل محل الشرعيات السائدة...” القبلية السلالية ..والعسكرية العقائدية ..والثيوقراطية ..وشرعية تأويل النص الديني في أمور السياسة والدولة، فضلا عن شرعية الاحتلالات الاجنبية، أو الشرعيات الخارجية التي استعاضت بها الانظمة الاستبدادية عن شرعية الشعب..
في مقابل هذا كله يطمح شعار “الشعب يريد “ الى تحقيق مبدأ السيادة الشعبية، وحكم الشعب،وهو أساس لأية سلطة ولأية شرعية. 
خامسا : ان شعار “الشعب يريد” الذي حرك الملايين في بداية الانتفاضات الشعبية من الماء الى الماء، هو العلامة الفارقة على الطابع الديمقراطي والشعبي لهذه الانتفاضات، وهدفها الجذري الأبرز ...هو الاعلان على أن الشعب مصدر للسلطات،وهذا يعني السيادة الشعبية على كل سيادة أخرى،.. ويحسم أيضا بعجز الانظمة عن أن تصلح نفسها بنفسها، مؤكدا أن السبيل الوحيد لتحقيق ارادة الشعب هو التعبير بالقوة، قوة الشعب.
سادسا: تشكل الانتفاضات هذه التي اطلقها الربيع العربي، موجة من موجات المقاومة الشعبية لمفاعيل النيوليبرالية المتوحشه، بعد ربع قرن على تطبيقها، وقد ادت الى زيادة الاغنياء غنى، والفقراء فقرا، وهذا ما يفسر شمولها هذا العدد الكبير من البلدان العربية في وقت واحد.
باختصار ...
“ثورات بلا ثوار” يضع القارىء العربي في صلب وخصائص ومميزات ثورات الربيع العربي، واسباب ذبول هذا الربيع، وتحوله الى شتاء قاس، في ظل عدم وجود قيادات سياسية بمستوى هذه الثورات تتولى قيادة الجماهير، وتجذير الفعل الثوري في الارض العربية.
رغم ذلك يؤكد طرابلسي حقيقة الحقائق مستندة الى تجارب الدول الاخري وهي: ان هذه الثورات لم تمت، بل زرعت بذورها في الارض العربية، والتي ستزهر في يوم قريب، وتعود امواجا في ظل امواج، تزيح الاستبداد الاسود، وتاتي بالفجر الجميل.
 
Rasheed-hasan@yaoo.com

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش