الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الفضاء الوصفي في مجموعة «كمستير» للقاص لجعفر العقيلي

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2017. 12:00 صباحاً

* د. ثامر إبراهيم المصاروة
يُعَدّ الوصف عنصراً فعّالاً لتأسيس الخطاب القصصي، وهو ركنٌ أساسي من أركان العمل الأدبي، يقوم على علاقة تشاركية أيّاً كانت وظيفته بين القارئ والقصة كنصّ حكائي، لا سيّما أن اللغة الواصفة تختلف من كاتب لآخر.
فالوصف مكون مهمّ من مكونات الرواية والكتابة السردية؛ لأنه يقوم بدور الديكور في المسرحية، كما أشار إلى ذلك جيرار جينت. أما فيليب هامون فيرى أن الوصف ليس دائماً وصفاً للواقع، بل هو في الأساس «ممارسة نَصّية».
والقارئ لمجموعة «كمستير» القصصية، يلحظ أن عنصر الوصف حاضر بشكل لافت للنظر، إذ جاء عالم العقيلي السردي مليئاً بالتوصيفات، مما خلق جوّاً تشاركيّاً وتفاعليّاً مع قارئه، لا سيّما أن لغته الواصفة جاءت بمسحة شعرية انزياحية، عملت على تحفيز القارئ للقراءة والتأمُّل.
وقد يبدأ الوصف لدى القاص بإعلان طارئ ومفاجئ للقارئ، فيخلق منه حالة من الترّقب والانتظار، خلف حدود أسلاكه الشائكة، يقول السارد في قصة «تصفية حساب»: «كنتُ غادرتُ الطاولة لتوّي نحو السرير حين أفزعتني رنّة الجرس. التفتُّ من فوري نحو ساعة الحائط دون أن أتحرك. العقربان يكادان يتطابقان. منتصف الليل. رنّة أخرى أعادت بصري إلى الباب قبل أن تذكّرني النافذة العارية من الستائر أننا في تشرين؛ ظلمة وبرد وريح تهبُّ على سجيّتها» (ص9).
وربما يطول الإعلان بحدثٍ جلل أو أمرٍ خفيّ على السارد والقارئ على حدٍّ سواء، ففي القصة نفسها يقول السارد: «كل ذلك دار في ذهني وأنا بعدُ ما وصلتُ الباب. وعندما رنّ الجرس للمرة الرابعة، وتوالت طرقاتٌ بثقةِ مَن يعرف مبتغاه، تنبّهتُ إلى أنني لم أقل: (مَن؟!). وماذا لو فعلتُ؛ أكان سيجيب؟ لا أعرف....» (ص10).
ويميل الكاتب في توصيفاته إلى استخدام تساؤلات ذهنية تنهال عليه، وتتردد كذلك في ذهن القارئ، وأشياء أخرى حسيّة من مثل: الجرس، الباب، الطاولة، الجدار، الساعة. وكلّها من متعلقات جدلية الحدث المحكي.
ومما يثير الدهشة والخوف لدى المتلقي ذلك الانتقال المفاجئ في التوصيفات، سواء أكان من العام إلى الخاص، أم من الكل إلى الجزء، أم من الحسيّ إلى المعنويّ، وكلّ ذلك جاء في ترنيمة تشاركيّة لرؤية الكاتب التي يطمح من خلالها إلى تقديم عمله القصصي.
وفي قصة «علامة فارقة» يرسم العقيلي مشهداً حوارياً وصْفياً محدوداً ومحصوراً بينه وبين تلك الشَّعرة التي ظهرت في أعلى حاجبه: «هكذا انتبهتُ إليها؛ كنتُ أمشّط شَعري أمام المرآة، ومصادفةً رأيتُها تختطّ طريقاً غير تلك التي درجتْ عليها رفيقاتُها. لم آبَه للأمر في بادئه. ثمّ حين واجهَتْني بحضورها المشاكس، اغتظتُ. ولأنني لستُ عدوانياً، بخاصة مع (كائن) في مملكة جسدي.... إلخ» (ص21).
فكأنّ القاص أراد من ذلك المشهد الحواري الوصفي أن يكون فاتحةً لقصته، ويكشف لنا من خلاله عن هوّة تتأرجح بين الانتماء والانسلاخ، أو بين الحبّ والكُرْه، فيضع القارئ بين هذين الندَّيْن لقراءة الرؤية من زوايا مختلفة.
ونرى العقيلي في قصة «كمستير»، يرسم وصفاً دقيقاً يدخل به عالمه الواقعي الذي يريد أن يمثلّه للقارئ بريشة فنّان، مستخدماً لغة انزياحية جميلة، فهو يبحث عن ذاته ومتعلَّقاته الخاصة، فاستطاع أن يحرّر ذلك الفضاء بكينونته الكلاسيكية إلى فضاءٍ ومدار مليء بالحركة والنشاط والحيوية: «إنّها رأسي؛ الوجهُ الناحل الذي ورثْتُه عن جدّي لأبي، العينان المغروزتان في أعماقه، الأنف المضغوط الباسط قاعدته فوق أرجاء وجنتين ضامرتين، والفم الممتدّ حتى أطراف الأذنين المنكمشتين بعيداً...» (ص37).
نلاحظ هنا الدقةَ في التوصيفات، والخوض في غمارها الدقيقة، بحيث استطاع القاص أن يجعل القارئ يقرأ تفصيلات جسد بطلِه كأنّه يتعرف عليها للمرة الأولى. وعلاوة على اللغة الواصفة وما يعتريها من انزياحات وشعرية، فقد لجأ إلى استخدام عالم الفنتازيا؛ لينقلنا من بوتقة الواقعية وما جاء به العنوان إلى عالم خيالي مليء بالعجائبية والغرائبية: «المهمّ أنني الآن في مواجهة رأسي. بدت فكرةً فانتازية كلّما أمعنتُ فيها قادتْني إلى ضفاف الجنون. رأسي معروضة للبيع في حانوتٍ قديم. رأسي التي أستطيعُ تمييزها من بين ملايين الرؤوس، تنتظر من يشتريها. يا لها من (مسخرة)!» (ص41).
فالكاتب يشير إلى حالةٍ من عدم الاستقرار، فهو يرمز إلى الرأس بما يعتريه من أفكار وثقافات، فكأنه أصبح يبحث عن نفسه أمام تلك الرؤوس على الرغم من معرفته به جيّداً، فقد استطاع أن يخوض العالم الخيالي وما يعتريه من عالم يعيشه في مرآة الآخرين.
جاءت رؤية العقيلي في قصصه متعلقة بقضايا إنسانيّة، إذ ترسم صورة عامة لأبعاد تلك الرؤية من عزلة وخوف وقلق وإيمان وتصالح وتنازع، وغيرها الكثير، وقد بُثَّت تلك الرؤية بلغة واصفة بامتياز، فقصة «كمستير» مثلاً، فيها بحثٌ عن الذات والهوية، وقصة «تعايش» فيها الغربة والوحدة، وقصة «وجه وأقنعة» فيها البحث وقراءة الآخر والتأمل، وكذلك الأمر في قصة «مسافة كافية». هي قصص يجمعها التردد والخوف والحيرة واليأس والبحث عن الذات والآخر معاً.
واستطاع العقيلي أن يقف من خلال قصصه على قضّية محوريّة أساسيّة، هي الذات والآخر وعلاقة كلّ منهما بالآخر، إذ صوّر من خلالهما قضايا إنسانيّة عامة، وعاينَ مدى اندماجهما وانخراطهما فيها، فحاول أن يصّور الواقع ويصفه، وكذا الهموم اليومية والنفسيّة، كلّ ذلك بأسلوب تكنيكي جديد ينحو منحى التجريب والغرائبية، وباستخدام لغة واصفة.
وعطفاً على ما سبق، لجأ القاص إلى توصيفات استطاع من خلالها أن يجعل القارئ يحلّق في فضاءات دوالّ نصّه المتعددة، ففي قصة «مسافة كافية» يقول الراوي: «أخفضَ من صوت الأغنية البلهاء على إذاعة محلية، وأغلق نوافذ السيارة، ورفع (النقّال) بيمناه، بينما ترك المقود لليسرى باتجاه عمله. ضغط على رقمها، ففتحت الخطَّ. كان يودّ أن يقول: (أحبك) ويغلق الهاتف. أن يقول: (اشتقتك) فحسب...» (ص73).
ومن الملاحَظ أن التوصيفات في القصة قد اختزلتْ صوتَ الأنا والآخر على حدٍّ سواء، ومنَحتْه الحيوية والمساحة الكافية لقراءة المشهد بأضواء متعددة الألوان. وفي القصة نفسها يعرض العقيلي حلقات أخرى، تشترك في التردد والحيرة، فاستطاع الوصف أن يعطي المتلقي المساحة الكاملة بوضع سلسلة من الأحداث التي تلي أحداث الراوي ضمن بؤرة مركزيّة رسمها ووصفها الكاتب بريشته الخاصّة.
وكذلك الأمر في قصة «وقت مستقطَع»؛ إذ ينفتح المشهد على توصيفات رئيسة وأخرى ثانويّة، وعلى لسان السارد العليم، فالقصة بمجملها توصيفات لامنتهاهية لقراءة الأنا والآخر بعيون أخرى.
لقد استطاع الكاتب من خلال توصيفاته تلك أن يؤطّر علاقة تفاعلية ناجعة مع القارئ؛ للمشاركة الفاعلة بين الحقيقة والمجاز، فجاءت التوصيفات بؤرةً مركزيّة للنص الحكائي، تختزل رؤيا الكاتب وبراعته، لا سيّما أن الأحداث نابعة منها.
واستخدم العقيلي توصيفاته من خلال أساليب وتقنيات فنيّة متعددة، فمثلاً لجأ إلى الوصف عن طريق الحلم في قصة «وجه وأقنعة»، كما استخدم الرمز في قصة «كمستير»، واستخدم الوصف الاستبطاني في قصة «تنازلات»، ونلحظ تيار الوعي في قصة «تعايش»، وتتقاطع توصيفاته أحياناً مع الفنون السمعيّة والبصرية، كما نلحظ في قصتَي «دُوار» و»وقت مستقطَع».
كما أسهم الوصف لدى العقيلي في إبراز بعض العادات والتقاليد الموروثة لدى المجتمع، وهي الإيمان بالخرافة والجن والمسّ وغيرها، كما يَظهر في قصة «وجه وأقنعة»، فاستطاع من خلال وصفه للمكان وأنسنته له، أن يمتطي مغامرة التجريب، فلا ريب أننا أمام كاتب متمرّس يكتب بلغة واصفة هادفة.
وأسهم الوصف لدى العقيلي في بروز تعددية الأصوات أيضاً، من خلال اللجوء إلى أسلوب الحوار، فهو أساس يقوم على الوصف سواء أكان للمكان أم للشخصيات أم للزمان على حدٍّ سواء، ويظهر ذلك جليّاً في قصة «تصفية حساب» التي تجتاحها أصوات عدّة، كما ساعد في القصة تفسها على إبراز صورة الصراع مع الذات، وبرزت علاقة البطل في القصة مع الآخرين.
وفي قصة «خيبة أخرى» تظهر براعة الكاتب في وصف الشخصية الرئيسة (حمدان)، فقد استطاع أن يبين أسرارها ونواياها، ونجح في سبر أغوارها، وهي تمثل شريحة اجتماعيّة عامة أراد الكاتب من خلالها أن يجتاح العالم الواقعي بلغة واصفة تعبّر للقارئ عنها، ويرصد لنا من خلالها كيفيّة نظرها إلى الأشياء، وطريقتها في التعامل مع الحقائق. يقول السارد: «شابٌّ مربوعٌ حنطيّ البشرة، بتجاعيد حديثة العهد فوق الوجه، وعينين حادّتين لا تَشيان بما ينطوي عليه قلبُه من طيبة. هكذا يبدو (حمدان) الذي يجيء كلَّ يوم إلى هنا، حاملاً صحيفةً يبتاعها من كشكٍ على ناصية الشارع، ويخرج متأبطاً إياها يعوزها الترتيب» (ص115).
وكذلك نقرأ قصة «تعايش» من خلال رسم صورة وصفيّة بالغة في القلق والتوتر، وبروز البطل من خلال الوصف بعدم الاستقرار، وكأنها شخصية مهزومة لم تستطع التكيّف مع العالم المحيط، وعلاوة على ذلك هناك وصفٌ دقيق للمكان وما يعتريه، وكذا تحويل الجمادات إلى كائنات حيّة داخل عالم البطل الغامض، كلّ ذلك في قصة واصفة للمكان والزمان والشخوص والأحداث؛ جاءت لتنير درب المتلقي في رؤية القلق والحيرة والعزلة التي يعيشها ذلك البطل الذي أعلن انهزامه في النهاية.
وكذا الأمر في قصة «وقت مستقطَع»، إذ يعتمد الكاتب اعتماداً كليّاً على المونولوج من خلال التصوير الوصفي لموقف البطل من جلوس الفتاة بجانبه: «رغم اتساع الطريق وقلة الازدحام فيها، كانت سيارة KIA الكُحليّة تسير على مهل، كأن سائقها لا يستعجل الوصول إلى مكان محدد، أو كأن لديه ما شغلَ باله ويجب أن يقلّبه في خلوةٍ مع نفسه...كان ذلك عندما تراءت له على الرصيف امرأةٌ متلفّعة بالسواد، لم يستبين من ملامحها شيئاً.. تصارعت الأفكار في ذهنه من دون أن تدّعي إحداها انتصاراً» (ص79). وقد ساعد ذلك المونولوج في تداخل الأصوات؛ صوت الراوي مع الحوار الداخلي، فكأنه يشير إلى حقيقة طريقة التفكير لدى بعض الناس في موقف معيّن، ويكتشف في النهاية أن هذا التفكير مغاير للحقيقة.
خلاصة القول إن جعفر العقيلي استطاع وباقتدار من خلال مجموعته القصصية «كمستسر»، أن يخوض غمار التجريب دون تردد أو خوف، وأن يُلبس الواقعية لباسَ الغرائبية، فرسم لنا صورة وصفية بانورامية لعناصر القصص بمجملها، وجاءت القصة لديه مشهداً وصفياً بلا منازع، تعبِّر عن قضايا إنسانية ومجتمعية عامة.
ولم يكن لجوء العقيلي إلى الوصف وتوصيفاته المتعددة، من باب الزخرفة أو الزينة أو زيادة القصة حجماً أو إطالتها زمناً، وإنما جاء بصورة متكاملة مع عناصر القصة عامةً، وأسهم في بناء المعنى والمبنى معاً، فقدّم القاص صورة مسحيّة من خلال كاميرته التي أخذت ترسم الجزئيات الصغيرة وتصفها، وأخذ القارئ معه يحلّل ويقرأ ما التقطته عدسة الواصف بإمعان.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل