الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عمق الرؤيا في تجربة عمر أبو الهيجاء الشعريّة

تم نشره في الخميس 24 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً

* د. عماد الضمور
تتزايد الآراء النقدية في وقتنا المعاصر التي تذهب إلى حاجة قصيدة النثر في الساحة الثقافية العربية الماسة إلى أدوات تقنيّة، وتصورات نظريّة ومفاهيم إجرائية لتقويم نتاج الشعراء النثري ودراسته دراسة موضوعية وفنية.
فهي قصيدة ما زالت تبحث عن كينونتها التي تجعل منها نصاً قابلاً للقراءة، وما تزال في طور التكوّن والتشكّل تبحث عن موقع لها في الإبداع الأدبي المعاصر، إذ إنّ تداخل الأجناس الأدبية جعل من استخلاص تعريف ثابت لها أمراً شائكاً، فهي تراعي الإيقاع والدلالة والذاكرة، ممّا يميّزها عن القصيدة العمودية التي تقوم على نظرية النقاء الُلغوي، وبكارة اللغة ومثالية النظم، ويجعلها بنية دالة على معنى بروح شعريّة تشترك مع النثر بالسمة السردية ذات الصبغة الحكائية، وانبعاث الرؤيا في التعبير.                                                                     
ومع كلِّ ذلك تبقى قصيدة النثر أكثر تمثيلاً لحراك إبداعيّ جديد، يُنجز أسئلته بعيدًا عن القياسات والأُطر التقليدية، ويفتح صفحة جديدة تسمح للجسد المقهور أنْ ينتج علاماته في حرب ثقافية هي الأقسى في تاريخ الشعر، فهي قصيدة ذات بنية سائلة في طبيعة التعرّج والتشعّب، فضلاً على أنّ فضاءاتها الُلغوية والإيقاعية مفتوحةٌ، دون حدود أو قيود، وهذا ما يمكّن الشاعر من التعبير عن تجارب داخلية معقدة، ومكبوتة.                                                
جاءت معاودتي المغامرة النقدية في قصيدة النثر انقياداً وراء الإيقاع الذي ينتظمها، وهو إيقاع منظم، مزيج من الرؤى والواقعية في ألفة حميمة تشي بملاح الحزن المتشح بنبل التضحية والمشبّع بجدليّة الموت والحياة، إيماناً بدور الشاعر في المجتمع وحركته الإيجابية النامية التي تتابع ولادة الحلم لحظة بلحظة ، ترنو إلى المستقبل، وتمهد له برؤيا قابلة للانكشاف شعريّاً والتلقي جماليّاً، وهي رؤيا لم تكن عفوية بقدر ما جاءت وليدة معاناة وتجربة، توحّد في مركزها الشاعر مع الحياة، لتنبض الكلمات بانبعاثات وجدانية، تتجسّد معها الرؤى في النص الشعري روحاً ثائرة، تتجاوز الحالة السكونية للحلم إلى تعالق بتواترات حياتية لا تنتهي.                 
عمر أبو الهيجاء شاعر أردني أخلص لقصيدة النثر عبر دواوينه المختلفة التي أصدرها، إذ تتضح في شعره قوة الخطاب وعمق الرؤيا وأصالة التجربة ، فضلاً عن إنتاجه للغة لا يمكن هدمها بل البناء عليها، فهي في نمو مستمر وكأنها بخار فرح يصعد من الذاكرة المحبوسة في ماضٍ يُشرق دائماً في قصائده مجازات مزلزلة، ولغة خاصة يتبناها الشاعر وقد أضاف إليها ذاته المعذبة، وروحه الثائرة.
أن تكتب الشعر فذاك أمر مهم، يستدعي عطراً معتقاً وذكرى منعزلة تعكس كينونة الشاعر الحالم وسعيه إلى عالم مثالي لا يعيش فيه إلا الحالمون، لكن أن الرؤيا التي يعكسها هذا الشعر هي ما تعيننا في الكشف عن عالم الشعراء الخاص، أساريرهم المدهشة، إذ ينبلج عالم الشاعر الحالم عبر تفاصيل اللغة وإيقاع حروفها وشدو معانيها، وهذا ما يجعلني أقف كثيراً تجربة عمر أبو الهيجا الشاعر الحالم والمعذب الحائر الذي فقد جزءاً من اتزانه مع الواقع وأخذ يلوذ بما تبقى من أحلامه الدفينة، التي أشعلتها جذوة الألفاظ ونثرتها شعراً يبوح، وسرد لا ينطفئ.
في ديوانه الأخير» ويجرحني الناي» الصادر عام 2016 يرسم الشاعر معالم ليله الطويل دون أن يسمح لأحد بمشاركته في رؤاه، إنّه حلم الليل الذي نختلف في تفاصيله ، لأنه حلم خاطف ومدعاة للحيرة يخطف كينونتنا ويمنحنا أحلاماً مختلفة .
وكأنه يريد أن يقول أن الليالي ليس لها تاريخ تفتقد نسقيّة التتابع والترابط لاختلاف الرؤى التي نحياها فيها ، فيصف ليله  في قصيدة « ليل وحيد»: (ويجرحني الناي، ص 53)
ليلٌ
يذوّبهُ قمرٌ
وخطى طافحةٌ بالركضِ الملتهب
ليلٌ يشربُ ازرقاقَ البحرِ
خلفهُ أرضٌ
تلهثُ في اصفرارِ قمحها
كي تشهدَ أعراسَ أرغفةٍ
محروقةٍ في الأيدي والطوابين
إنّه الحلم الذي ينزلق إلى أودية سحيقة  نعثر فيها على عدمية كينونتنا ووصولنا إلى المُحال، نسرد الحلم في النهار باحثين فيه عن سر الخلاص، لكننا في الحقيقة نكون قد أضعنا جزءاً مهماً من مبتغاه، ممّا جعل الشاعر يوغل في المجاز وابتداع الصور الجميلة ليبني ما فقده من ذاكرة أحلامه ورؤاه، فكانت جمالية قصيدة النثر من عمق الرؤى التي تحملها وسكونيّة الأحلام، يقول :(ويجرحني الناي، ص 55)
هُنا
في الليلِ
تحجُّ الأحلامُ إلى النشوةِ البكرِ
والضوءُ ينتحبُ على أسطورة الجسدِ
ندورُ في المدى
نرتقي سُلّمَ المشتهى
في السكون الراجفِ
من زحف الخفافيشِ
على مرأى الوجوهِ الرماديةِ
ربما أمعنت ُ كثيراً
في سردِ الغموضِ
لاكتشافِ حكايا ليلٍ مريضٍ به
  في الليل تكمن الأحلام بلا تاريخ لكنها تحتضن الرؤيا، وفي الليل نحارب ضياعنا لنعثر على ذواتنا، التي تجعل من هذه الأحلام وثائق لخسارات متتابعة وصورة طبق الأصل عن حالة النزف المستمرة، لتكشف في النهاية عن رؤى فيلسوف متأمل وروح ناسك متعبد يبحث عن الخلاص من كلّ ما يواجه صموده، إذ يذهب الليل وينجلي النهار ليبقى الحلم شامخاً لا ينهار، حيث يقول (ويجرحني الناي، ص 56):
هُنا
في الليل
أرى ليلاً هارباً
من يقظةِ الضوءِ
إلى
...حلمٍ
....عابر.
     لقد أصبحت لغة الشعر تُخضع شبكة العلاقات بين الألفاظ، والتراكيب لعدة تغيرات طارئة تقتضيها العملية الشعريّة، فتصبح دلالات القرائن متغيرة، ومتبدلة وفقاً لتجربة الشاعر، وبما يساعده على إعادة صياغة واقعة من جديد ؛ لذلك جاء تساؤل ليعمّق من معاناته، فكانت أسئلته القلقة المقلقة، حيث يقول(ويجرحني الناي، ص 162):
في الخمسين
ينامُ الشيّبُ في الرأس
وأسائلُ الليلَ عن مداه
كلُّ ليلٍ أرضعتهُ برقَ الروحِ
ورفعتُ قامتي للشمس
عانقتُ سِفْرَ الأيام
شممتُ العمرَ ..عن كسلٍ
فأيُّ دربٍ أوصلني لنهب الأغاني
كلُّ ما في الأمر جراري فارغةٌ
ودمي على وتر الحياة معلَّقْ
وجسدي شااااااخ
في الطين.
فالأحلام تُلغي الزمن؛ لأنها فيض حبّ دافق، ولحظة نشوة تدوم؛ لذلك يحرص الشاعر على إبراز مرارة فعل الزمن، مما يعمّق من قتامة فعل الحياة، وشعور الشاعر بالضياع وفقدان الزمن.
   عمر أبو الهيجاء في ديوانه» بلاغة الضحى» الصادر عام 2012م عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، يتحصّن بالرؤى، ينتظر الذي يأتي بعد مخاضات الحياة العسيرة، في شعره عفويّة براءته وعذوبة نغمه، يوقد شمعة في الظلام مرتحلاً وراء الرؤى المنبعثة فيضاً من الوجد، وقبساً من الأمل، كما في قصيدته( سماء تقهقه بالرعد) ذات النبض القابض على الوجع، والدافق بالرؤى، حيث يقول:    (بلاغة الضحى، ص16).
« أقلب ُ البلاد بين يدي»
تاركاً على الصدر الحمامْ،
وطنٌ صاهلٌ في الدم،
أصرخ بملء العتمةِ
مَنْ أضرم النارَ يا بلدي؟
أغنيةً للحزنِ،
وأطلقَ في أقصى المدن
غرابَ الموت،
ونام في جُرحنا،
أسئلةً تفيضُ كرغوة الحلمِ،
على عشب اليدينِ 
    هذه الرؤى لا تصدر إلا من شاعر مسكون بعشق الإنسانية، يتجاوز إيقاع الثورة إلى إيقاع الرؤى الناهضة بفعل الحياة، تنشطر فيه الذات إلى رؤى، ذلك أن القصيدة كينونة ذاتية وفرادة لغويّة وبوح شجي، ونتاج لتواترات في دخيلة الشاعر نفسه، محققاً رؤية أرسطو في أن الشعر تطهير لآلام المبدع، وتحصين للرؤى من الاندثار.
إنّ العناصر التصويريّة حاضرة في نص عمر أبو الهيجاء الشعري، بل إن إيقاع البلاغة يزاحمه توالي الأفعال وحركيتها الفاعلة بشكل مراوغ وبانعطاف شعوري يتصاعد من بؤرة الانفعال الحاد الذي يختزل مساحة النسيج اللغوي؛ لتتشكل الرؤى بإيقاع فني عذب ينعتق من مأسوية الواقع في فضاءات واسعة من الحرية، حيث يقول (  بلاغة الضحى، ص 19):
دمعٌ على مفترق الحاراتِ،
سماءٌ تقهقهُ بالرعدِ،
أقدامٌ تسيرُ على الرماد،
وأيدٍ تلوِّحُ،
ترسمُ شارات النصرِ،
وأفواهُ البهجةِ تشكِّلُ التاريخَ،
تهتفُ عالياً
..ارحل،
يا أيها الوطنُ الذبيحُ،
أعرني دمي ثانيةً،
لأعيدَ إليك الندى،ِ
   فثمة تواشج يربط بلاغة الكلمات بإيقاع الرؤى، لكنهما يفترقان في أن الاستعارة تنتشر في التركيب اللغوي ذاته، بعكس الرؤى التي تنتشر في مجمل النص، وهكذا فإن الشاعر خلاّق يفتق اللغة لتمنحه طاقة تعبيرية وتمنحه فضاءً واسعاً تتحرك فيه رؤاه دون قيد، ممّا يعني أن شعريّة النص تنقاد وراء جمالية اللغة وسحر إيقاع مفرداتها الذي يكشف عنه المتلقي كلما أوغل في ثوابتها وبحث في معطياتها السياقية.
  يعمد الشاعر في بلاغة الرؤى إلى تمازج الصور وتعدد علاقاتها الدلالية، فيرسم عالمه بصورة الواقع الذي يستبد به الحزن، وتستفيق من كلماته الآلام، إذ يبعث الشاعر في قصائده ما يُثير الشجى، ويعزف على لحن الخذلان الذي أفقد الألفاظ حلميتها وأوقعها في قالي من القتامة وبشاعة فعل الفقد، حيث يقول ( بلاغة الضحى، ص 37).   
الجهاتُ مبلَّلةٌ بِعَرَقِ الأجساد.،
ليلٌ يحزُّها،
على مذبح التاريخ.
الجهاتُ مؤقتاً،
أسيرةَ الأقدامِ المغبَّرِة،
يقرصُها البردُ،
تعْوِلُ الريحُ في أثدائها
الجهاتُ لا تملُّ الوقوفَ،
في انتظار
المتعبين.
لعلّ تشكيل الصورة بواسطة الرؤى يُكسب النص قيمة وحيوية؛ تنتسب إلى روح الشعر وأهميته في بعث المشاعر الإنسانية بعيداً عن مألوفية الألفاظ ومنطقية الواقع، إذا ينسج الشاعر نصه بنسق تعبيري يحمل مدلولاً آخر يكمن في الرؤى التي تفرزها التراكيب، وتبعثها تراكمات اللاشعور.
 لذلك فإن محاولة القبض على المعنى تخف وطأتها بفعل سلطة السرد وانفلات الذات بشكل يمنح النص قدراً من التفصيل، ويبعث فيه رؤى متمردة لا تقبل الاستكانة، ممّا سمح للصور بالاحتشاد، وللغة بالتشكّل وفق منظومة جديدة توحّد الذات في مدركات حسيّة نازفة، كما في قوله (بلاغة الضحى، ص 95):
أنا الغريبُ الوحيدُ الذي لم يعرفْ
غيرَ طفولةِ اللاشيء،
الفراغُ بامتدادي ينهضُ كأفعى
تحاورُ الجسدَ في عتمة الحواسِ،
غبارَ الأمكنةِ رائحةَ رؤوسٍ
مشجوجةٍ في الرمالِ،
أنا الغريبُ الوحيدُ
معطلةٌ أيامي
على مخلب ِالوقتِ،
وجسدي طفولةُ السؤالِ.
إنّ هذا الخطاب الشعري يبدو هارباً من سلطة الواقع، ورتابة نموذجه إلى سلطة النص، وتداخلاته العذبة، فما كان من الشاعر إلا أن أبدع قصائد أكثر صلة بذاته الملتهبة، وواقعه المنكسر، فكان ترسيخ جوانية الصورة سمة حداثية ذات تعالق واضح  بفكر المتلقي، ورؤية النص العميقة.                                               
إذ باتت هذه التقنيات الأسلوبية جزءاً من دلالة النص، وإنجازاً لمشهديته الحالمة، وذلك بتحطيم قيود السؤال التقليدية، والانتقال به إلى استراتيجية تكوينية، تمارس فعل التجسيد، والانزياح باللغة عن مسارها المباشر إلى فضاءات جديدة من التصوير.
لقد افترش عمر أبو الهيجاء في شعره إيقاع النص، وتشابك مع رؤاه في شذرات جماليّة من لغة كاشفة للذات واثبة للمتلقي، فيما يشبه استلاب الوجود وصهره في نص شعري ذي أداء تعبيري يستند إلى بلاغة العواطف والمشاعر بواسطة إيحاءات نابعة من ترابط الصور البلاغية مع ذات الشاعر الحالمة.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل