الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يا له من ألم.. يا له من ثمن

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً


* نضال حمارنة
تقدم لنا القاصة والمترجمة هيفاء أبو النادي مختارات من قصائد الشاعرة التشيلية غابرييلا مسترال؛ في كتاب «من خوابي نبيذي» الصادر عن دار أزمنة للنشر والتوزيع 2017 – عمّان،الأردن.
غابرييلا مسترال الاسم الأدبي للوثيلا غودي ألكاياغا، ولدت في عام 1889 ببلدة فيكونيا الصغيرة؛ شمال تشيلي، لوالدين عملا بالتدريس.
حين هجر والدها العائلة كانت في عمر الثلاث سنوات. مارست مهنة التدريس الثانوي، وذاع صيتها كتربوية مميزة، فدعاها وزير التربية المكسيكي لمساعدته في برنامجه الإصلاحي التربوي في العام1922. كما نالت لقب»معلم الدولة»التشيلي. تقاعدت من التدريس عام 1925 واتجهت للعمل الدبلوماسي بداية كقنصل فخري لتشيلي في كلٍّ من مدريد،لشبونة،نيس،البرازيل،ولوس أنجلس.كما شغلت منصب ممثل عصبة الأمم، ثم الأمم المتحدة.
حظيت مسترال بأول اعتراف أدبي عام 1914 إثر نشر «سونيتات الموت»،مُوقَّعة باسمها الذي اختارته بنفسها واشتهرت به»غابرييلا مسترال»؛وكانت قصائد الكتاب ردّة فعل على انتحار أول حبيب في حياتها،ماشكّل حدثاً جارحاً أثّر على باكورة شعرها،وعكس معاناتها الشخصية في نصوصها.
بعد صدور مجموعتها الشعرية»يأس»عام 1922 أشار النقاد والدارسون إلى- شِعرِها المباشر والبسيط من دون زخرف – باعتباره تحولاً مبكراً نحو الحداثة في أميركا اللاتينية، أو لعلها كانت الأم الروحية لشعراء عظام أنجبتهم القارة الأميركية الجنوبية في القرن العشرين.بعد عامين صدر كتابها «رقة».وانتظرت أربعة عشر عاماً لإصدار مجموعتها «دمار» التي كانت أكثر بهجة من أعمالها السابقة، إذ جمعت ثيمات مختلفة ومتناقضة عن الحياة الأميركية..عن الأطفال..عن الموت.. بلغة أكثر صقلاً وشفافية مقارنة بنصوصها السابقة.  آخر إصداراتها كتاب «معصرة النبيذ». لم يكن فوزها بجائزة نوبل للآداب عام1945 ليخفف من إحساسها بالخسارة الفادحة،أو يعوضها،إثر انتحار ابن أخيها الذي تولّتْ مهمة تربيته كما لوكان ابنها،بالإضافة إلى انتحار صديقيها الحميمين ستيفان زويغ وزوجته.
أصيبت بداء السكري،وانتقلت إلى الولايات المتحدة للعلاج، سكنت في مناطق مختلفة، وبعد تعيينها في الأمم المتحدة،انتقلت إلى لونغ آيلاند، وهناك وافتها المنية على أثر إصابتها بالسرطان عام1957.
هنا سأقطف سطورا من كلمة ميسترال في احتفال جائزة نوبل :»كم تأثرت،كإبنة للديمقراطية التشيلية،بأن يقف أمامي ممثلٌ عن النموذج الديمقراطي السويدي؛نموذجٌ تتجلى أصالته في تجدُّدِهِ المتواصل فيما أكثر إبداعات المجتمع قيمةً. إنه الإبداع في تحرير ما هو تقليديٌّ من كل ما هو يابسٌ وميت،مع الحفاظ على سلامة جوهر فضائل الأولين،وقبول الحاضر كما هو وتوقُّع المستقبل.».
اختارت هيفاء أبو النادي قصائد حالات امرأة مثّلتْ عدداً لا يُحصى من نساء الأرض،في ذاك الزمان،تنسحبُ على المرأة في هذا الزمان أيضاً.ففي كل زمان ثمة دائماً»امرأة» «أخرى»، وثانية»حُرّة»، وثالثة «شغوف»ورابعة «مُهانة»،وخامسة «منبوذة»، وسادسة «هائمة»، وسابعة «ورِعة»، «لا تنام»، وأخرى «باليرينا» راقصة...إلخ.
الشعر لدى غابرييلا مسترال لا يقدم وثائق ولا معلومات عن شخوص أو حالات بعينها؛ إنه يستكشف معنى الإنشاء الكتابي للوجود الإنساني في خاصيته الفردية – امرأة، حبيب،صديق غائب،طفل مفتقد وهكذا..-
قصائدها وإن كانت في هذا الكتاب تحاكي نساء، فهي لا تأخذ الكل في واحد،ولا الواحد في الكل، لا تُنمذج.. ولا تؤطر.. ولا تؤدلج ؛ هي تكتب رؤيتها الخاصة وكأنها تتابع.. تنفصل.. تتناوب.. تتواشج كخيط رفيع يحدد علاقة الجزء بالكل،الحالة بطقسها وخبرتها تعيدنا إلى مكمنها، إلى مشاركة التماهي مع الحلم – رغم اغترابها الهائل- بوصفه طوق نجاة إبداعي.
«وعندما يَجيءُ، أعرفُ،
تُخبِرُني عَصْفةُ الرِّيحِ، جَذِلةً وتوّاقةً ؛
وتَفْتحُ صرختي طريقاً في العاصفة
تُغويِه، وتُغطّي شَعرَهُ
وتحمي عينيه من البرد.
.. للحالِ يجيءُ أنقى من قُرصٍ مقذوفٍ
لكنَّ جَسَدي وروحي يَعْرفان مِنْ قبلُ
أنَّهُ يأتي ماشياً
على شريط صَرختي الطَّويلةِ الشاحِبِ
صَرخَتي اللانهائيةُ لا تُرْخي قَبْضَتَها ؛
كَفيفاً وواضِحاً تعْثُرُ عليهِ فوق القمم.
.. والآن، بينما هو يقترب، تُحرِّرُهُ،
تُطلقُ سَراحَهُ وتتلاشى على بابي.
ليسَ ثمَّةَ بقايا صوت حينَ يسقُطُ بينَ ذِراعيَّ
لأنَّهُ أُنْهِكَ،
وهذا الصَّمْتُ أقوى مِن الصَّرخةِ».
مقاطع من قصيدة «المرأة الشغوف»؛ الصوت لا يبوح بغموضه الأصلي مع أنه يسترسل بشفافية شعرية وكلمات متحركة من مكان في الطبيعة إلى مكان مع ما بُنِيَ عليه، كاستعارة ؛ هناك خيال فعلي للصوت يستطيع أن يشقَّ  صخرة وأن يسيل.. لا نراه أمامنا.. هو الصوت غير المباشر والجانبي.. يلامسنا ثم يمضي ؛ لكنّه يترك جوهر أُلفة الألم.
«أتوسطُ الأرض
يا حبيبي، أتوسطُ حياتي،
لأشُقّ عُروقي وصدري،
لأخلعَ عنّي جِلدي مِثلَ رُمّانةٍ،
وأكسِرَ الماهوغاني الأحمرَ
للعظام التي أحبَّتْكَ.
سأحرقُ كلّ ما كان لنا:
الجدران العريضة، الأعمدة الشاهقة
.. وبضربات فأسٍ
سأسُدُّ جُبَّ السعادةِ.
يا لَهُ مِنْ ألم، يا لَهُ مِنْ ثَمَن،
آهِ كَمْ كانت الأشياءُ سماويّة
لا تبتغي الموتَ خلاصاً، بل تَمْقُتُهُ».
تلك مقاطع من قصيدة المرأة « المنبوذة»، وأيضاً في مقاطع تالية سآتي على ذكرها، نرى أن غابرييلا مسترال قد أسست صورتها الشعرية على معاندة المتوقع من الأحاسيس والأفكار، والإصرار على تقويض فكرة التلقي بالانحياد عن الدارج من المعاني، والابتعاد كشاعرة حداثية عن (الشعر النظيف المُجفف)باستخدامها عبارات  أقرب إلى الدرامية تبين عن استنفار مشاعرها حيث الدفع بالشعور إلى أقصاه.
«الأخرى
قتلْتُ امرأةً فِيَّ :
تلكَ التي لمْ أكُنْ أحِبُّها.
تركْتُها تموتُ،
نَضَوْتُ عنها دَمَ قلبي.
ذَوَتْ كَنَسْرٍ
ماتَ لِفَرْطِ جُوعِهِ.»
ذات الشاعرة مطعونة بالفقد ؛ لكنَّها مُغامرة بدون تردد في متخيل الوقائع والصور، يعادلها إفصاح لغوي صريح بنسيجه الشعوري ومزاجه القاسي أو الحميمي، فيما يبدو للقارئ تأريخاً للذات الأنثوية المغلولة لفائض حدسها،وحواسها، وحسّيتها، حيث تتوضح فداحة رمزية الاستعارات بما يشبه تلاشي الذات أو تهاويها في نوبة من هستيريا – الاستغناء،الموت –
«الباليرينا
بلا اسمٍ، أو عِرْقٍ، أو عَقيدةٍ، مُجَرَّدةً
مِنْ ذلك كُلِّهِ ومِنْ نَفْسِها،  تستسلمُ،
جميلةً ونقيَّةً، على قدمين طائرتينِ.
لكأنَّها شجرةٌ تهتزُّ
وفي خِضَمِّ تَبَدُّلهِا
تصيرُ شاهِدَة.»
مسترال تكتب القصيدة بخيال حالمة، ورؤية منفتحة على الكون، لا فوارق، ولا نزوعات تقليدية، إنها الرحابة اللانهائية.
«عُمْيٌ في النومِ وعُمْيٌ في الصَّحوِ.
لَمْ نَثِقْ في اليقظةِ مِنْ قبلُ؛
وإنْ كُنّا نحلمُ، فاتركونا نحلُمُ إذاً،
إلى أن يُقنِعَنا حُلمنا».

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل