الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هل تتأثر البنوك الإسلامية بالأزمات المالية العالمية وهبوط أسعار النفط.. ؟

تم نشره في الاثنين 21 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

] عمان - الدستور ووكالات
هناك العديد من التوجهات الاقتصادية المتباينة التي تلجأ إليها البلدان والحكومات في طريقها نحو اتخاذ أفضل سياسات مالية ونقدية تتناسب مع طبيعتها وواقعها .ويرجع التوجه الاقتصادي نتيجة للأيديولوجية التي يعتقدها المجتمع والبلد.والرأسمالية حينما قدمت البنوك كأحد منتجاتها الحضارية كانت تصور دور رأس المال في الحياة وفي العملية الإنتاجية وحاول الخبراء تجميلها فيما بعد بالحديث عن البنك الشامل .وكان تحديد عوائد العملية الإنتاجية في النظام الرأسمالي بالفائدة لرأس المال بينما يحصل العمل على الأجر والتنظيم على الربح والأرض على الريع أو الإيجار.أما المذهب الاقتصادي الإسلامي فيعكس بوضوح وجود علاقة بين الإله والكون والحياة ومن هنا فالمال في حياة المسلم والأمة الإسلامية ليس حيازة شخصية أو جماعية إنما هو مسؤولية وله أدوار اقتصادية واجتماعية وسياسية تستهدف عمارة الأرض .
 البنوك الإسلامية هي جوهر الاقتصاد الشرعي، حيث تسعى لتنويع خدماتها للأفراد والشركات وفق ضوابط الشريعة أما على المستوى العام فهناك مقاصد خمسة تخص المال ذكرها العالم الجليل الشيخ الطاهر بن عاشور وهي: التداول والرواج داخل المجتمع . وكذلك السعي للكسب والاستثمار وأيضا إثبات ملكية الأموال بجانب حرية التصرف في الأموال الخاصة ووضع المال في نصابه الحلال .
وهذه المقاصد لا تخص أموال الأفراد فقط، ولكنها تشمل أموال الشخصيات الاعتبارية كالشركات والمؤسسات المالية البنكية منها وغير البنكية وكذلك مال الدولة ومال مؤسسات النفع العام ولا تجد البنوك الإسلامية مفرا من استهداف هذه المقاصد والعمل في إطارها فهو إطار حاكم ومحدد لنشاطاتها .
إن الرأسمالية الحديثة وضعت ضوابط كثيرة للحصول على الأموال ومدى مشروعيتها لكن الواقع يظهر عجز الرأسمالية من خلال تقنينها للأنشطة التي تضر بوظيفة المال مثل القمار والرهان والصناعات التي تضر بالبيئة وصحة الإنسان بل في بعض الدول الرأسمالية هناك تقنين للمال المكتسب من أنشطة الاقتصاد الأسود كتجارة السلاح والمخدرات والاتجار بالبشر وفوق هذا كله اعتبارها المال سلعة عبر اعتماد الفائدة كعائد له في العمليات الإنتاجية والخدمية بغض النظر عن عوائد النشاط الاقتصادي .
مجموعة من الفوارق جعلت البنوك الإسلامية بمنأى عن التداعيات السلبية للأزمة المالية العالمية التي لعبت فيها البنوك التقليدية دورا كبيرا أدى إلى خسائر ما زالت الاقتصاديات في أوروبا وأميركا تدفع ثمنها مثل اختلاف طبيعة العقود فتتعامل البنوك التقليدية في قبول الودائع والاستثمار على أساس أنها تضمن أصول هذه الودائع والاستثمارات مع العائد عليها أما البنوك الإسلامية تطبق قاعدة المشاركة في الغنم والغرم لكنها تصنف على أن يدها في هذه التعاملات يد أمانة .
كما تقديم المصارف الإسلامية صيغ المشاركات والمضاربات والمرابحات والإجارة والقرض الحسن وأيضا بالنسبة للعائد على النشاط : يحدد العائد على أنشطة البنوك التقليدية من خلال آلية ثابتة هي سعر الفائدة دون اعتبارات أخرى أما في البنوك الإسلامية فيكون التعاقد على توفير التمويل لا الإقراض .
وعادة ما يكون التمويل لخدمة أو إنتاج سلعة محددة وينظر إلى العائد من النشاط وتحديد نسبة العائد لرأس المال وهو عائد مختلف من نشاط إلى آخر ولا يعني ذلك أن يكون البديل اختلاف نسب الفائدة ولكن المطلوب هو اختلاف العائد على مشاركة رأس المال وحجم المخاطر التي يتحملها واحتساب العائد كنسبة من الأرباح لا من أصل رأس المال . كما أن البنوك الإسلامية تنأى عن تمويل الأنشطة التي تشوبها شبهات الحرام .
ومن السمات المهمة للبنوك الإسلامية حاليا أنها تعمل في تمويل الاقتصاد الحقيقي ولا تتاجر في الديون وكانت هذه السلبيات من أهم أسباب تفاقم مشكلة البنوك في الأزمة المالية العالمية ولذلك خرجت البنوك الإسلامية سالمة من تلك الأزمة .
ولعل صيغ الصكوك الإسلامية كانت من أنسب آليات تمويل البنوك الإسلامية للحكومات أو مشروعاتها . ولا تملك البنوك الإسلامية حق الاتجار في الديون سواء للأفراد أو الحكومات فلا تقوم بعمليات خصم الأوراق التجارية والمالية أو المساهمة في تمويل الدين العام.ولكن يمكنها تمويل مشروعات عامة سواء كانت تملكها الدولة أو مؤسساتها العامة عبر الصيغ الإسلامية المعتمدة بناء على قاعدة «الغنم بالغرم». وبالتالي يكون لدى البنوك الإسلامية مساحة أكبر في إقراض قطاع الأعمال مما يساعد على إنتاج السلع والخدمات ووجود هيكل إيجابي للناتج المحلي الإجمالي يعظم من سياسة الاعتماد على الذات في مشروع التنمية.
هناك شكوك حول إمكانية استمرارية نمو قطاع الصناعة المصرفية الإسلامية لكن الواقع أن ما تحقق من معدل نمو لهذا القطاع في العام المنصرم يدور بحدود الـ5% مع احتمالات زيادة حجم الأصول إلى 2 تريليون دولار .لكن سيكون هناك العديد من العوامل والتحديات التي ستعيق مواصلة نمو هذا القطاع ومنها تأثير الإجراءات المتخذة بعد تراجع أسعار النفط وانعكاسه على الدول المصدرة له والمؤسسات المالية الإسلامية بها حيث اتخذت بعض هذه الدول إجراءات تمثلت في خفض الإنفاق ورفع الدعم وخصخصة لأصول حكومية بما فيها الإمارات والسعودية ومن المتوقع أن يبقى تأثير ذلك على أسواق هذه الدول على الأقل للعامين المقبلين وهذا سيؤدي بالنتيجة إلى تراجع نمو قطاع الصناعة المصرفية الإسلامية وتراجع جودة الأصول لديها ثم انخفاض معدل الربحية .
ولهذا يجب على صناع الصيرفة الشرعية الجاهزية لمواجهة أي تطور جديد قد تتعرض له الصناعة المصرفية الإسلامية فهناك العديد من التحديات التي تتطلب وضع إستراتيجية مدروسة ووضع خطط تسمح بالثبات في وجه العواصف المالية حال وقوعها إذا كانت لا تسمح لنا المعطيات العالمية والمحلية من المساهمة في التخفيف من حدتها على الأقل إضافة إلى ضرورة تقنين النشاط الذي تشهده بعض الدول في إصدارات الصكوك الإسلامية ومع استمرار هذا الوضع فإنه من الممكن أن يؤثر على نمو حجم الأصول لديها والتي من المتوقع لها أن تصل عام 2020 إلى 3 تريليونات دولار إضافة إلى ما يمكن أن تتعرض له البنوك في بعض الدول من اختلالات ومشاكل في موازناتها قد تعيق تحقيق نمو اقتصادي طموح يشكل أرضية مناسبة لزيادة حجم مساهمة قطاع المصارف الإسلامية .
وهناك التقلبات الاقتصادية التي تتعرض لها بعض الدول الرأسمالية والتي أبدت رغبتها في احتضان لبعض النشاطات المالية الإسلامية ففي أوروبا تسعى لندن لأن تكون عاصمة للمالية الإسلامية بالعالم في منافسة شديدة مع دبي وكوالالمبور وتبعه تحرك سريع من ألمانيا وفرنسا وروسيا وإلى حد ما اسبانيا التي تعاني ارتفاع معدل البطالة وتراجع النمو وقد طالت هذه المشاكل الاقتصادية كل من اليونان والبرتغال وتسببت في حدوث أزمة مالية اجتاحت دول الاتحاد الأوروبي وأوشكت أن تهدد وحدتها وأيضا تتجه اليابان إلى الركود وأوربا توشك على الانكماش وهذه السلبيات لها آثار وانعكاسات علي البنوك والصيرفة الشرعية في العالم .
ولا يغيب عدم الاستقرار السياسي في العديد من الدول العربية والإسلامية الأمر الذي انعكس على تراجع فرص الاستثمار وهجرة رؤوس الأموال مما أحدث فراغا اقتصاديا وغيابا لنشاطات المصارف ومنها الإسلامية في هذه الدول في الوقت الذي كان من المؤمل فيه أن تمثل أسواقها المالية والمصرفية إضافة نوعية للصناعة المصرفية الإسلامية والعربية .

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل